انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ماذا فعل الزمن بهؤلاء الذين كانوا هنا؟

مروان ياسين الدليمي
مروان ياسين الدليمي

شاعر وكاتب عراقي

4 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
ماذا فعل الزمن بهؤلاء الذين كانوا هنا؟
مشاركة:

ثمة صور لا نعود إليها لأننا نريد أن نتذكر ما حدث، بل لأننا نريد أن نعرف ما الذي حدث لنا نحن منذ أن حدث ذلك. نفتح ألبوما قديما، فتنزلق العين، قبل الذاكرة، إلى الوجوه؛ وجوه لم تعد كما كانت، وربما لم يعد أصحابها يعرفون أنفسهم فيها إلا من خلال تلك المسافة الغامضة التي صنعها الزمن. هكذا تبدو لي هذه الصورة الآن: ليست ورقة من الماضي، وإنما نافذة ظللت مفتوحة، على الرغم من أن الذين وقفوا أمام الكامرة ذات صباح مضوا كل إلى جهته، وحملت السنوات معهم شيئا من ملامحهم، وأصواتهم، وأحلامهم التي لم نكن نعرف، ونحن في ذلك العمر، أنها كانت أحلاما. حين أنظر إليها أشعر أن الذاكرة لا تحفظ الأشياء كما وقعت، بل تعيد اختراعها كلما عدنا إليها. وربما لهذا يصبح الحنين أكثر غموضا من الماضي نفسه؛ فنحن لا نشتاق فقط إلى أشخاص كانوا هنا، ولا إلى مكان مررنا به، وإنما إلى ذلك الشخص الذي كنا عليه ونحن نقف بينهم. الصورة تستعيد لنا أعمارا لا يمكن استعادتها، وتمنحنا، للحظة، وهما عابرا بأن الزمن يمكن أن يتراجع خطوة واحدة، وأن أولئك الفتيان والفتيات ما زالوا هناك، ينتظرون شيئا لا يعرفون اسمه. لكن الصورة، في الوقت نفسه، لا تعيد الماضي؛ إنها تكشف غيابه. وكلما أطلت النظر إليها، بدا لي أن السؤال الحقيقي ليس: من هؤلاء الذين في الصورة؟ بل: ماذا فعل الزمن بهؤلاء الذين كانوا هنا؟

تلتقط هذه الصورة شيئا أكبر من لحظة عابرة في رحلة مدرسية. إنها تحفظ، من دون أن تدري، صفحة من تاريخ النشاط المدرسي في الموصل خلال سبعينيات القرن الماضي؛ حين كان هذا النشاط يتجاوز وظيفته التعليمية التقليدية، ليصبح جزءا حيا من المشهد الثقافي في المدينة.

في عام 1977 توجه وفد النشاط المدرسي في الموصل إلى محافظة الأنبار للمشاركة في المهرجان السنوي. وكان بين أعضائه فريق مسرحية "كفرقاسم"، إلى جانب طلبة شاركوا في مسابقات الخطابة والشعر في مقدمتهم " يونس صديق " الذي يقيم اليوم في ايطاليا منذ خمسين عاما . ترأس الوفد مدير النشاط المدرسي، الشاعر معد الجبوري، ورافقه المخرج علي إحسان الجراح، فيما تولى موفق الطائي تأليف وإخراج مسرحية "كفرقاسم".

أما الطلبة، فقد ضم الوفد عددا من الأسماء التي ستصبح، بعد سنوات، معروفة في مجالات الثقافة والفن ، منهم : ،يونس صديق، مروان ياسين، ثائر صباح، أيمن القزاز، عبد الكريم محمد جرجيس، عبد الكريم محمد عبد الله، نزار محمد، إلى جانب آخرين لا تسعفني الذاكرة الآن في استعادة أسمائهم. كما شاركت في الرحلة والمهرجان مجموعة من طالبات معهد إعداد المعلمات في الموصل، معظمهن من محافظة كركوك.

وفي الطريق إلى الأنبار توقفنا في سامراء. هناك التقطت هذه الصورة. لم نكن نعرف، بالطبع، أن الصورة ستنجو من الزمن بينما تتكفل السنوات بالباقي: الوجوه تتغير، والأسماء تتوزع على جهات مختلفة، وبعض الذين وقفوا معا في ذلك الصباح سيصبحون، بعد عقود، جزءا من ذاكرة مدينة وثقافتها.

كانت تلك السنوات، بالنسبة إلى النشاط المدرسي في الموصل، سنوات حيوية وحضور حقيقي. لم يكن المسرح المدرسي نشاطا هامشيا يملأ ساعات الفراغ، بل كان مساحة جدية للتجربة والمنافسة واكتشاف المواهب. وكان وراء هذه الحركة عدد من المخرجين الذين أدركوا، مبكرا، أن المسرح لا يتعلمه الطالب من كتاب، وإنما من الوقوف أمام الجمهور، ومن الخطأ على الخشبة، ومن إعادة المحاولة.

كان موفق الطائي، وغانم العبيدي، وراكان العلاف، ويسن طه، من أبرز المخرجين الذين أسهموا في هذه التجربة. وإلى جانبهم ظهر طلبة وجدوا في المسرح أكثر من لعبة عابرة: عبد الرزاق إبراهيم، ومروان ياسين، وسمير زيدان، وعبد الكريم محمد جرجيس، وغيرهم ممن كانوا يتناوبون الأدوار ويتعلمون من كل تجربة جديدة.

أذكر أننا كنا نشارك خلال العام الواحد في أكثر من ثلاثة أعمال مسرحية، تقدم على خشبة مسرح قاعة الربيع. ولم تكن المسألة في عدد العروض وحده، بل في ذلك الشعور الذي كان يصاحبنا ونحن ننتقل من عرض إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى، ومن بروفة طويلة إلى لحظة الوقوف أمام الجمهور. كنا نتعلم المسرح ونحن نمارسه، ونكتشف أنفسنا من خلال الشخصيات التي كنا نؤديها.

ولعل قيمة تلك التجربة لا تظهر في ما قدمناه آنذاك بقدر ما تظهر في ما تركته فينا. فالمسرح، في تلك السن المبكرة، كان يعلّمنا الإصغاء، والانضباط، والعمل مع الآخرين، وكيف يمكن للفرد أن يكون جزءا من مشهد لا يكتمل إلا بالجماعة.

لهذا تبدو الصورة اليوم أكثر من سجل لرحلة إلى الأنبار. إنها صورة لزمن كان فيه الطالب يستطيع أن يجد طريقه إلى الثقافة من باب المدرسة، وأن يقف على خشبة المسرح قبل أن يعرف إلى أين ستقوده الحياة. وبين الوجوه التي جمعتها عدسة الكاميرا في سامراء، كانت هناك بدايات لم نكن نعرف قيمتها آنذاك.

ربما لهذا السبب تحديدا بقيت الصورة. فهي لا تقول لنا فقط: هؤلاء كانوا هنا. إنها تسألنا أيضا: ماذا فعل الزمن بهؤلاء الذين كانوا هنا؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د