تمثل المطربة العراقية أديبة خير الله حسن واحدًا من الأصوات النسائية التي تركت بصمتها في الأغنية العراقية خلال ثمانينيات القرن العشرين، إذ جمعت في أدائها بين دفء الصوت وصدق الإحساس، فاستطاعت أن تجد لنفسها مكانًا في ذاكرة المستمع العراقي، بعيدًا عن ضجيج الشهرة العابرة. وقد عُرفت بصوتها الشجي وقدرتها على أداء المقامات والأطوار الغنائية العراقية بروح تنبض بالعاطفة، حتى أصبحت من الوجوه الفنية التي ارتبط اسمها بالأغنية الشعبية والتراثية ذات المذاق العراقي الأصيل.
ولدت أديبة خير الله حسن في مدينة بعقوبة بمحافظة ديالى في العشرين من تشرين الأول/أكتوبر عام 1962، وإن ارتبط اسمها لاحقًا بمدينة البصرة التي شهدت انطلاقتها الفنية واحتضنت جانبًا مهمًا من تجربتها، حتى أصبحت تُعرف لدى الجمهور بأنها إحدى الأصوات البصرية المميزة. وقد نشأت في بيئة أحبت الفن، فوجدت نفسها منذ سنوات المراهقة تنجذب إلى الغناء، لتبدأ رحلتها الفنية وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها.
في أواخر سبعينيات القرن الماضي لفتت انتباه اللجنة الفنية في الإذاعة العراقية، التي رأت في صوتها خامة واعدة تستحق الرعاية، فحظيت بالتشجيع والتوجيه، وأظهرت قدرة واضحة على أداء مختلف أطوار الغناء العراقي، متأثرة بأصوات رائدة مثل مائدة نزهت ووحيدة خليل وغيرهما من المطربات اللواتي أسسن لمدرسة غنائية رصينة. كما انضمت إلى فرقة الإنشاد العراقية التي ضمت نخبة من الأصوات المتميزة، وأسهمت أيضًا في الفرقة القومية للفنون الشعبية التابعة لدائرة السينما والمسرح، حيث أدت الأغنيات المصاحبة للعروض الفلكلورية، وهو ما أكسبها خبرة واسعة في الأداء الجماعي والفن التراثي.
وجاءت انطلاقتها الحقيقية عام 1980 عندما تبناها الموسيقار طالب القرغولي، الذي آمن بموهبتها وقدم لها أغنية «وية الهوى»، فكانت بوابة عبورها إلى الجمهور العراقي. ومنذ ذلك الوقت توالت أعمالها الغنائية، وشاركت مع الفرقة البصرية في تقديم العديد من الأغنيات التي عكست روح البيئة الجنوبية وثراء الموروث الشعبي.
وبرز اسمها على نحو خاص من خلال أغنية «بصراوي عينه مكحلة» التي تحولت إلى واحدة من أشهر الأغنيات الشعبية العراقية، لما حملته من بساطة في التعبير وعذوبة في اللحن والأداء، وظلت هذه الأغنية حاضرة في الذاكرة الفنية، تؤكد قدرة أديبة على الوصول إلى الجمهور دون تكلف أو استعراض.
وخلال مسيرتها تعاونت مع عدد من كبار الملحنين والموسيقيين العراقيين، من بينهم طالب القرغولي، وجميل جرجيس، وروحي الخماش، وفاروق هلال، وهي أسماء تركت أثرًا بالغًا في تاريخ الموسيقى العراقية. وقد أضاف هذا التعاون إلى تجربتها نضجًا فنيًا، وجعلها تقدم أعمالًا تمزج بين الطابع التراثي واللمسة الموسيقية الحديثة، مع المحافظة على الهوية العراقية في الغناء.
ولم تقتصر مشاركاتها على الأغنية العاطفية، بل قدمت الأغنية الوطنية، وأسهمت في إحياء التراث الغنائي. ومن بين أعمالها المتأخرة أغنية «يمه اهنا يمه» التي سجلتها على نفقتها الخاصة بصيغة جديدة، إلى جانب الأغنية الوطنية «عين الله تحرسك يا وطننا»، في تعبير عن ارتباطها بالوطن وإيمانها بدور الأغنية في ترسيخ قيم المحبة والانتماء.
كما خاضت تجربة التمثيل بصورة محدودة، وشاركت في إحدى حلقات برنامج «كاريكاتير»، وأبدى عدد من المخرجين إعجابهم بقدراتها التمثيلية. لكنها كانت ترى أن الغناء هو رسالتها الأساسية، وكانت تخشى أن يؤدي التوسع في التمثيل إلى ابتعادها عن جمهورها بوصفها مطربة. وكانت تصرح بأن الفنان العراقي لا يحظى غالبًا بالفرصة نفسها التي يحظى بها الفنان العربي الذي يستطيع الجمع بين التمثيل والغناء دون أن يفقد هويته الفنية، لذلك فضلت أن تبقى وفية للأغنية التي صنعت اسمها.
كما شاركت في برنامج «أنت الحكم»، وأعربت عن إعجابها بفكرته القائمة على معالجة الظواهر السلبية في المجتمع، مؤكدة أن الفن ينبغي أن يحمل رسالة توجيهية إلى جانب قيمته الجمالية، وهو موقف يعكس رؤيتها لدور الفنان في خدمة المجتمع.
أما على الصعيد الشخصي، فقد تزوجت من طبيب أسنان مصري، وأنجبت منه ابنها الوحيد رامي، الذي أصبح طبيب أسنان أيضًا، غير أن حياتها الزوجية انتهت بالطلاق، ليقيم ابنها مع والده في مصر، وهو جانب إنساني ترك أثره في حياتها الخاصة، بعيدًا عن الأضواء.
وتبقى أديبة خير الله حسن من الأصوات التي حافظت على خصوصيتها في المشهد الغنائي العراقي، إذ لم تعتمد على كثرة الإنتاج بقدر اعتمادها على جودة الأداء وصدق الإحساس، فاستطاعت أن تحتفظ بمكانتها لدى جمهور الأغنية العراقية، وأن تقدم نموذجًا للفنانة التي جعلت من صوتها وسيلة للحفاظ على التراث الغنائي، مع الانفتاح على التجديد دون التفريط بالأصالة.
وقد استندت هذه السيرة إلى المعلومات الواردة في حوار مع الفنانة أديبة المنشور في جريدة هبة زووم، وإلى المادة المنشورة في جريدة دنيا الوطن بعنوان «الفنانة أديبة... ألق الأغنية السبعينية»، فضلًا عما أورده جواد الرميثي في صفحته التوثيقية عن مسيرتها الفنية والشخصية.







التعليقات