حين يُذكر تاريخ الغناء العربي في لبنان خلال منتصف القرن العشرين، تتجه الأنظار غالبًا إلى الأسماء التي بقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية، بينما غابت أسماء أخرى كان لها حضورها الفني ثم تفرقت بها المنافي. ومن بين هذه التجارب يبرز الثنائي أمل وسليم شوقي، وهما من الفنانين اليهود اللبنانيين اللذين جمعا بين الغناء والتلحين والأداء، وأسهما في الحياة الموسيقية اللبنانية قبل أن تدفعهما التحولات السياسية إلى الهجرة نحو إسرائيل، حيث واصلا العمل بعيدًا عن الأضواء التي عرفاها في وطنهما الأول.
تشير المصادر المتوافرة إلى أن سليم شوقي كان ملحنًا ومغنيًا وعازفًا، بينما عُرفت أمل شوقي بصوتها الذي شارك في برامج الإذاعة اللبنانية والحفلات الفنية. وقد شكلا معًا ثنائيًا غنائيًا ارتبط بالأغنية اللبنانية والعربية في سنوات ازدهار الإذاعة، عندما كانت بيروت واحدة من أهم المراكز الثقافية في المشرق العربي. ولم يقتصر نشاطهما على الأداء، بل قدما أعمالًا خاصة بهما، وحافظا على حضور واضح في الوسط الموسيقي الذي ضم أسماء كبيرة من لبنان والعالم العربي.
تتباين المصادر في بعض تفاصيل سيرتهما، ولا سيما ما يتعلق بأسمائهما الأصلية وتاريخ مغادرتهما لبنان، إلا أن الثابت أنهما انتقلا إلى إسرائيل في ستينيات القرن العشرين، بعد أن أصبحت أوضاع اليهود في المنطقة أكثر تعقيدًا. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياتهما الفنية، لم تكن امتدادًا طبيعيًا لما عرفاه في بيروت، بل تجربة مختلفة فرضت عليهما التأقلم مع مجتمع جديد، وبيئة موسيقية كانت تميل آنذاك إلى الأغنية العبرية والموسيقى الغربية أكثر من اهتمامها بالموسيقى العربية.
ورغم ذلك، لم يتخلَّ أمل وسليم شوقي عن هويتهما الفنية، بل واصلا الغناء والتسجيل والعمل في الإذاعة العربية التابعة لـ«كول يسرائيل»، وشاركا في حفظ جانب من التراث الموسيقي اللبناني والعربي داخل إسرائيل. وتكشف التسجيلات المحفوظة اليوم في المكتبة الوطنية الإسرائيلية أنهما قدما أغاني لبنانية وعربية، وسجلا أعمالًا جديدة، وشاركا في حفلات وتسجيلات إذاعية، مما يدل على استمرار نشاطهما لسنوات بعد الهجرة.
غير أن أهمية هذا الثنائي لا تقتصر على ما قدماه في لبنان أو إسرائيل، بل تمتد إلى أثرهما الذي عاد للظهور مع الجيل الجديد. فقد اختارت حفيدتهما، الفنانة تمار شوقي، أن تجعل موسيقى جدّيها نقطة انطلاق مشروعها الفني، فأعادت غناء أعمالهما وقدمتها بروح معاصرة، مؤكدة أن التراث العائلي يمكن أن يتحول إلى لغة فنية جديدة، وأن الأغنية العربية التي حملها الجدّان من بيروت إلى القدس ما تزال قادرة على الوصول إلى جمهور جديد بعد عقود من الغياب.
واليوم، ومع تزايد الاهتمام بتاريخ الموسيقى العربية واليهودية في المشرق، بدأت سيرة أمل وسليم شوقي تستعيد مكانها تدريجيًا في الدراسات والأبحاث، بكونها جزءًا من تاريخ فني أوسع، يكشف كيف انتقلت الأغنية العربية عبر الحدود، وحافظت على حياتها رغم تبدل الأوطان واللغات والظروف السياسية.
موسيقى أمل وسليم شوقي: الأغنية اللبنانية وفيةً للمقام والموال
يكفي الاستماع إلى أغنية «يا محلى أول هوانا» لكي يدرك المستمع أنه أمام مدرسة غنائية تنتمي إلى زمن كانت فيه الكلمة واللحن والصوت تتكامل من غير استعجال. فالثنائي أمل وسليم شوقي لم يبنيا تجربتهما على الإيقاع الصاخب أو الاستعراض، لكنهما انطلقا من تقاليد الغناء المشرقي التي تقوم على المقام، والموال، وجمال الأداء، والقدرة على تطويع اللحن لخدمة المعنى. وما بقي من تسجيلاتهما، والمتاح اليوم في المكتبة الوطنية اليهودية، يفتح نافذة نادرة على جانب يكاد يكون منسيًا من تاريخ الموسيقى اللبنانية العربية.
تُظهر هذه التسجيلات أن سليم شوقي كان ملحنًا يمتلك حسًا واضحًا في بناء الجملة الموسيقية. فهو يفضل الجمل الطويلة الهادئة التي تتدرج في صعودها ونزولها، وتمنح المغني مساحة للتعبير، بعيدًا عن الزخرفة المجانية. أما أمل شوقي، فقدمت صوتًا دافئًا قريبًا من المدرسة اللبنانية التقليدية، فنجد وضوح النطق، ورقة الأداء، والابتعاد عن المبالغة في الزخارف الصوتية، وكل هذا جعل الغناء يبدو طبيعيًا وصادقًا ورقيقًا.
ومن أبرز ما يميز موسيقاهما احتفاظها بالمقامات العربية الأصيلة. فلا يشعر المستمع بقطيعة مع التراث،كونه يجد نفسه أمام امتداد لمدرسة الموشحات والقدود والأغنية اللبنانية الكلاسيكية. ويؤدي الموال دورًا مهمًا في عدد من التسجيلات، فهو يأتي كمساحة يهيئ بها المغني أذن المستمع للدخول إلى عالم المقام، قبل أن يبدأ اللحن الرئيسي.
وتكشف المواد المحفوظة في المكتبة الوطنية للأغاني العبرية عن مجموعة من التسجيلات المهمة، من بينها «يا محلى أول هوانا»، و «يا مسحراتي صحّينا»، إلى جانب تسجيلات لمقامات وأغانٍ لبنانية، وحفلات وأعراس عربية، تم تسجيل معظمها في أواخر ستينيات القرن الماضي .
وتمتاز هذه التسجيلات بجودة صوتية جيدة تسمح بدراسة أسلوبهما في الغناء والعزف والتلحين، وهي متاحة للباحثين والمهتمين بالموسيقى العربية.
ومن خلال هذه الأعمال يمكن ملاحظة عدد من السمات الفنية الواضحة:
أولها الاعتماد على المقام بكونه أساسًا للبناء اللحني، وثانيها التوازن بين الغناء الفردي والعزف، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
كما يلفت الانتباه الاقتصاد في استخدام الآلات، ونلمس حضورًا بارزًا للعود والكمان وكذلك الناي، ولكن الصوت البشري يظل محورًا في العمل الموسيقي. وتظهر كذلك العناية بالإيقاعات اللبنانية التقليدية، من غير إفراط في السرعة أو التعقيد.
وتشير الشهادات الحديثة إلى أن أمل وسليم شوقي كانا من الأسماء المعروفة في لبنان قبل انتقالهما قبل هجرتهما، وأنهما واصلا هناك تسجيل الأغاني العربية والعمل في الإذاعة العربية، محافظين على أسلوبهما الفني من غير أن ينجرفا وراء الاتجاهات الجديدة التي كانت تميل إلى الموسيقى الغربية. وقد أكدت حفيدتهما تمار شوقي أن تراثهما ظل حاضرًا داخل الأسرة، وأنها نشأت على سماع تسجيلاتهما، وهذا دفعها لاحقًا إلى إعادة تقديم أغانيهما في حفلاتها ومشروعاتها الموسيقية.
وربما تكمن القيمة الحقيقية لتجربة أمل وسليم شوقي في أنها حفظت جانبًا من الذاكرة الموسيقية اللبنانية داخل المجتمعات اليهودية، وفي أنها تقدم اليوم نموذجًا لما كانت عليه الأغنية العربية قبل أن تتغير أذواق الجمهور وتفرض الصناعة الموسيقية إيقاعات مختلفة. ولهذا فإن تسجيلاتهما مادة للاستماع لزمن الجميل ووثيقة فنية تستحق الدراسة، فهي تكشف جماليات مدرسة شرقية أصيلة، ظل المقام فيها سيد اللحن، وبقي الموال جسرًا بين الكلمة والإحساس، وحافظ الأداء على هدوئه وصدق تعبيره، بعيدًا عن التكلف والضجيج.
خاتمة
تكشف تجربة أمل وسليم شوقي عن فراغ واضح في النقد الموسيقي العربي، حيث لم تحظَ أعمالهما، على ما تنطوي عليه من أصالة وجمال فني، بما تستحقه من دراسة وتحليل. وغابت سيرتهما عن معظم كتب تاريخ الغناء العربي، وبقيت تسجيلاتهما حبيسة الأرشيف، على الرغم من أنها تمثل امتدادًا نقيًا للمدرسة المشرقية التي قامت على المقام والموال ورهافة الأداء. ولا يقتصر هذا الإهمال عليهما وحدهما، فلقد شمل عددًا كبيرًا من الفنانين اليهود العرب الذين شاركوا في صناعة الموسيقى العربية قبل أن تفرقهم التحولات السياسية والهجرات.
ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه المنافي إلى انقطاع الإبداع، ولكن انتقلت الأغاني الجميلة مع أصحابها إلى بيئات جديدة، واستمر ت إبداعات عربية تنتج الموسيقى وتحفظ التراث وتقوم بتوريثه للأجيال اللاحقة. وهذا ما نراه بوضوح في تجربة الأخوين الكويتي، كما نجده في عشرات النماذج من يهود اليمن الذين واصلوا حمل تراثهم الموسيقي، وأسهموا في تشكيل جانب مهم من الموسيقى الشرقية فيها.
إذن إن إعادة قراءة هذه التجارب لا تعني إعادة كتابة سير أفراد فحسب، ولكنها تعني أيضًا استعادة فصل مهم من تاريخ الموسيقى العربية، والاعتراف بأن هذا التراث صنعته مواهب متعددة، اجتمعت يومًا في فضاء ثقافي واحد، قبل أن تفرقها الجغرافيا، بينما بقيت ألحانها شاهدة على وحدة الذاكرة الفنية وجمالها.







التعليقات