انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مواهب ساطعة في قلب مضيء

الى الرائد عبدالحق فاضل

نجمان ياسين
نجمان ياسين

أديب ومؤرخ عراقي

7 دقائق للقراءة
47 مشاهدة
مواهب ساطعة في قلب مضيء
مشاركة:

كيفَ أُمسك موجاً زاخراً؟!

أعرف أن الشمس تشرق مرة في اليوم .

وأعرف أن شمسك تشرق في كل الاوقات

وادرك ان نور النجوم يزين سماء الليل والنهار..

فهل لي أن أمسك أمواج بحرك الزاخرة؟

وكيف يمكن لي ، أن أفيءَ إلى ظلالك

واستجير بحنو الروح الرائقة ، الحائرة ، الملتاعة التي تعانق هذا الموج الوفير ، وتتجلى في أعالي الجبال ؟

شمسك أشرقت في روح الموصل وطردت كل ظلام الجهل والضلالات ، خاصرت موج دجلة ، وزادته سلسبيلاً

أمسكت جذور سور الموصل

وأعليت رايتك فوق سماء الغابات

ينابيعك تكمن في بركة ظهر جدك الحر ، شيخ الاحرار

وفي خضرة الجدران الموصلية المضيئة بقدس الاخضر ودم الصبوات

وصوتك حنو في قلوب البسطاء

آخيتَ الفقراء – الاغنياء

وعافت روحك أو شاب الدنايا وحماقات المتكرشين السفهاء ،

ليس غريباً أن تكون درع الذاكرة الموصلية

فأنت منبثق عن سلالة  جدك النابغ/ اليانع / الرومانسي / الصوفي الذي أعلى شرف الوطنية

وتشبث بجمر الحق وصدح صوته في زمن الصمت المهين

ولذا لم يكن  لك إلاّ ان تكون رائقاً ، باسقاً ، ممسكاً بضوء الرسالات

وذلك العهد المترنم بموسيقا حب ارض العراق

ياصديقي .. في زمن الغربان ، كنت الشحرور الشادي

ولذا تعلمنا منك أن  نشدو والسكين على الرقبة في زمن الدناءات

كنت  درساً يمشي على قدمين

ويشق صدر الصخور التي تعترض مسيرة  دجلة والفرات

وحقاً ، بقيت أنوارك تتوهج في عروق الاحرار ...

أيها الناسك الزاهد ،

ياأجمل العزاب ،

فقهت معنى وبلاغة أن يكرس العبقري الخلاق كُلَّ مافيه لعشق الارض ،

وأن يتوحد مع سر الحروف ، وسحرها

وأدركت ماس وجوهر الاعماق ..

- قرأتُ عن الأبدال في التاريخ

ووقفتُ عند من يُنشئ .. ومن  يخبر

ووجدت فيك من احتضن عصره ، وكان ابن حرائقه

وكان لي أن أقف عدد آلائك الوفيرات،

لم تتوهم أن لانظير لك

وأنك أوحد وقتك ،

كان التواضع تاجك وشارتك

وكنت تغرد وحدك 

وتلك كانت آيتك

ماكان لحرفك  أن يسكن إلاّ في أعالي القباب البيض

ويندس في مرمر الموصل .

والمزاغل .. يؤاخي هديل اليمام

ويضيء تاج الجبال..

أيها العلم المنير – المستنير

يامن أشهرت سيف التمرد

وأسريت في براري الحرية

كشفت وفضحت وأسقطت أقنعة الطغاة

الأجراء ، الخانعين..

منك تعلمت كيف أُشهر اللسان في وجه الرجال القش

وكائنات الرماد

وأعري أبناء الدمامة والخراب

أهو قلبي من قادني الى موج بحرك الغزير

وأوقفني في حضرة عقل شكوكي

لايستكين للسائد والمألوف ..

ماكان لك ياصديقي ، إلاّ أن تنشر خصوبة أنوارك أينما حللت

وأن تظل مشرقاً ببينات الكلمات .


عبدالحق فاضل ، القاص

عبدالحق فاضل ، الروائي

عبدالحق فاضل ، العلاّمة اللغوي

عبدالحق فاضل ، أول ناقد أدبي في الموصل

عبدالحق فاضل ، الباحث والمؤرخ

عبدالحق فاضل ، المترجم ، والمحامي

عبدالحق فاضل ، الشاعر ، والدبلوماسي

عبدالحق فاضل ، المؤسس للصحافة الثقافية

عبدالحق فاضل ، الانسان المتصوف الذي كرّس حياته للمعرفة والإبداع. ألايقف المرء والباحث المتفحص المدقق ، أمام منجز إستثنائي بكل المقاييس ، إضطلع به هذا الرائد الكبير ، المنتسب إلي عصره والذي يؤكد أن من لم يكن ابن عصره ، ولم يفصح عنه ، لن يكون إبن مايأتي من عصور.

لابد من الإقرار ، بأن عبدالحق فاضل أحد الذين أرسوا دعائم القصة القصيرة الواقعية بمعنى واقع الاعماق المحتدم المركب ، وليس واقع السطح والمظهر ، فقصته تنبثق عن  الجوهر وتفصح عنه ، وهو في واقعيته قاص يحقق تناغماً وانسجاماً بين الشكل المضمون ، ويثري القصة بالتحليل النفسي المتوازن للشخص ، وهذا التحليل لم يجعله يفرط في استخدام ذلك .

يمثل أدبه قمة تطور الادب القصصي في الثلاثينات من الناحية الفنية وقد مهدّ في كتاباته الناضجة الى القفزة القصصية في الخمسينات، وفرادته عن غيره من مبدعي جيله ، تكمن في عمق رؤيته للواقع وشدة التصاقه به.

ولغة هذا الرائد البهي ، لغة مضيئة ، رصينة ، مشبعة بروح ونكهة التراث ، وكان لوالده فاضل الصيدلي ولأخيه أكرم فاضل ، الأثر في تكونه الادبي والثقافي .. ونحن نجد قدرته في استيحاء وانبعاث لغة  تراثية ، وضخ دم جديد معاصر في جسدها..

كان ساخراً بالفطرة ، ومحكوماً بمفارقات وخشونة مجتمعه الجارحة ، فضلا عن تمكنه من استخدام الحوار بشكل لافت للنظر ، إذ يندر أن نجد من يجاريه في الادب العراقي الحديث في ادارة الحوار ...

كان يحلم بمشروع قصصي كبير ، لكن هذا الحلم إصطدم بواقع قاس هو واقع الحياة الوظيفية الذي أكل من جرف ابداعه القصصي ، وقرض أجنحة حلمه في القص ، فعمله الدبلوماسي سرقه من مواصلة مشروعية القصصي، والروائي ، ولعله شعر بذلك ، فواصل – تعويضاً – دراساته في اللغة ، وهي ليست هينة اطلاقاً بل باسقة ، شاهقة ، فضلاً عن كتابة مسرحية – اربع نساء وثلاث ضفادع – وأبدا في ترجمة ملحمة قلقامش ، الذي أعطاها عنوان : "هو الذي رأى" ... وكانت ترجمته لها شعراً يقترب من شعر التفعيلة  في الستينات ، تمثل ريادة جريئة ، والى هذا ترجم لشكسبير – يوليوس قيصر – فربما كانت ترجمته لرباعيات الخيام اعمق ترجمة لها ، واكثر دقة من الترجمات التي سبقتها ، وقد إزدانت ترجمته لرباعيات الخيام بدراسة نقدية تحليلية حافلة بالتأملات في الحياة والحب والمصير والحرية والتمرد ، وأفاد من قدرته على التحليل في كشف غوامض روح الخيام ، وافصح عن وعي تاريخي دقيق ، تجعل منه ناقداً باهراً..

كانت جاذبية الواقع ، تهبط بالحلم إلى أرض ذات ثمر يختلف عن ثمر سماء الحلم ، وقلة من المبدعين من واصل تراتيله وغرد إبداعياً خارج قفص الوظيفة ، ومنهم عبدالحق فاضل .

أتذكر أنّ الارجنتيني العبقري ، خورخة لويس بورخس ، قال مرة : " نحن نكتب مانقدر عليه ، واذا بقي من كل منا اربع صفحات ، فهذا أمر جيد" واذا أخذنا برأي البصير – المبصر بورخس ، فإن من اليسر الاقرار بأن مابقى من منجزك الغني ، صفحات ، وصفحات ...

من لايعرف أنك كنت مائزاً بين أقرانك ؟ ومن لايعرف أن الفنان فيك ، كان يتقدم عليهم ؟ وأن أثرك في جيل الخمسينات في العراق من القصاصين ، كان أبلغ من الاخرين ؟

كُنتَ العقل الناقد ، الوضيء ، المولع في كشف الغامض والمضمر المستتر ، والموغل في خفايا النص إجتهاداً ، وكشفاً وتحليلاً ، من دون تهيب، أو إستسهال .

كُلما أقرأُ لك، استحضر قول فرانز كافكا: " دوستويفسكي ونيشته ، من إخوتي في الدم ، لأُردد بدوري: إن عبدالحق فاضل، صديقي بالدم".

مُذ أنشأك الله ، أهداكَ بصيرة حب القوى الوضاءة في الحياة و كنت من أغصان الاشجار العالية .. كنت شجرة باسقة تكتنز الثمر الكريم !.

من سماء الوطن حلّقتَ ، لتحتضن سماء الأمة، ولشدّما نافحت ودافعت عن سمو العربية ، وأعليت شأنها بين اللغات ، فالعربية ملكت عليك نفسك ، وسكنتك ، وسكنتها.

شهد لك أقرانُك بالتفوق عليهم في فن القص والرواية ، وامتدح علماء لغة وأدباء أفذاذ من الشرق والغرب ، منجزك اللغوي ، والنقدي ، وذاك أمر يدعو الى الزهو والفخر حقاً..

مَنْ كان أكثر حضوراً فيك ، الاديب الفنان ؟ أم المثقف الموسوعي ؟ هل تسبق التلقائية والعفوية فيك ؟ أم يسبق المثقف في منجزك المركب ، متعدد الصفحات ؟

وكيف؟ كيف ، لم تدرس أكاديمياً بما فيه الكفاية في جامعتنا العراقية والعربية ؟ أقول هذا وأعرف أن قادم الايام سيشهد إقبالاً على دراستك في اكثر من رسالة واطروحة فهذا بعض استحقاقك وعطاؤك مقدر له أن يخترم قشرة الزمن!

عمّ أتحدث أيها الرائد المائز الذي أتقن السير على المياه حاملاً العديد من الالواح ، من دون أن يبتل بالماء ، أو يفقد أحد ألوحه ؟

كُنتَ مبتكر القصة النفسية في العراق ، وقبلك لم تكن ! وكُنتَ إجترحت لغة تحقق التناغم والانسجام بين الذاتي والموضوعي ، الخاص والعام ، لغة طرية ، غضة ، ساخنة وواقعية لاتقع في إثم المباشرة  أو خطيئة التقريرية ، ذلك أن واقعيتك ، هي واقعية النفوس الممزقة المحتدمة بالتحولات ، لغة تومئ اليك وحدك ، وتؤشر نبل ضميرك الحي اليقظ المترع بتطلعات وآمال وحرائق بلدك في لحظة من اشد لحظات التاريخ إرباكاً وحساسية ، وفي برهات أشرت رفضك ابداعياً وفكرياً ، لكل من أراد طمس هوية بلدك ، وامتك ومن هنا حقّ علينا ان نصفك بأحد حراس الذاكرة ، وتلك إحدى آيات فنك الرفيع ، وفكرك المًتقد..

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د