في متحف الفن الحديث والمعاصر في سانتاندير وكانتابريا (MAS)، إستعاد الفنان الإسباني-العراقي غوركا محمد مدينة الموصل من خلال معرضه «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن»، في تجربة فنية تتقاطع فيها الذاكرة العائلية مع تاريخ مدينة أنهكتها الحروب، وتتجاور فيها أسئلة الهوية والمنفى والانتماء مع صور الأشياء اليومية التي تحمل في داخلها ذاكرة المكان. أقيم المعرض، بإشراف القيّمة الفنية مارتا مانتيكون، خلال الفترة من 10 يونيو إلى 30 أغسطس 2026، مقدماً مجموعة من الأعمال التي تنطلق من علاقة الفنان بجذوره العراقية، وبالأخص بمدينة الموصل، موطن عائلة والده. العنوان نفسه كما نعرف مستعار من البيت الشعري الشهير لأبي الطيب المتنبي: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن». ومن خلال هذا الاستدعاء، يضع غوركا محمد تجربته في مساحة تتأرجح بين ما يريده الإنسان وما تفرضه عليه ظروف التاريخ والجغرافيا والحرب والمنفى. إنها رحلة عودة إلى أصل لم يعشه الفنان بالضرورة بصورة مباشرة، لكنه حمله بوصفه جزءاً من ذاكرة عائلية وهوية تتشكل عبر المسافة.

لا تبدو الموصل في أعمال غوركا محمد مجرد مدينة بعيدة يستعيدها الفنان من خلال صور أو ذكريات عائلية، وإنما تتحول إلى فضاء رمزي تتداخل فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية. فالفنان، المولود في إسبانيا والمنحدر من أصول عراقية، ينظر إلى الموصل من موقع مزدوج: موقع من ينتمي إليها عبر الجذور العائلية، وموقع من يكتشفها من خارجها. ومن هنا تنشأ خصوصية التجربة؛ فالمعرض لا يقدم صورة توثيقية للمدينة بقدر ما يقدم محاولة لإعادة تركيبها من شظايا الذاكرة والرموز والأشياء. تعتمد الأعمال المعروضة بصورة أساسية على الرسم بالأبيض والأسود، باستخدام الحبر على الورق والفحم، إلى جانب تقنيات الكولاج، ويمنح هذا الاختيار البصري الأعمال كثافة خاصة. فغياب الألوان لا يعني غياب الحياة، بل يفتح المجال أمام الخط والفراغ والظل والتفاصيل الصغيرة كي تؤدي دوراً أكبر في بناء المعنى. تبدو المساحات البيضاء أحياناً كأنها مناطق للذاكرة، بينما تتحول المناطق السوداء إلى آثار للغياب والانقطاع والدمار. وبينهما تتحرك خطوط حرة تجمع بين الدقة والعفوية، وكأن اليد نفسها تبحث عن شيء مفقود وتحاول إعادة رسمه. وهنا تبرز علاقة لافتة بين الرسم وفكرة الارتجال؛ فالخط لا يبدو أسيراً لقواعد صارمة، وإنما يتحرك بحرية محسوبة، في توازن بين السيطرة والتلقائية، وبين ما يعرفه الفنان وما يحاول اكتشافه.

من أكثر الرموز حضوراً في المعرض: (الدلة) العراقية، التي تظهر في أعمال متعددة وبصيغ متغيرة. الدلة ليست مجرد إبريق للقهوة. في السياق الذي يقدمه الفنان، تصبح علامة على الضيافة والبيت واللقاء، وعلى الأحاديث العائلية التي تشكل جزءاً من الذاكرة العراقية. وحين تتكرر الدلة على الورق، فإنها تتحول تدريجياً من غرض منزلي إلى رمز ثقافي. وفي بعض الأعمال، تتجاور داخل هذا الرمز حروف عربية مبعثرة ومجردة، بما يفتح باباً آخر للتأمل في علاقة الفنان باللغة والهوية. فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما أثر من آثار الانتماء؛ شيء قريب وبعيد في الوقت نفسه. تحضر (الكليجة)، الحلوى العراقية التقليدية، بوصفها عنصراً آخر من عناصر الذاكرة اليومية، إذ يعمل الفنان على تكرار قطع الكليجة وتراكمها بصرياً، حتى تتجاوز شكلها كطعام مألوف لتتحول إلى وحدات تشكيلية يمكن أن تبني تكوينات تشبه العمارة أو الأرشيف أو الذاكرة المتراكمة. ومن خلال هذا التحويل، يصبح المذاق جزءاً من الذاكرة البصرية. فالأشياء التي تبدو بسيطة في الحياة اليومية قد تحمل في داخلها تاريخاً كاملاً من العلاقات العائلية والعادات والمناسبات والحنين. هنا لا تستعيد الكليجة طعم الماضي فحسب، بل تستعيد أيضاً حق الأشياء الصغيرة في أن تكون حاملة للذاكرة. أما منارة الحدباء، أحد أبرز رموز الموصل، فتحتل مكانة خاصة في المشروع الفني. المنارة التي ارتبطت بصورة المدينة عبر قرون، والتي دُمرت عام 2017، تظهر في أعمال غوركا محمد بوصفها أكثر من معلم معماري. إنها صورة لمدينة فقدت جزءاً من ملامحها، لكنها لم تفقد قدرتها على الحضور في الذاكرة. تبدو الحدباء في أعمال الفنان وكأنها تجمع بين الحضور والغياب: حضور الصورة، وغياب المبنى؛ حضور الذاكرة، وغياب جزء من الواقع. ولا يقدم الفنان المنارة باعتبارها مجرد أثر للدمار، وإنما يعيد إدخالها في فضاء الرسم بوصفها علامة على الاستمرارية الثقافية، وعلى قدرة الذاكرة على الاحتفاظ بما تحاول الحرب محوه.

ما يمنح تجربة غوركا محمد خصوصيتها هو أنها لا تكتفي باستعادة الماضي من موقع الحنين. فالمعرض لا يبدو بحثاً عن صورة مثالية أو رومانسية للموصل، بل محاولة للتعامل مع ذاكرة مركبة، فيها الفقد والاعتزاز، والانتماء والمسافة، والغياب والرغبة في العودة. إن الأشياء التي يرسمها الفنان ــ الدلة والكليجة والمنارة ــ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول داخل العمل الفني إلى ما يشبه الأرشيفات الصغيرة. كل شيء يحتفظ بأثر من المكان، وكل رمز يحمل احتمالاً لسرد حكاية أوسع. يمكن قراءة المعرض بوصفه محاولة لإعادة بناء مدينة عبر علاماتها، لا عبر صورتها المباشرة. فالمدينة التي تعرضت للتدمير لا تختفي بالكامل؛ يمكن أن تستمر في طبق، وفي إبريق قهوة، وفي شكل منارة، وفي كلمة عربية، وفي ذاكرة شخص يعيش بعيداً عنها. يضع «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» سؤال الهوية في منطقة أكثر تعقيداً من فكرة الانتماء الجغرافي المباشر. فماذا يعني أن تكون من مكان لم تعش فيه طويلاً، أو أن ترث مدينة من خلال الأب وذاكرته، ثم تحاول أن تعيد اكتشافها من مدينة أخرى؟ في تجربة غوركا محمد، يبدو الشتات ليس مجرد حالة جغرافية، وإنما طريقة للنظر إلى الذات والعالم. إنه المسافة التي تجعل الأشياء المألوفة تبدو قابلة للاكتشاف من جديد. من هذه المسافة، تصبح الموصل موضوعاً فنياً وذاكرة شخصية في آن واحد. لا يقدم معرض «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» إجابة نهائية عن سؤال الهوية، ولا يحاول اختزال الموصل في صورة الحرب والدمار. بدلاً من ذلك، يفتح مساحة للتأمل في قدرة الثقافة على البقاء من خلال تفاصيل الحياة اليومية. فحين تتحول الدلة إلى رمز، والكليجة إلى بنية تشكيلية، ومنارة الحدباء إلى علامة على الغياب والحضور، يصبح الفن وسيلة لإعادة ترتيب الذاكرة. وربما تكمن ميزة التجربة تحديداً في هذه النقطة: أن المدن لا تعيش فقط في مبانيها وشوارعها، وإنما أيضاً في الأشياء التي يحملها الناس معهم، وفي القصص التي تنتقل بين الأجيال، وفي الصور التي تستعيدها الذاكرة كلما ابتعد أصحابها عن المكان. بهذا المعنى، تبدو عودة غوركا محمد إلى الموصل عودةً فنية قبل أن تكون جغرافية؛ رحلة من مدينة سانتاندير إلى مدينة بعيدة، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية، ومن الأشياء اليومية إلى سؤال أكبر عن الهوية والانتماء وما يبقى من المدن حين تتغير ملامحها. "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" ليس معرضاً عن الموصل فحسب، بل عن محاولة الإنسان أن يجد طريقه إلى جذوره، حتى عندما تكون تلك الجذور موزعة بين أكثر من مكان وأكثر من ذاكرة.







التعليقات