انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يصبح الركن البعيد وطناً للروح

ماجد كارا
ماجد كارا

ناقد وأديب سوري

3 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
حين يصبح الركن البعيد وطناً للروح
مشاركة:

لكل إنسان ركنٌ بعيد لا تبلغه الأقدام، بل تسكنه الذاكرة. إنه ذلك الحيز الخفي الذي نلوذ إليه حين يثقل الواقع، فتتجمع فيه بقايا الطفولة، وصور الأحبة، والأحلام المؤجلة، والأسئلة التي لم نعثر لها على جواب. وقد لا يكون هذا الركن مكانًا جغرافيًا، بل حالةً داخلية تحفظ للروح توازنها وسط صخب الحياة، لذلك ظل الفن عبر العصور يبحث عنه، لا ليصوره كما هو، بل ليكشف أثره العميق في النفس الإنسانية.

من هذا الأفق تنطلق لوحة «في الركن البعيد» للدكتور محسن عطية ، المنتمية إلى المدرسة التجريدية التعبيرية، حيث لا يسعى الفنان إلى إعادة إنتاج العالم المرئي، بل إلى بناء عالم داخلي تتداخل فيه الذاكرة مع الوجدان، ويتحول اللون إلى لغة نفسية، والخط إلى أثرٍ للحركة الداخلية. إنها لوحة لا تقدم مشهدًا جاهزًا، وإنما تفتح فضاءً رحبًا للتأويل، فيغدو المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، ويصبح "الركن البعيد" وطنًا روحيًا أكثر منه مكانًا مرئيًا.

تتجلى أولى عناصر القوة في البناء اللوني المتماسك، إذ يقيم الفنان حوارًا ثريًا بين حرارة الأحمر والبرتقالي والذهبي، وبرودة الأزرق والأخضر، في توازن يعكس ازدواجية التجربة الإنسانية بين الانفعال والتأمل. ولا يتحول هذا التضاد إلى صراع، بل إلى إيقاع بصري متوازن، تتولد منه بؤرة ضوئية تشع من أعلى اللوحة، فتقود العين في رحلة لا تعرف السكون، وكأن النور ينبثق من أعماق اللون ذاته، لا من مصدر خارجي.

وتؤدي الخطوط السوداء دورًا يتجاوز حدود البناء التشكيلي، فهي نبض العمل وإيقاعه الداخلي. تتشكل أحيانًا كأطياف إنسانية في طور التشكل، ثم تذوب داخل الفضاء اللوني لتصبح إشارات إلى الحضور الإنساني أكثر من كونها صورًا مباشرة له. وهنا تتجسد إحدى أبرز سمات التجريدية التعبيرية، التي تستبدل الوصف بالإيحاء، وتمنح المتلقي حرية استكمال الصورة اعتمادًا على خبرته الشعورية.

أما السطح التشكيلي فيمثل أحد أبرز مصادر ثراء العمل، إذ تتحرك المادة اللونية بين السيولة والكثافة، وبين الملامس الناعمة والخشنة، لتنشئ طبقات متراكبة تستحضر ذاكرة الزمن والأرض. ولا يقتصر أثر هذه الملامس على إثراء البعد البصري، بل يمنح اللوحة حضورًا حسيًا يجعل المشاهد يشعر بأنه يدخل إلى فضاء العمل، لا يكتفي بالنظر إليه من الخارج.

ويكتسب عنوان اللوحة أهمية استثنائية، لأنه لا يحدد مكانًا بعينه، بل يفتح أفقًا رمزيًا واسعًا. فالركن البعيد هو ذلك الجزء الصامت من الذات الذي تختزن فيه الذكريات، وتحتمي فيه الأحلام، وتتوارى فيه الخيبات والآمال معًا. وبهذا يتحول العنوان إلى مفتاح تأويلي يوجه القراءة نحو العمق النفسي والوجودي للعمل.

كما تنجح اللوحة في تفكيك العلاقة التقليدية بين الإنسان والفضاء المحيط، فلا تعود الأشكال منفصلة عن اللون، بل تمتزج به حتى تتلاشى الحدود بين الكائن وبيئته. يصبح الجسد امتدادًا للون، ويغدو اللون كيانًا حيًا نابضًا بالحركة، في رؤية تؤكد وحدة الإنسان مع العالم، وهي رؤية تنسجم مع جوهر المدرسة التجريدية التعبيرية التي تجعل الإحساس أساس التجربة الفنية.

ومن زاوية نفسية، تلامس اللوحة مناطق اللاوعي، حيث تتردد أشكال شبحية تستحضر صور الأحلام ولحظات الانتقال بين اليقظة والنوم. إنها صور غير مكتملة، لكنها أكثر قدرة على تحريك الوجدان من الصور الواضحة، لأنها تتيح لكل متلقٍ أن يعيد تشكيلها وفق ذاكرته الخاصة وتجربته الإنسانية.

وتكمن القيمة الجمالية الحقيقية للعمل في انفتاحه على قراءات متعددة. فهو لا يقدم معنى مغلقًا ولا يفرض تفسيرًا نهائيًا، بل يبقى نصًا بصريًا حيًا تتجدد دلالاته مع كل مشاهدة، وتكتسب رموزه معاني جديدة كلما تغيرت خبرة المتلقي أو حالته النفسية.

في «في الركن البعيد» يقدم الدكتور محسن عطية تجربة فنية ناضجة تؤكد حضوره المتميز في مسار التجريدية التعبيرية، حيث تتآلف حرية اللون مع صرامة البناء، وتتحد عفوية المادة مع وعي التكوين، لينتج عملًا تتجاوز قيمته حدود الإتقان التقني إلى فضاء فلسفي وإنساني رحب. إنها لوحة تؤكد أن الفن لا يكتفي بتمثيل العالم، بل يعيد خلقه، ليمنح الإنسان ذلك الركن البعيد الذي يعود إليه كلما ضاقت به الحياة، ويجد فيه وطنًا لروحه.

بيانات العمل:

الفنان: الدكتور محسن عطية.

العنوان: في الركن البعيد.

التقنية: أكريليك على خشب رقائقي.

الأبعاد: 25 × 30 سم.

سنة الإنجاز: 2021.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٧ آب ٢٠٢٦ في ٠٩:١٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: 
مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي
فنون

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين…

· 6 د
موت القصيدة في جسد الأغنية:

كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟
فنون

موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟

الأغنيةُ العربيةُ لم تخلق من فراغ، بل وُلدت من رحمِ القصيدة، حين كان العربيُّ يقولُ «أنشدني شعرًا» لا «ألقِ عليَّ كلامًا». كانت الكلمةُ جسدًا، واللحنُ روحًا، والنهرُ شاهدًا على الحنين. أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ جسدًا بلا روح، ونغمةً بلا كلمة، وصوتًا بلا ذاكرة. النهرُ ينبوعُ الصوتِ والذاكرة على…

· 3 د
لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش
فنون

لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش

تعكس اللوحة حالة من الهشاشة والقوة في آن واحد؛ فالملامح المتموجة والخطوط الحادة توحي بآثار الزمن أو التجارب القاسية التي تصقل الروح، بينما تعبر الإغماضة عن الانكفاء على الذات والهروب نحو الداخل. والألوان المستخدمة في اللوحة البني والبيج وهي الوان ترابية تعكس على الانتماء والارتباط بالأرض والاستقرار…

· 1 د