على هامش مهرجان النور التاسع للثقافة والإبداع التقينا الفنان الكوميدي العراقي ضياء ضياء الشطري الذي شكل حضوره إضافة مميزة إلى أجواء المهرجان، بما يمتلكه من روح مرحة وبديهة حاضرة وقدرة على صناعة الضحكة في مختلف المواقف. لم يكن حضوره مجرد مشاركة عابرة بل كان مساحة من الألفة والمرح، يوزع فيها القفشات الطريفة بعفوية، ويحول المواقف اليومية إلى لحظات فكاهية تترك أثرها في نفوس الحاضرين.
يمتلك ضياء الشطري موهبة فطرية في التقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تمر على الآخرين من دون انتباه، لكنه يعرف كيف يعيد تقديمها بروح ساخرة، فتتحول إلى مادة للضحك والتفاعل. وتبدو سرعة بديهته واضحة في قدرته على الارتجال والتجاوب مع المواقف غير المتوقعة، وهي من أبرز السمات التي يحتاج إليها الفنان الكوميدي إذ لا تقوم الكوميديا على إطلاق النكات وحدها، بل على حسن التوقيت، والقدرة على اختيار العبارة المناسبة في اللحظة المناسبة.
ولد ضياء الشطري في محافظة ذي قار قضاء الشطرة وهي بيئة جنوبية غنية بالموروث الشعبي والتقاليد الفنية. ويبدو أن هذه البيئة تركت أثرها في شخصيته واهتماماته فهو لا يكتفي بالفن الكوميدي، بل يمتلك ثقافة موسيقية وشغفاً بالفن الشعبي، والمقام العراقي، والغناء الريفي ولا سيما الألوان الغنائية الجنوبية المتنوعة التي تختزن ذاكرة المكان وأحاسيس الناس وتفاصيل حياتهم.
وهنا تتجلى إحدى خصوصيات شخصيته: فهو فنان يجمع بين خفة الظل والاهتمام بالموسيقى والتراث، ويعرف أن الفن ليس مجالاً واحداً مغلقاً، بل فضاء تتداخل فيه التعبيرات الشعبية والموسيقية والتمثيلية. فالكوميديا، في جانب مهم منها، تعتمد على فهم الناس وطباعهم ولهجاتهم، وعلى القدرة على قراءة المواقف الاجتماعية وتحويلها إلى تعبير فني قريب من الجمهور.

ومن أبرز مقومات الفنان الكوميدي الناجح أن يمتلك ذكاءً اجتماعياً، وملاحظة دقيقة، ومرونة في التعامل مع الآخرين، فضلاً عن لغة جسد معبّرة وقدرة على توظيف الصوت والنبرة والإيقاع. وهذه العناصر حين تجتمع مع الاستعداد الفطري وخفة الروح، تمنح الفنان حضوره الخاص وتساعده على التواصل مع الجمهور بعيداً عن التصنّع والتكلّف.
وقد انعكست طيبة ضياء الشطري وتواضعه وروحه المرحة على علاقته بالمشاركين في مهرجان النور التاسع، إذ حظي بمحبتهم وتقديرهم، وأصبح حضوره جزءاً من الأجواء الودية التي تجمع الفنانين والمثقفين من بلدان مختلفة. فالابتسامة هنا لا تؤدي وظيفة الترفيه وحده، بل تفتح أبواب التواصل الإنساني وتخفف المسافات بين المشاركين وتمنح اللقاءات الثقافية دفئاً خاصاً.
إن تجربة ضياء الشطري، بما تحمله من عفوية وارتباط بالفن الشعبي العراقي تذكرنا بأن الكوميديا ليست فناً ثانوياً بل وسيلة للتعبير عن الحياة ومفارقاتها، وللاقتراب من الناس وهمومهم بلغة الضحك. فالفنان الكوميدي الحقيقي لا يكتفي بإضحاك جمهوره، وإنما يمنحه لحظة فرح ويترك في ذاكرته أثراً طيباً.
لهذا تمنّى المشاركون أن يتواصل حضور ضياء الشطري في الدورات المقبلة من مهرجان النور؛ فبعض الفنانين يتركون أثرهم بما يقدمونه على خشبة المسرح، وآخرون يضيفون إلى الفن قيمة إنسانية بحضورهم وعفويتهم. وضيافة الروح التي يحملها ضياء الشطري تجعل منه واحداً من الوجوه التي تضفي على المهرجان نكهة عراقية جنوبية أصيلة، تجمع بين الضحكة والموسيقى وطيبة الإنسان.







التعليقات