خديجة جرير فنانة تشكيلية مغربية من مواليد مدينة الجديدة سنة 1998. اختارت أن تجعل من الفن فضاء للتعبير عن رؤيتها الجمالية وبناء تجربتها الخاصة في عالم التشكيل، مستندة إلى شغف رافقها منذ الطفولة، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى اختيار واع ومسار إبداعي متواصل.
ورغم تكوينها الأكاديمي في مجال التسيير وحصولها على الماستر في تدبير الموارد البشرية، ظل الفن حاضرا بقوة في مسارها، فصقلت من خلاله حسها الجمالي وطورت رؤيتها الخاصة للوحة. وتنتمي تجربتها إلى التجريد والتشخيص التجريدي، حيث تنطلق غالبا من عناصر تشخيصية تعمل على تفكيكها تدريجيا نحو التجريد، موظفة إمكانات اللون والتكوين والخط، إلى جانب حضور لافت للألوان الجريئة والقوية.
في أعمالها، تحضر المرأة والوجوه النسائية باعتبارها أكثر من مجرد عناصر بصرية؛ فهي تحمل الذاكرة والتجربة والمشاعر، وتمنح اللوحة أفقا مفتوحا على التأويل. كما تحتل علاقة الفنانة باللون واللوحة والمتلقي مكانة أساسية في تجربتها، التي تقوم على التعلم والتجريب وترك مساحة للعمل الفني كي يقودها أحيانا إلى نتائج لم تكن تتوقعها.
خديجة جرير فنانة تسير، كما تقول، "ببطء، لكن بخطى ثابتة" ، واضعة نصب عينيها بناء اسمها ضمن المشهد التشكيلي المعاصر في المغرب، والانفتاح على آفاق أوسع. وفي هذا الحوار، تتحدث عن بداياتها، وعن الصدفة التي قادتها إلى الفن، ولغتها التشكيلية، وعلاقتها باللون والمرأة، ورؤيتها لواقع الفن التشكيلي المغربي، كما تكشف عن طموحاتها ومشروعها الفني المقبل.

* كيف كانت بدايتك مع الفن التشكيلي؟
- كانت بداياتي مع الفن التشكيلي منذ الصغر، فقد كنت دائما محبة للألوان وللفن بمختلف أشكاله. وكانت الألوان بالنسبة إليّ مساحة للتعبير واكتشاف الذات، لكنني لم أكن أفكر آنذاك في أن أصبح فنانة تشكيلية.
حيث اتخذ مساري الفني منعطفا حقيقيا عندما التحقت بمجموعة "فودار غروب'، حيث بدأت أتعلم على يد فنانين وممارسين للفن، واكتشفت التقنيات والأساليب التشكيلية، وتعرفت على مراحل العمل الفني بشكل أقرب وأكثر جدية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الفن بالنسبة إليّ رحلة مستمرة من التعلم والتجريب والتعبير.
* هل كان دخولك إلى عالم الفن التشكيلي اختيارا واعيا أم كان وليد الصدفة؟
- في البداية، كان أقرب إلى الصدفة منه إلى الاختيار الواعي. لم أكن أملك تصورا واضحا عن مستقبلي في هذا المجال، لكنني وجدت نفسي مع مرور الوقت منجذبة أكثر فأكثر إلى الفن وإلى عالم اللوحة.
ومع تطور تجربتي، تحولت هذه الصدفة إلى اختيار واع وشغف حقيقي، وأصبح الفن جزءا أساسيا من مساري ومن الطريقة التي أعبّر بها عن أفكاري ومشاعري. وربما أجمل ما في هذه الرحلة أنني لم أخطط لها، لكنها قادتني في النهاية إلى اكتشاف جزء مهم من ذاتي.
* كيف تصفين أسلوبك الفني، وما الذي يميز أعمالك التشكيلية؟
- أميل بشكل كبير إلى الفن التجريدي، وأشتغل خصوصا على ما يمكن تسميته بالتشخيص التجريدي. غالبا ما أنطلق من عناصر تشخيصية، ثم أعمل على تفكيكها تدريجيا نحو التجريد، بما يسمح لي بتجاوز الشكل الظاهر والوصول إلى الإحساس والفكرة.
كما أستعمل تقنيات الكولاج لما تمنحه من إمكانيات في بناء طبقات بصرية متعددة، وأميل إلى الألوان الجريئة والقوية. وأحاول دائما خلق توازن بين الشكل والتجريد، وبين ما هو واضح وما يترك للمتلقي مساحة للتأويل.

* هل تبدئين أعمالك دائما من فكرة محددة، أم تتركين للوحة حرية أن تقودك أثناء الاشتغال؟
- غالبا ما أنطلق من فكرة أو إحساس معين، لكنني لا أتعامل معه كخطة مغلقة. أثناء الاشتغال، أترك للوحة مساحة من الحرية، فقد يقودني اللون أو الشكل أو التكوين إلى اتجاه مختلف تماما.
أحيانا أصل في نهاية العمل إلى نتيجة لم أتوقعها في البداية، وهذا بالنسبة إليّ جزء أساسي من متعة التجربة الفنية؛ أن تبدأ بفكرة، ثم تترك للعمل أن يكتشف معك طريقه الخاص.
* ما اللون الذي ترينه الأقرب إلى شخصيتك الفنية؟ وهل يحمل بالنسبة إليك دلالة معينة؟
- الأزرق هو اللون الأقرب إليّ. ربما لأنني أراه لونا يجمع بين الهدوء والعمق والقوة، ويترك مساحة واسعة للتأمل. لا أملك تفسيرا عقلانيا دقيقا لهذا الانجذاب، لكنه في هذه المرحلة من تجربتي اللون الذي أشعر بأنه الأقرب إلى حالتي الفنية والوجدانية.
* تحضر المرأة بشكل لافت في أعمالك التشكيلية، ما الذي تمثله لك المرأة كموضوع بصري وفني؟
- المرأة حاضرة بقوة في تجربتي، وغالبا ما تتوسط لوحاتي وجوه نسائية لا تكون ملامحها واضحة أو قابلة للتعرّف، وهذا اختيار مقصود.
لا أبحث عن تصوير امرأة محددة، بل عن امرأة تحمل قصة وذاكرة وتجارب ومشاعر. كما أنني أؤمن بقوة المرأة، وبشكل خاص المرأة المغربية، وما تحمله من حضور وقدرة على التأثير. لذلك أحاول أن أجعلها في أعمالي أكثر من مجرد عنصر جمالي؛ أن تكون رمزا لصوت وتجربة وذاكرة.
* كيف ترين واقع الفن التشكيلي في المغرب اليوم؟ وهل يجد الفنان التشكيلي المغربي المساحة الكافية لعرض أعماله والوصول إلى الجمهور؟
- أرى أن المشهد التشكيلي المغربي غني جدا، ويضم تجارب قوية وواعدة، سواء من الأسماء التي تركت بصمتها في الماضي أو من الفنانين الشباب الذين يواصلون اليوم بناء تجاربهم.
أما بالنسبة إلى فرص العرض والوصول إلى الجمهور، فمن خلال تجربتي الشخصية أستطيع القول إن الفرص موجودة، وقد حظيت شخصيا بدعم وفرص مهمة في بداية مساري. لكنني أعتقد أن الفنان لا يجب أن ينتظر الفرصة، بل عليه أن يبحث عنها ويعمل على خلقها.

* ماذا يمنحك اللقاء المباشر مع الجمهور؟ وما الذي تأخذينه معك من المعارض إلى مرسمك؟
- اللقاء مع الجمهور يفتح أمامي طريقة أخرى لرؤية أعمالي. أكتشف من خلاله كيف يقرأ المتلقي اللوحة، وما الذي يلفت انتباهه وما الأحاسيس التي تثيرها لديه.
كل ملاحظة أو انطباع يمكن أن يترك أثرا لديّ، وقد يتحول لاحقا إلى فكرة أو إحساس أو تجربة جديدة في العمل الفني. بالنسبة إليّ، المعرض لا ينتهي بخروج اللوحة من المرسم، بل تبدأ معه حياة أخرى للعمل من خلال المتلقي.
أما ما آخذه من المعارض إلى مرسمي، فأنا آخذ معي عالمي. آخذ معي عالم خديجة جرير، برؤيتها الخاصة، وبما تراه وتشعر به وتعيشه.
* هل مررتِ في مسيرتك الفنية بلحظات شك أو رغبة في التوقف؟ وكيف استطعتِ تجاوزها؟
ج: بالتأكيد، خصوصا أنني أوازن بين عملي في إدارة الموارد البشرية ومساري الفني، وهذا ليس سهلا دائما. لكن حبي للفن يظل دائما أقوى من هذه الصعوبات.
لا أرى الفن بالنسبة إليّ مجرد هواية يمكن التوقف عنها، بل جزء أساسي من شخصيتي وطريقتي في التعبير. لذلك حاولت دائما أن أجد توازنا بين حياتي المهنية والفنية، حتى في الفترات التي يكون فيها الوقت والظروف أكثر صعوبة.
* ما رسالتك للفنانين الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الفن التشكيلي؟
- أعتبر نفسي أيضا فنانة في بداية الطريق، لذلك أتحدث إليهم من موقع من لا يزال يتعلم ويبحث.
رسالتي الأساسية هي: لا تتوقفوا عن التعلم والتجريب. ابحثوا عن لغتكم التشكيلية، جرّبوا، أخطئوا، وأعيدوا المحاولة. وفي الوقت نفسه، لا تنتظروا أن تأتيكم الفرص؛ شاركوا، تواصلوا، اعرضوا أعمالكم، وابنوا حضوركم تدريجيا.
الطريق الفني يحتاج إلى الصبر والاستمرارية، والموهبة وحدها لا تكفي من دون العمل والتطوير.
* أخيرا، إلى أين تتجه خديجة جرير فنيا؟ وما المشاريع أو الأحلام التي تستعدين لخوضها مستقبلا؟
- أمشي ببطء، لكن بخطى ثابتة. طموحي الأساسي هو أن أترك بصمتي وأن أبني اسمي ضمن المشهد التشكيلي المعاصر في المغرب، ولمَ لا أن يصل هذا الاسم يوما إلى العالمية.
وأعمل حاليا على التحضير لمعرض تشكيلي يندرج ضمن البوب آرت المغربي، وسيحتفي بـ "التراث المغربي" بطريقة عصرية ومختلفة، من خلال لغة فنية معاصرة تعيد تقديم هذا الرمز في قالب بصري جديد.
* لو كان بإمكانك أن تقولي شيئا واحدا من خلال لوحة، دون كلمات، فما الرسالة التي تختارين أن تصل إلى المتلقي؟
- أريد أن أقول إن وراء كل شخص حكاية تتوارى خلف الصورة المجردة. الإنسان ليس مجرد صورة أو ملامح نراها، بل هو مجموعة من الذكريات والمشاعر والتجارب والطبقات الخفية.
وهذا ما أحاول التعبير عنه من خلال أعمالي: أن نتجاوز ما تراه العين، ونحاول أن نرى ما وراء الصورة.
كما لا يفوتني أن أغتنم هذه الفرصة لأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الشاعر عدنان مشهي على هذا الحوار الشيق، وعلى إتاحة هذه المساحة الجميلة للحديث عن تجربتي الفنية ورؤيتي للتشكيل.
كما أتقدم بالشكر إلى مجلة "التلغراف" على احتضانها لهذا الحوار ونشره، وعلى دعمها للفن والإبداع.








التعليقات