انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

هل نسمح للذكاء الاصطناعي برسم التاريخ... جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي تفتح سؤال الذاكرة والهوية

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

5 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
هل نسمح للذكاء الاصطناعي برسم التاريخ... جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي تفتح سؤال الذاكرة والهوية
مشاركة:

تحولت جدارية أُنجزت لتجميل القاهرة قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى قضية تتجاوز الرسم واللون. فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية في 2 أكتوبر 2026 تحقيقًا للصحفية هناء حماد عن جدارية بطول 66 مترًا ظهرت قرب ميدان التحرير، ورسمها متطوعون من مجموعة شبابية مصرية تسمى «رسمة بسمة». كانت الجدارية واحدة من أربعين عملًا أُعدت لتجميل المدينة، وظهرت فيها صورتا توت عنخ آمون والملكة نفرتيتي. لكن لون بشرة الشخصيتين أثار اعتراضات واسعة على مواقع التواصل، ورأى معترضون أن الصورة تعيد تقديم أفكار مرتبطة بالمركزية الأفريقية حول هوية المصريين القدماء. وقبل وصول الرئيس الصيني بساعات اختفت الجدارية تحت طلاء جديد.
القصة تصبح أكثر إثارة عندما نعرف كيف صُنعت الصورة. قال أحمد موسى، مؤسس «رسمة بسمة»، إن الفريق أنجز العمل خلال خمسة أيام في أواخر أغسطس، وإنه استعان ببرنامج تشات جي بي تي لتوليد التصميمات، ثم نقلها المتطوعون إلى الجدار. وأوضح أن درجة ذهبية برونزية استُخدمت في الرسم، وأن الإضاءة جعلت الوجوه تبدو داكنة ليلًا. كما أقر بأن المجموعة أخطأت كونها لم ترجع إلى متخصصين في الآثار والفن. ووفق روايته، زار نائب محافظ القاهرة ورئيس الحي الموقع خلال التنفيذ وأُعجبا بالأعمال، ولكن بعد ذلك تصاعدت الاعتراضات عبر وسائل التواصل وطُلب من المجموعة طلاء الجدارية وإخفاؤها.
وهنا لا تبدو المشكلة في لون استُخدم خطأ فقط. لكننا مع صورة انتقلت وأنتجتها أداة للذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى مكان عام شديد الحساسية، وصارت جزءًا من تمثيل تاريخ مصر أمام المصريين والزائرين. لم يكن الأمر تجربة خاصة يستطيع صاحبها حذفها من حاسوبه، وإنما صورة ضخمة لشخصيتين تاريخيتين معروفتين، وفي فضاء يرتبط بالذاكرة المصرية الحديثة.
هذا الجدل يعيد أيضًا مسألة المركزية الأفريقية إلى الواجهة. والمركزية الأفريقية، أو الأفروسنتريّة، اتجاه فكري يعيد قراءة التاريخ والثقافة من منظور أفريقي، ويهتم بإبراز إسهامات أفريقيا التي تعرضت للتهميش في كثير من الكتابات الغربية. لكن بعض أطروحاته المتعلقة بمصر القديمة أثارت نزاعًا حادًا، خصوصًا عندما تقدم الحضارة المصرية باعتبارها حضارة أفريقية سوداء في أصلها وسكانها. ولهذا لم ير بعض المصريين في الجدارية اختيارًا لونيًا عابرًا، وإنما صورة تحمل وراءها خلافًا قديمًا حول هوية مصر وتاريخها.
ونقلت الغارديان عن عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس رفضه السماح بتنفيذ عمل في موقع مهم مثل ميدان التحرير من دون إشراف متخصصين، كما رفض التصورات التي تربط الحضارة المصرية القديمة بأفريقيا جنوب الصحراء على الصورة التي تقدمها بعض الأطروحات الأفروسنتريّة. كما قدمت عالمة المصريات مونيكا حنا قراءة أكثر اتساعًا. فقد رفضت هي أيضًا الادعاءات الأفروسنتريّة التي وصفتها بأنها «علم زائف»، لكنها نبهت إلى أن المجتمع المصري عرف تاريخيًا تنوعًا سكانيًا، من المجتمعات النوبية في الجنوب إلى سكان مناطق المتوسط في الشمال، وأن المصريين لم يكونوا أصحاب لون بشرة واحد.
وهذه نقطة مهمة، لأنها تمنعنا من استبدال تبسيط بتبسيط آخر ومواجهة قراءة تاريخية ضعيفة لا تكون بصناعة صورة مضادة لا تقل عنها اختزالًا. التاريخ لا يصححه الغضب، كما لا يصنعه برنامج توليد الصور. هناك آثار ونقوش ومومياوات ووثائق ودراسات تراكمت خلال عقود، وهناك متخصصون يختلفون ويصحح بعضهم بعضًا ويقدمون أدلة يمكن مناقشتها.
ويلفت أحد الباحث في الذكاء الاصطناعي والأنثروبولوجيا الأفريقية في حديثه لـالغارديان، إلى مشكلة أخرى: أدوات الذكاء الاصطناعي تتأثر بما هو متداول بكثرة على الإنترنت، وهذا لا يعني أن الأكثر انتشارًا هو الأكثر صحة. لذلك حذر من قبول ما تنتجه هذه الأدوات عندما يتعلق الأمر بالهوية والتراث. أما الناقد الفني مصطفى عيسى فرأى أن التقنية ينبغي أن تبقى أداة يستخدمها الفنان، لا أن تحل محل قراره ومعرفته.

هل نسمح للذكاء الاصطناعي برسم التاريخ... 
جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي تفتح سؤال الذاكرة والهوية

وهنا تكمن، في رأيي، القيمة الحقيقية لهذه الحادثة. كان يمكن سؤال متخصص في علم المصريات قبل رسم أول متر من الجدار. وكان يمكن مراجعة التصميمات قبل تحويلها إلى صور ضخمة. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح شكلًا في ثوان، لكنه لا يتحمل مسؤولية تاريخية عما يقترحه. المسؤولية تبقى على الإنسان والمؤسسة التي اختارت الصورة وسمحت بعرضها.
والأمر يتجاوز هذه الجدارية. نلاحظ منذ سنوات صعود أصوات تفسر تاريخ حضارات المنطقة العربية عبر كتب ومقاطع قصيرة ومدونات صوتية ومواد تنتشر على تيك توك ويوتيوب. بعضها جاد ومفيد، وبعضها يخلط الرواية التاريخية بالتخمين والحكايات المثيرة. والمشكلة أن المعلومة الغريبة غالبًا أسرع انتشارًا من التصحيح الهادئ. وقد يجمع مقطع قصير ملايين المشاهدات قبل أن يكتب متخصص دراسة تشرح أين وقع الخطأ.
ومع ذلك نادرًا ما نرى حضورًا مؤسسيًا أكاديميًا سريعًا في المجال العام لتصحيح معلومة تاريخية واسعة الانتشار. الجامعات ومراكز الآثار والبحوث تملك المتخصصين والمراجع، لكن المسافة بينها وبين الجمهور ما تزال كبيرة في كثير من بلداننا. وحين تترك هذه المساحة فارغة، يملؤها من يملك هاتفًا وحسابًا وقدرة على صنع عنوان مثير، سواء امتلك معرفة تاريخية أم لم يمتلكها.
ونرى المشكلة نفسها في بعض الأعمال الدرامية التاريخية. قد تُصرف ميزانيات ضخمة على الملابس والديكور والمعارك والمؤثرات، بينما لا يحظى البحث التاريخي بالمكان نفسه. العمل الفني يملك بالطبع حق التخيل، ولا ينبغي تحويل المسلسل أو الفيلم إلى درس جامعي، لكن هناك فرقًا بين حرية الخيال وتقديم معلومة تاريخية محددة على أنها حقيقة. الاستعانة بالمؤرخ أو عالم الآثار لا تقتل الفن، وإنما تمنحه أرضًا أكثر صلابة لينطلق منها.
ولا يعني ذلك أن مؤسسة أكاديمية ينبغي أن تراقب كل كتاب أو بودكاست أو مسلسل، أو أن كل قراءة مخالفة للسائد يجب منعها. المعرفة تتقدم بالنقاش والاختلاف أيضًا. المطلوب أن تكون المؤسسات العلمية حاضرة، وأن يصدر التصحيح بالأدلة، وأن يعرف الجمهور الفرق بين فرضية وبحث موثق ورأي شخصي وصورة صنعها برنامج.
لقد انتهت جدارية القاهرة بطريقة شديدة البساطة ووتم تغطيتها بالطلاء الأبيض. لكن السؤال الذي كشفته لم يختف معها. نحن نعيش زمنًا يستطيع فيه أي شخص أن يطلب من آلة أن ترسم ملكًا عاش قبل آلاف السنين، ثم ينشر الصورة خلال دقائق أمام ملايين الناس. ولهذا أصبحت العودة إلى المختص أكثر ضرورة. التقنية تسرع في صناعة الصورة، لكنها لا تختصر طريق المعرفة أو تلغيها و لا تقدم معرفة خالصة وصحيحة مئة بالمئة. وما حدث في القاهرة يذكرنا بأن التاريخ ليس مادة خامًا للغرابة والجذب والفنتازيا؛ فكلما أصبحت صناعة الماضي أسهل، أصبحت مسؤولية التحقق منه ثقيلة وكثيرة الصعوبة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عندما تستسلم السياسة للحب
آراء

عندما تستسلم السياسة للحب

عندما تستسلم السياسة للحب الحب، ذلك الشعور الذي يبدو في ظاهره شأنًا خاصًا بين قلبين، كان في كثير من لحظات التاريخ قوةً عامة تتجاوز أصحابها، فتدخل القصور، وتقترب من العروش، وتعيد رسم خرائط النفوذ والحرب والدين. فما يبدو اليوم قصة عاطفية عابرة، قد يتحول في سياق السلطة إلى حرب، أو انقلاب ديني، أو أزمة…

· 5 د
أوديسيوس وبينيلوب: حين يصبح الحب امتحاناً للزمن
آراء

أوديسيوس وبينيلوب: حين يصبح الحب امتحاناً للزمن

أوديسيوس وبينيلوب: حين يصبح الحب امتحاناً للزمن محمد إبراهيم الزموري هناك قصص حب تنتهي حين يلتقي العاشقان، وقصص أخرى تبدأ حقيقتها بعد الفراق. أما قصة أوديسيوس وبينيلوب، كما حفظتها لنا الأوديسة، فهي من ذلك النوع النادر الذي لا يجعل الحب وعداً باللقاء، بل يجعله قدرة على البقاء حين يغيب كل ما يبرر…

· 4 د
في التنكيل والوصاية:

الأديب الراسخ وصنوه الأشهر وصراع الأذواق — عبد الوهاب البياتي نموذجًا
آراء

في التنكيل والوصاية: الأديب الراسخ وصنوه الأشهر وصراع الأذواق — عبد الوهاب البياتي نموذجًا

إسماعيل نوري الربيعي ثمة لحظة غريبة في حياة الأدب لا يعود فيها السؤال: هل هذه القصيدة جميلة؟ بل يصبح: من يملك الحق في أن يقول إنها جميلة؟ هنا تحديدًا يبدأ الأدب في مغادرة أرض الذائقة إلى أرض السلطة. وما أثاره عبد الوهاب البياتي بعد أكثر من ربع قرن على رحيله يقدم نموذجًا بالغ الدلالة لهذه الظاهرة؛…

· 8 د