انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طالب مكي.. رائد رسوم الأطفال

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
طالب مكي.. رائد رسوم الأطفال
مشاركة:

تتجلى تجربة الفنان طالب مكي بوصفها حكاية إبداعية استثنائية، انتصر فيها الشغف على العوائق، وتحولت فيها المعاناة الشخصية إلى طاقة فنية أسهمت في إثراء الثقافة البصرية العراقية. فقد كان واحداً من الفنانين الذين لم يحصروا موهبتهم في حدود اللوحة أو المنحوتة، بل جعلوا الرسم وسيلة للتواصل مع الأطفال، وبناء عوالم من الخيال والمعرفة، وترك بصمة واضحة في ذاكرة أجيال قرأت وشاهدت أعماله في المجلات والكتب والقصص المصورة.

وُلد طالب مكي عام 1936، وأصيب في طفولته بمرض الخناق، الذي أدى إلى فقدانه حاسة السمع وأوجد لديه صعوبة بالغة في النطق. غير أن هذه المحنة لم تُطفئ رغبته في التعبير، بل بدا أن الفن أصبح لديه لغة بديلة يتجاوز بها حدود الكلام، ويقيم من خلالها صلته بالعالم. وقد تنبهت عائلته إلى ميله المبكر نحو النحت، فاهتمت بموهبته وشجعته على تنميتها، لتكون تلك البداية نقطة انطلاق نحو مسيرة طويلة أثبت فيها أن الإبداع لا تحده الظروف الجسدية، ولا تقف في طريقه الحواجز التي قد تعترض الآخرين.

وفي عام 1952 تقدم بطلب للقبول في معهد الفنون الجميلة ببغداد، على الرغم من عدم امتلاكه شهادة مدرسية. وقد عُرض طلبه على لجنة قبول ضمت الفنانين جواد سليم وفائق حسن، اللذين أدركا موهبته وقررا قبوله طالباً في المعهد. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل سعيا إلى استحصال موافقة استثنائية من الجهات الرسمية، ورفعت توصيتهما إلى الوزارة، ثم صدر قرار ملكي بقبوله خارج شروط القبول المعتادة. وتكشف هذه الواقعة عن أهمية النظرة المنصفة إلى الموهبة، حين تتقدم الكفاءة والاستعداد على القيود الشكلية، كما تكشف عن الدور الذي يمكن أن يؤديه الفنانون الرواد في فتح الطريق أمام المواهب الواعدة.

في المعهد، درس مكي النحت على يد جواد سليم، الذي رعاه وشجعه، كما تلقى تدريبات في الرسم على يد فائق حسن. وقد أسهم هذا التكوين في بناء شخصيته الفنية وتوسيع مداركه، إذ جمع بين التعامل مع الكتلة والحجم من جهة، وفهم الخط واللون والتكوين من جهة أخرى. وفي عام 1957 حصل على دبلوم في تخصص النحت بعد استيفائه شروط التخرج، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، انتقل فيها من مقعد الدراسة إلى العمل والمشاركة في النشاط الثقافي والفني.

وفي عام 1960 عمل رساماً في مجلة «العاملون في النفط»، التي كان الأديب جبرا إبراهيم جبرا رئيس تحريرها. وقد وفرت له هذه التجربة مجالاً للتفاعل مع الوسط الثقافي، وأتاحت له توظيف الرسم في سياق صحفي يتطلب وضوح الفكرة وقدرة الصورة على التواصل مع القارئ. ولم يكن انتقاله إلى العمل الصحفي ابتعاداً عن الفن، بل خطوة وسعت من مجالات ممارسته، ومهدت لدوره اللاحق في الرسم التوضيحي وتصميم الصور التي تخاطب شرائح مختلفة من المجتمع.

وفي عام 1965 أسهم في تأسيس جماعة المجددين، وشارك في معارضها حتى عام 1968، في مرحلة كان فيها الفن العراقي يشهد تنوعاً في التجارب وتطلعاً إلى التجديد. وشارك في نيسان 1967 في المعرض السنوي الثالث للجماعة، إلى جانب صالح الجميعي وسالم الدباغ وطاهر جميل وإبراهيم زاير وعامر موسى العبيدي وخالد النائب وسلمان عباس، وذلك على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد. وتؤكد هذه المشاركات أن مكي لم يكن فناناً منعزلاً عن محيطه، بل جزءاً من حراك تشكيلي يسعى إلى تطوير أدوات التعبير وتوسيع أفق التجربة الفنية.

وفي عام 1966 عمل مدرساً للرسم في معهد الصم والبكم ببغداد، وهي تجربة تكتسب دلالتها من تقاطُعها مع جانب من حياته الشخصية، إذ كان يعرف عن قرب ما تعنيه صعوبات التواصل، ويدرك أهمية التعبير البصري في نقل المعنى. وقد يكون هذا الجانب من تجربته قد منحه حساسية خاصة تجاه الصورة بوصفها لغة قادرة على تجاوز الكلمات، وإن كان من الصعب الجزم بمدى انعكاس ذلك على أسلوبه من دون دراسة أعماله نفسها.

أما المحطة الأبرز في مسيرته المهنية، فقد بدأت عام 1969، حين أسس قسم الرسم وعُيّن كبير رسامي مؤسسة دار ثقافة الأطفال التابعة لوزارة الثقافة والإعلام العراقية. وهناك وجد المجال الذي ستتبلور فيه هويته الفنية على نحو واضح، إذ انخرط في إعداد الرسوم التوضيحية والأغلفة والسلاسل المصورة والملصقات والكتب الموجهة إلى الأطفال، وأسهم في إصدار مطبوعات تركت أثراً ثقافياً في العراق، من بينها مجلة «مجلتي» وجريدة «المزمار» ومنشورة «سندباد بغداد».

لقد كان الرسم للأطفال بالنسبة إلى طالب مكي أكثر من مهمة وظيفية؛ فقد تطلب منه أن يقترب من عالم الطفل، وأن يفهم قدرته على التلقي، وأن يحوّل الأفكار والمعلومات والحكايات إلى صور واضحة وممتعة. فالرسوم الموجهة إلى الصغار لا تقوم على الزخرفة وحدها، بل تحتاج إلى خيال قادر على بناء الشخصيات والمواقف، وإلى حس بصري يجعل الصورة شريكاً في الحكاية، لا مجرد إضافة تزيينية إلى النص. ومن هنا جاءت أهمية دوره بوصفه رائداً ومؤسساً لفن الرسوم التوضيحية للأطفال والقصص المصورة في العراق، إذ عمل في هذا المجال على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وأسهم في تشكيل الذاكرة البصرية لأجيال من القراء.

ولم يقتصر نشاطه على مطبوعات الأطفال، بل انتقل إلى العمل في مجلات ثقافية مثل «ألف باء» و«الأقلام»، مواصلاً حضوره في المشهد الصحفي والثقافي. كما شارك في معارض فنية متعددة، منها معرض الفن العراقي الشامل عام 1973 في المتحف الوطني للفن الحديث ببغداد، والمهرجان الثقافي لجريدة الثورة عام 1974، ومعرض نيسان الثاني عام 1975. وكان هذا التنوع في العمل دليلاً على قدرته على الانتقال بين مجالات مختلفة، من النحت إلى الرسم الصحفي، ومن الفن التشكيلي إلى الرسوم التوضيحية، مع الاحتفاظ بخيط يجمع بينها، هو الإيمان بقوة الصورة وفاعليتها في التعبير.

وفي عام 1985 حصل على جائزة الثقافة العربية التشجيعية في تونس عن كتابي «أبو بكر الرازي» و«آشور بانيبال»، اللذين أنجز رسوماتهما جميعاً. وقد شكل هذا التكريم اعترافاً بقيمة مساهمته في الكتاب الموجه إلى القارئ، وبقدرته على تحويل المادة المعرفية والتاريخية إلى تجربة بصرية تسهم في تقريب الشخصيات والأحداث من المتلقي. فالصورة في مثل هذه الكتب لا تكتفي بمرافقة النص، بل تساعد على تخيل الزمن والشخصية، وتمنح المعرفة بعداً إنسانياً محسوساً.

وعلى الرغم من حضوره الطويل في عالم الرسوم والكتب، لم يهمل مكي تقديم أعماله في المعارض الشخصية. ففي عام 1993 أقام معرضه الشخصي الأول في بغداد بعنوان «أشخاص»، ثم أقيم له معرض استعادي لأعماله عام 2006، أتاح فرصة للوقوف عند جوانب من تجربته الممتدة. وفي عام 2008 شارك بمختارات من أعماله في مهرجان مدارات بابل الثقافي، وكرّمه المهرجان تقديراً لمسيرته، كما أقامت له دار ثقافة الأطفال حفلاً تكريمياً احتفاءً بدوره في ثقافة الطفل العراقي، وأُعلن عن إطلاق «مسابقة طالب مكي لرسوم الأطفال» باسمه، في مبادرة تحمل معنى الوفاء لفنان جعل من الرسم وسيلة للتربية والإمتاع وتنمية الخيال.

وتواصل حضوره في السنوات اللاحقة؛ ففي عام 2013 شارك في معرض «فضاءات عراقية»، وهو المعرض التشكيلي السنوي المشترك لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، كما شارك في مهرجان ملتقى بغداد للفن التشكيلي ونال تكريماً عن مسيرته الفنية. وفي عام 2015 أقام معرضه الشخصي «نخيل»، وحصل في العام نفسه على جائزة الإبداع السنوية للثقافة العراقية. وقد حمل عنوان «نخيل» إيحاءً واضحاً بالارتباط بالبيئة العراقية ورموزها البصرية، وإن كان الحكم على دلالات المعرض واتجاهاته يتطلب الاطلاع على الأعمال التي ضمها. وفي عام 2016 شارك في المعرض السنوي الشامل لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، ثم حضر عام 2019 في معرض النحت العراقي الذي أقيم في الجمعية ببغداد، بما يؤكد استمرار صلته بالمشهد الفني حتى سنواته الأخيرة.

وكان مكي عضواً في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ونقابة الصحفيين العراقيين، وهي عضويات تعكس تعدد مجالات نشاطه وتقاطُع اهتماماته الفنية والثقافية والصحفية. فقد جمع بين العمل التشكيلي والرسوم التوضيحية والعمل في الصحافة، وترك في كل مجال أثراً يختلف في وسيلته ويتكامل في غايته؛ إذ ظل يسعى إلى جعل الصورة أداة للمعرفة والتواصل، قادرة على مخاطبة المتلقي وإثارة خياله.

رحل طالب مكي في بغداد عام 2022، عن عمر ناهز السادسة والثمانين، بعد مسيرة طويلة تجاوزت حدود التجربة الفردية لتصبح جزءاً من ذاكرة الثقافة البصرية العراقية. وتكمن أهمية إرثه في أنه لم يكتفِ بإنتاج الأعمال الفنية، بل أسهم في بناء عالم مصور رافق الطفولة العراقية لعقود، وفتح أمام الرسامين طريقاً للتعامل مع أدب الأطفال والصحافة المصورة بوصفهما مجالين جادين للإبداع. لقد حوّل الصورة إلى لغة نابضة بالحياة، وجعل من الخيال جسراً بين المعرفة والمتعة، وبين الفنان وأجيال من القراء الذين عرفوا العالم من خلال الرسوم قبل أن يعرفوا كثيراً من مفرداته بالكلمات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: مجموعة دجلة للفنون.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:٤٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وجدت الموسيقى لكي نصغي للحياة بشكل اجمل
فنون

وجدت الموسيقى لكي نصغي للحياة بشكل اجمل

نعرف ما للموسيقى من دور مهم في الارتقاء بوعي وذوق العامة من الناس ونعرف ما لتجديد وعرض التراث الموسيقي من اهمية في حياة وثقافات الشعوب ، فبدون ايلاء عناية واهتمام بالتراث ومنه الموسيقي نكون كمن ينطلق في فراغ لان عدم تناول وتطوير الجوانب المضيئة في التراث عموما يعني الغاء للذاتية واستقالة من الفعل…

· 3 د
في فعاليات المهرجان الدولي لمسرح الطفل بام العرائس في دورته (25)

عروض مسرحية و ورشات و معارض و برنامج ترفيهي للضيوف و جوائز...
فنون

في فعاليات المهرجان الدولي لمسرح الطفل بام العرائس في دورته (25) عروض مسرحية و ورشات و معارض و برنامج ترفيهي للضيوف و جوائز...

في فعاليات المهرجان الدولي لمسرح الطفل بام العرائس في دورته (25) عروض مسرحية و ورشات و معارض و برنامج ترفيهي للضيوف و جوائز... شمس الدين العوني تنظم جمعية مسرح الصمود بام العرائس المهرجان الدولي لمسرح الطفل بام العرائس في دورته 25 و ذلك من 29 اكتوبر الى 01 نوفمبر 2026 حيث ثثنوع الفعاليات و البرامج…

· 2 د
 الفنان الهاشمي مرزوق :

تجربة و مسيرة لفنان يحاول المادة و يحاورها نحتا لما يعتمل في ذاته فنا و منحوتات..
فنون

الفنان الهاشمي مرزوق : تجربة و مسيرة لفنان يحاول المادة و يحاورها نحتا لما يعتمل في ذاته فنا و منحوتات..

الصالون الوطني الثالث للفنون التشكيلية يكرم و يحتفي بتجربة الفنان الهاشمي مرزوق : تجربة و مسيرة لفنان يحاول المادة و يحاورها نحتا لما يعتمل في ذاته فنا و منحوتات.. شمس الدين العوني كرّمت وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي النحات التونسي الهاشمي مرزوق، تقديراً لمسيرته الفنية وإسهاماته في إثراء…

· 4 د