لوحة الفنان السوري سيباستيان خليل أورفة لي، التي اخترناها من بين أعماله العديدة، يشدني إليها ما تركته من مشاعر الغموض والوحدة والتحدي التي أسبغها بحروفها اللونية والتكوينية؛ سفينة تائهة في ليل داكن تحت هلال ناري توحي برحلة طويلة ومجهولة، أو صراع صامت بين العزلة وقوة الطبيعة. فقد تكون هذه الرحلة أبدية إذ لا مرسى لها ولا شاطئ سوى المنافي التي لم تختارها هي، ربما بفعل الأقدار أو السياسات، أو لأن موانئ الوطن لم تعد أماناً لها.
شفرة القمر في ليل داكن هي مفارقة فنية تعبيرية، ربما أراد من خلالها القول: "حتى القمر هاجر معنا، فهو يعتصر وجعاً وتوهجاً على متن السفينة"، التي لم تتبقَ منها سوى بقايا ضوء (الهلال المتوهج بلون الشمس الغاربة) في السماء الداكنة. لا يعني ذلك نهاية اليوم، بقدر ما يعبر عن عتبة لعالم جديد؛ إنه يمثل لحظة الانتقال الحاسم، وداع المألوف، والعبور نحو المجهول. فالمنفى هو الفجوة المؤلمة بين الهوية والذاكرة؛ حيث يغدو الإنسان غريباً في أرض لا تشبه حكايته، ومحكوماً بأن يبحث عن وطنه في تفاصيل التفاصيل.

السفينة هي حلقة الوصل الوحيدة بين العالم الذي تُرك خلفه والمضي نحو المجهول المنتظر. فحيث تتوسط السفينة عرض البحر، تشير إلى الانفصال التام عن اليابسة (الوطن الأم) والتعلق بالأمل في الوصول إلى "شاطئ الأمان" الآخر.
الظلام والعتمة اللذان طغيا على فضاء اللوحة وغلفا كل شيء تقريباً (السماء والبحر)، يرمزـان إلى "المنفى" كحالة وجودية وعزلة إجبارية، مما يترك شعوراً بالفقد، والانقطاع عن الجذور، والحنين المغلف بالأسى، وهو شعور جمعي ينتاب أغلب المهاجرين عنوةً بعيداً عن أوطانهم.
سوداوية البحر الأسود هنا وأفقه الواسع، لم يكونا مجرد كتلة وتباين لوني أو ضوئي، بل تجسيداً الأقوى للمسافة الفاصلة والقطيعة التامة عن الوطن. أما الهلال المضيء فهو النقطة الوحيدة التي تربط السفينة بالذاكرة وبـ "النور" الذي كان.







التعليقات