انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

أبو الحسن الجمال
أبو الحسن الجمال

كاتب ومؤرخ مصري

12 دقائق للقراءة
15 مشاهدة2 تعليق
فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها
مشاركة:

 بعد صدور كتابي عن بليغ حمدي في صيف 2018 هممت بتكرار التجربة مع كروان الشرق فايزة أحمد فذهبت إلى رفيق دربها الموسيقار الكبير محمد سلطان في دوحته الأثيرة التي يقطن فيها منذ أن جاء إلى القاهرة من الإسكندرية في مطلع الستينات، وظل يسكن فيها حتى رحيله في نوفمبر 2022، ورحب الرجل بالفكرة وبدأت جلساتي مع الموسيقار الكبير يسرد علي حديث الذكريات المزدحم بمحطات المجد والشجن والدموع.. وصرت أصل الليل بالنهار حتى صدر الكتاب في خريف 2019 وصدر عن قطاع الثقافة في أخبار اليوم، ثم إلى الكتاب مرة أخرى بعد صدوره بست سنوات وبعد رحيل محمد سلطان وأضفت إليه الكثير وصدر في طبعة مزيدة ومزدانة بالصور والوثائق...

  وفي هذه الأيام تمر الذكرى الـ43 لرحيل كروان الشرق فايزة أحمد التي ملأت الدنيا شدوا وطربا وخلال مشوارها تعرضت للمتاعب ولم تثنيها ظروفها الصعبة التي صادفتها ولكنها نحتت في الصخر واحتلت لنفسها مكانة رفيعة في عصر ازدحم بالنجوم الكبار..

  ولدت فايزة أحمد الرواس في بيروت في الخامس من ديسمبر سنة 1931، وهناك روايات تقول سنة 1934، لأب سوري وأم لبنانية، وقد تميزت بصوتها العذب وحبها للغناء منذ طفولتها، حيث كانت تقدّم أغاني ليلى مراد وأسمهان بالمدرسة، فشجّعتها والدتها وأحضرت لها مدرساً يعلّمها أصول الغناء، وعن بدايتها ينقل المؤلف عن فايزة أحمد قولها:

“أنا لا أذكر شيئاً كثيراً من طفولتي، فقط اتذكر أن أمي روت لي أنها كانت في صباها معجبة كثيراً بأم كلثوم، وتستمع دائما إلى أغانيها من الراديو والجرامفون، وعندما جئت إلى هذه الدنيا اسمتني فايزة، على أن أفوز بكل ما تتمناه لي في هذه الدنيا”.

   غنت فايزة أحمد في سوريا ولبنان والعراق قبل أن تنتقل إلى القاهرة ومحطتها في البلاد الثلاث وغنائها لكبار الملحنين هي مرحلة مهمة ضرب عنها المؤرخين صفحا غلا المؤرخ الفني عمرو فتحي في كتابه التوثيقي عن فايزة أحمد ..  بعد ذلك انتقلت إلى القاهرة عاصمة الفنون بعد ولحن لها الكبار أمثال: محمد عبد الوهاب الذي لحن لها العديد من الألحان، والموسيقار محمد الموجي وقد شكلت معه ثنائيًا أبدع لها الأعمال الرائعة.. كما لحن لها زكريا أحمد وعبد العظيم محمد وبليغ حمدي وكمال الطويل..

   وفي بداية الستينيات انفض عنها الملحنين.. وأصبحت لا تقدم أي أعمالا ووجدت ضالتها في الموسيقار الشاب محمد سلطان الذي كان نجمًا سينمائيًا يصعد بقوة نحو القمة في هذه الفترة وشارك بالبطولة في عدة أفلام مع المحرجين يوسف شاهين وفطين عبد الوهاب وأحمد ضياء الدين واشترك في تمثيل أفلام عالمية، ولما تعرف إلى فايزة أحمد زهد في الأعمال السينمائية وأخلص لمجال التلحين، وبدأت الرحلة مع سلطان التي استمرت 17 عاماً بدأت فنية أولا ثم توجت بالزواج  وأنجبا التؤامين طارق وعمرو..

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

فايزة أحمد في حب مصر:

 عشقت فايزة أحمد مصر كما لم تعشق قطرًا عربيًا آخر، وقد غلب هذا الحب على نفسها وعلى بلدتها التي أنجبتها ونشأت فيها طفلة وشابة، وجاءت فايزة إلى مصر في منتصف الخمسينات ولم تغادرها حتى حوتها مصر في النهاية بين ثراها.. وينقل عنها قولها: “صحيح أنا لبنانية الأصل ولكنني مصرية الفن، فأنا طول حياتي وحتى عندما بدأت الغناء في لبنان لم أغن سوي باللهجة المصرية.. فلماذا لا يريدون الاعتراف بأنني مثل كل فنانة مصرية؟ لماذا يحبني الجمهور ويحاربني الفنانون وأجهزة الإعلام؟”!..

   شاركت فايزة في كل المناسبات الوطنية والقومية.. كانت حاضرة, ومغردة, وواكبت بصوتها عز ثورة يوليو سنة 1952, وتأميم قناة السويس سنة 1956, وما أعقبه من العدوان الثلاثي على مصر, وقيام الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958, ثم انهيار مشروع الوحدة سنة 1961, وبناء السد العالي، ثم عدوان يونيو سنة 1967 وما تلاها من حرب الاستنزاف سنة 1968, ثم حرب أكتوبر سنة 1973, كان لكل صوت بصمته وصوته الذي عبر به عن فرحة الشعب العربي بأكمله بالنصر المظفّر, إنه انتصار أكتوبر المجيد النصر العربي العسكري الوحيد في العصر الحديث, والذي حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ثم غنت للسلام الذي أعقب نصر أكتوبر..

    وبعد أن ركزت لسنوات على الأغنية الطويلة عادت فايزة أحمد في أواخر أيامها لتقدم الأغنية القصيرة (أغنية الفورم)، فقدمت : حبيتك- إنساني – شارع الهوى –على وش القمر- دنيا جديدة – بكرة تعرف وغيرها، بل أعادت غناء أغنياتها القديمة التي غنتها في بداية مشوارها لبليغ حمدي ومحمد الموجي ومحمد عبد الوهاب وكمال الطويل وفؤاد حلمي.. وقد تجاوب معها جمهور حفلاتها قدر تجاوبه وإعجابه وعشقه لأداء أغنياتها الطويلة.

فن الأوبريت:

  وعندما غنت أوبريت مصر بلدنا من تلحين محمد سلطان، وكانت التجربة جديدة عليها إلى الحد الذي تصور معه الناس ان نجمة من نجوم الغناء مثل فايزة أحمد لا يمكنها الاستمرار في الغناء يومياً على خشبة المسرح، ولكنها صمدت حتى انتهى الوقت المحدد لعرض الأوبريت، وهذا فتح شهيتها لتكرار التجربة مرة أخرى خصوصاً وأنه في العصر كانت هناك محاولات جادة لبعث المسرح الغنائي وكان يصر عليها الفريق المنافس لها (بليغ- وردة – عفاف راضي)، فقدم في هذه الفترة أعمال مثل: ياسين ولدي، وغيرها..  

"أعلنت عليك الحب":

كما قامت بالغناء في المسلسل الإذاعي "أعلنت عليك الحب"، في إذاعة الشرق الأوسط، عن قصة الأديبة الكبيرة غادة السمان ووضع المعالجة السينمائية له الدكتور رفيق الصبان وإخراج محمد أنور، وغنت فايزة أحمد معبرة عن أحاسيس بطلة المسلسل ماجدة، بجانب غنائها للمقدمة والنهاية وأغنيات أخرى بمثابة سرد وربط غنائي لأحداث الرواية المسلسلة، وعن هذه التجربة تقول فايزة أحمد: "هذه هي المرة الأولى التي أشترك في مسلسل إذاعي وسأقدم فيها عدة أغنيات من ألحان محمد سلطان، وكلمات محمد حمزة، وهي لون جديد من الأغنيات يختلف عما غنيته من قبل".

رأي في الصداقة:

رغم أن فايزة أحمد عاشت طوال حياتها حياة قلقة، تحيط بها المشكلات وكانت تؤمن بنظرية المؤامرة، وتحولت المنافسة إلى صراع طويل بينها وبين زملائها في عالم الموسيقى والغناء، إلا أنها كانت تعتز بالصداقة والصديق، ولفايزة أحمد رأي في الصداقة -كما يقول الكاتب الصحفي محمد سعيد- فهي ترى أن الصداقة إذا كانت هامة وضرورية بالنسبة للشخص العادي، ولكنها مسألة وجود وعدم وجود بالنسبة للفنان.. فالفنان يستمد إحساسه وصدقه، من علاقات الصداقة التي تربطه بالآخرين، وفايزة أحمد تعتز بكونها صديقة مخلصة وهي تقول أنها مستعدة للتضحية من أجل الأصدقاء بشرط أن يكون الأصدقاء أوفياء معنى الصداقة ويقدرون قيمتها.. كما ترى أن أهم قيمة في الصداقة كونها قائمة على أساس من الاختيار الإنساني، فهي علاقات تعتمد على إرادة الإنسان واختياره الحر وليست علاقات مفروضة عليه، وأشد ما يؤلم الإنسان في رأيها أن تثق في شخص وتعاونه وتسانده تحت مسمى الصداقة ثم يخون ميثاق الصداقة ويقطع أواصرها ويأتي منه الغدر والشر والتآمر، فهذا النوع لم يمكن الثقة به على الإطلاق، وغير جدير  بالصداقة، لأن الصديق هو من يعاهدك على الصدق في القول والعمل.

معارك ومساجلات شخصية وفنية:

عندما قام أحد المحررين بكتابة مذكرات عبد الحليم حافظ التقته فايزة أحمد وفتحت عليه النار، وأشارت عليه بتدوين عيوبه قبل مميزاته التي استغرق كثيرا في الحديث بل أنه قرر منذ البداية ألا يتحدث إلا عن الإيجابيات، قالت له: "لو كنت جدع.. أكتب أن العندليب كذا.. ويفعل كيت.. ويعز فلان.. ويكره فلان.. ويحقد على زيد ويقطع عيش عبيد.. عيوبه هذه.. وبلاويه تلك.. وقل أنه وأنه.. يا ظالم".

وهكذا استنزفت فايزة شطر حياتها في الصراعات والمعارك، وكانت تقول أنه تكون في كل الأحوال في موضع الدفاع... وكانت صريحة جداً والفنانة المفروض يتسم بالهدوء والدبلوماسية وضبط النفس وعدم الوقوف أمام بعض الأمور ويضعها تمر ثم تهدأ وكأن شيء لم يكن، وكم كلفتها هذه الصراحة كثيراً، وكانت لا تستطيع على جهازها العصبي يفلت لسانها فتسب وتلعن وتفتح نيرانها على الجميع عندما تغضب ويتحول فمها إلى فوهة مدفع، وقد نصحها الأستاذ النجمي أن توفر هذه الجهود للغناء، كما أصطاد منها بعض الصحفيين تصريحاتها وأذاعها وسخن الأجواء..

 وفي البداية غنت لكل الملحنين ثم وضح حولها سياج من الحصار، وكادت أن تتوقف عن الغناء إلى أن التقت الموسيقار محمد سلطان الذي كان في بداياته كما ذكرنا وتعاونت معه سنوات طويلة.. وكان الرجل يشبه في أخلاقه فرسان العصور الوسطى لم يأبه بالقيل والقال.. وكانت فايزة تدافع عنه وتشمله برعايته أكثر من رعاية الأم لابنها، وتدفعه إلى المنافسة والصعود إلى سلم المجد ومنافسة كل ملحني عصره..

وعن الموسيقار محمد عبد الوهاب، قالت فايزة: "محمد عبد الوهاب لم يكن مخلصاً معي، حينما أعطاني لحن "خاف الله"، منح نجاة أيظن، وضع لي "تهجرني بحكاية"، فأهداها "ساكن قصادي"، وأمام "تراهني" وضع لها "شكل تاني"، وبعد "بصراحة" قدم لها "ماذا أقول له".. وبين كل أغنية لي وكل لحن لها .. فارث عشرين ألف فرسخ".

دفاع عن محمد سلطان: 

كما ذكرنا ظلت فايزة أحمد تدافع عن محمد سلطان وتدعم مكانته في عالم الموسيقى والغناء وتشير عليه أن يقدم أصواتاً جديدة ويلحن لغيرها، وقالت عنه: "محمد سلطان له موسيقى ناجحة ينشرها على الناس في جريدة واسعة الانتشار اسمها فايزة أحمد.. كل ما يمكنك ان نصفها أنها موسيقى جميلة.. يكتبها على إيقاع نبضاته، فتشعر براحة عند سماعها.. تتميز جملها بالخلق الذاتي والابتكار الرشيق..

ثم تقول: "عيب سلطان أنه يجري وراء "الموضات الموسيقية" ويتشبث بسلمها، فهو دائما مع الرائجة.. إذا أحس أن السوق رفعت سعر الفولكلور سعي إليه، فإذا تحولت إلى الموشحات قدم لها "العيون الكواحل"، وهو الشهادة لله لا تجد في موسيقاه شيئاً معاداً أو مكرراً أو مسروقاً، وإن أعماله كلها متماسكة البناء يخلقها من ذاته، فلا تعاني التفكك ولا تلجأ إلى سياسة "الرفع" الموسيقية". 

   

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

رحلات فايزة:

في الرحلة سبع فوائد، وتضيف الرحلة للفنان الكثير، فيتعرف على الجديد في عالم الموسيقى والغناء، ويستفيد منه، كما تصقل تجاربه، ويصادف جمهور جديد لو نجح أمامه سيكون استفتاء وعطائه..

وقد زارت فايزة معظم دول العالم العربي، زارت سوريا ولبنان ولها بيوت وأهل هناك، كما زارت العراق والأردن والكويت والسعودية وليبيا والمغرب وتونس، كما زارت الولايات المتحدة الأمريكية، وغنت في العديد من الولايات هناك مثل كاليفورنيا، وكارولينا، ثم غنت في باريس، وأقامت حفلات ناجحة في كل هذه البلاد.

سفيرة السلام:

بعد انتصار مصر الساحق على إسرائيل في حرب السادس من أكتوبر 1973، رأت أن تبدأ مرحلة جديدة عمادها السلام بعد أكثر من ربع قرن قضتها مصر في حروب متتالية، وكانت لمبادرة الرئيس الراحل محمد أنور السادات للسلام أن أيده قطاع عريض من الفنانين ومنهم محمد سلطان وفايزة أحمد، التي كانت تعشق مصر، واستولت على وجدانها وحواسها، وقد فصلنا القول عن هذا الموضع في فصل "في حب مصر"، وقد غنت خلال زيارتها لأمريكا وأوربا أغنيات تمحور موضوعها عن الحب والسلام، أغنيات ترسم للعالم صورة كاملة عن مصر المحبة للسلام ولمصر الصامدة المدافعة عن الحق والعدل، وفي هذا تقول فايزة: "يجب أن ننثل صورة حقيقية عن بلادنا المحبة للسلام، بصورة صادقة لا بصورة مشوهة.. إننا في حاجة إلى المعاني والكلمات الأصيلة التي تعبر عن حياتنا وعن واقعنا، والتي تصل إلى العالم كله من خلال أصوات جميلة ومعبرة، ولقد انتشرت أغنية "يا مصطفى يا مصطفى" في معظم أنحاء العالم، لكن هل تعبر هذه الأغنية حقيقة عن مشاعرنا وحياتنا وواقعنا؟ بالطبع لا.. إن معظم المطربين الأجانب يغنون بأكثر من لغة عالمية..".

تشجع المواهب:

  كانت فايزة أحمد تشجع كل صاحب موهبة وتجعله يغني معها في الحفلات، وتعهدت الكثير من المواهب وعهدت إلى زوجها الموسيقار محمد سلطان ليلحن لهم أعظم الألحان، ومن هؤلاء نذكر هاني شاكر، ففي 28 يوليو 1973، دعت الحكومة التونسية فايزة أحمد، لإحياء حفلات قرطاج، وكانت المرة الأولى أن دعت الحكومة التونسية فنانة عربية، وغنت هناك أشهر الأغنيات: "خليكوا شاهدين"، و"قول لكل الناس"، و"غريب يا زمن".. وقد صحبها في هذه الرحلة المطرب الشاب وقتها هاني شاكر، والذي اشترك في صغره في فيلم عن العبقري سيد درويش، وعند ظهوره في مطلع السبعينات نال إعجاب الجميع ولحن له كبار الملحنين أمثال محمد الموجي، ومنير مراد، وخالد الأمير، ومحمد سلطان؛ الذي لحن له: "يا ريتك معايا"، و"حكاية كل عاشق"، و"سيبوني أحب"..وقالت عنه فايزة: "أنا أشجعه لأن صوته حلو، ويستحق أن ينجح فعلاً، فقد أحسست أن هذا الصوت يجب أن يصل إلى الناس، فبعد عبد الحليم حافظ لم يظهر صوت حلو إلا صوت هاني شاكر، ثم هو وسيم، وهذا لا يتوفر إلا نادراً.. قد يكون صوت المطرب جميلاً، ولكن شكله قد لا يكون كذلك، أما هاني شاكر فيتمتع بالميزتين بالإضافة إلى أنه صغير السن.. عمره عشرون عاماً.. والذي يسمعه ويشاهده، يشعر أنه ابنه أو أخوه، ويشعر بألفة سريعة معه، وصوت هاني شاكر صوت مثقف، وقد غنى وهو طفل الموشحات، في فيلم "سيد درويش"، أن هاني شاكر ليس أكذوبة ولكنه مطرب حقيقي".

مشوار وأشواك وخلافات ومعارك:

   لم يخل مشوار فايزة من الخلافات مع بعض زملائها من المطربين والمطربات والملحنين.. كانت لديها هاجس أن الكل يتآمر عليها ويريد أن يسبب لها المتاعب، وهذا الهاجس جاء مع ما لاقته من محن خلال مراحل حياتها، ولقد تعرضت للصعاب في طفولتها وصباها وشبابها، مما لا يتحمله الجبال الشوامخ، وقد خرجت من محنة لتدخل في غيرها، ونلاحظ أن هذا قد أثر على صوتها في الحديث العادي وفي أغانيها حتى لو كان حديثاً فكهاً أو خفيفاً إلا أننا نلحظ في ثناياه الشجن والحزن، وهي في هذا تتشابه مع غريمها الفنان عبدالحليم حافظ.

دخلت فايزة في معارك مع المطرب عبد الحليم حافظ، ومع المطربات صباح ونجاة وشادية، ومع الملحن بليغ حمدي، وقاطعت ألحانه مدة 17 عاما إلى أن لحن لها رائعة "حبيبي يا متغرب"، وفي عام 1973 صفت النفوس بينها وبين حليم بعد صراع احتدم لسنوات، وقالت عنه بعد قصة هذا الصلح: "أني أكن لعبد الحليم كل احترام وتقدير كفنان، ولكن "أولاد الحرام" كان من مصلحتهم أن نظل متباعدين، وأول ما كلمني صفا قلبي، فأنا طيبة القلب، إذا قال لي إنسان كلمة حلوة أنسى كل شيء، وأشعر بأن قلبي لا يحمل أي حقد.. عندما كلمني عبد الحليم شعرت أنه إنسان جديد، كانت أمنيتي أن يكون عبد الحليم هكذا.. واتمنى من الله ألا يغيره أحد، وإذا اجتمع صوت عظيم مثل صوت عبد الحليم مع القلب الطيب والمعاملة الحسنة، فقد أدرك المجد من أطرافه ".

وقالت عنه بعد وفاته: "خسارة كبيرة أن يفقد الغناء العربي عبد الحليم حافظ.. إنه ظاهرة لا تتكرر .. ليس في الغناء فحسب، بل في حبه لفنه وتفانيه في عمله.. لم يستسلم أبداً للآلام التي كانت تعذبه.. ينهض من فراش المرض ليغني.. وبمجرد أن يتوقف النزف يعود ليشدو للناس بأجمل الكلمات والألحان.. كان يدفع صحته ثمناً غالياً لحبه النادر لفنه.. كانت أحلامه كبيرة.. لم يكن هدفه الوحيد أن يجمع الثروة، بل كان ينفق أمواله من أجل أهداف فنية.. يشتري كلما سافر إلى الخارج آلات موسيقية جديدة، وينفق كثيراً من أجل أن يضاعف عدد أفراد العازفين وعدد الأفراد في فرقته الموسيقية.. لم تفشل له أغنية واحدة، ولا فيلم واحد، ولا حتى حفلة واحدة، وكان مشغولاً دائماً بالجديد. في الكلمات والألحان"، وصفت الأجواء بينها وبين وردة وصباح..   

"لا يا روح قلبي" ..أغنية لم يسمعها فرسانها الثلاثة:

 في عامها الأخير عانت فايزة من مرض السرطان الذي هامها بشدة وذهبت إلى أمريكا للعلاج مع ابنتها فريال.. وكانت أغنية “لا يا روح قلبي” آخر ما غنت فايزة من ألحان السنباطي وكلمات الشاعر الرقيق حسين السيد، الذي أعطى كلماتها لفايزة، وقال لها: “إن شاء الله تعجبك وتعجب السنباطي”.. والعجيب أن أبطال الأغنية المؤلف والملحن والمطربة رحلوا قبل إذاعة الأغنية، وقد حرموا الاستماع إليها..   

  كانت فايزة تعاني سكرات الموت في آخر يوم من أيام الصيف، وفارقت الحياة في أول يوم من أيام فصل الخريف.. رحلت في سبتمبر الذي هو بالنسبة للغناء العربي والموسيقى العربية شهر الذكريات، فقد رحل فيه فنان الشعب سيد درويش (في 15 سبتمبر 1923)، والموسيقار العبقري رياض السنباطي (في 5 سبتمبر 1981)، وأمل مصر في الموسيقى بليغ حمدي (في 12 سبتمبر 1993)، وفايزة أحمد (في 21 سبتمبر 1983)..    

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فن الكاريكاتير: 

حين تخاف السلطة من رسمة على الورق
فنون

فن الكاريكاتير: حين تخاف السلطة من رسمة على الورق

بقلم عبد المجيد عبوبي هناك أشياء كثيرة تستطيع السلطة أن تمنعها: مقالًا، أو كتابًا، أو خطابًا. لكن الصورة الساخرة قد تجد طريقها إلى الناس حتى بعد المنع. الكاريكاتير ليس مجرد فن يضحكنا. إنه فن يضع المجتمع أمام مرآته، ويجعل السياسي يرى نفسه بعيدًا عن لغة الخطب والمجاملات. ولهذا كان الكاريكاتير، منذ…

· 5 د
صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل
فنون

صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل

لوحة الفنان السوري سيباستيان خليل أورفة لي، التي اخترناها من بين أعماله العديدة، يشدني إليها ما تركته من مشاعر الغموض والوحدة والتحدي التي أسبغها بحروفها اللونية والتكوينية؛ سفينة تائهة في ليل داكن تحت هلال ناري توحي برحلة طويلة ومجهولة، أو صراع صامت بين العزلة وقوة الطبيعة. فقد تكون هذه الرحلة…

· 2 د
رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: 
مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي
فنون

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين…

· 6 د