منذ التغيير الراديكالي في العام 2003 جابه البلاد والعباد انحداراً خطيراً قادته قوى الدجل والتضليل وإسقاطاتها القدسية زيفا وبهتاناً، بقصد تفريغ العقل العراقي من أية فرصة بناء وتقدم واغتناء فكري فلسفي ومن ثمَّ تفاقمت عقبات كأداء بوجه المشهد الثقافي والاجتماعي في العراق الجديد لتختلق أزمة بنيوية مركبة.. ولعل من أخطر تلك المعضلات (الثقافية) ما تجسَّد تتمثل في سلوك التشدد الاجتماعي، إلى جانب اتساع اختراق بنيوي عندما جابهنا (تجذّر الهويات الفرعية، الطائفية منها والعشائرية؛ على حساب الهوية الوطنية الجامعة وثقافتها، فضلا عن التدهور الذي قاد نحو نشوء ما عُرف بـ "ثقافة الفساد" بوصفها ظاهرة سلوكية مرضية مستعصية.
قد أحدث غياب برامج وطنية ومرحلة انتقالية بقيادة واعية لمجمل مرحلة ما بعد التغيير، صدمة ثقافية نجمت عن الانتقال المفاجئ من أوضاع يحكمها الفكر الشمولي المركزي إلى فضاء مفتوح بنهج فوضوي عجزت المؤسسات المتهالكة والوعي الجمعي المحلي عن إدارة ذاك الفضاء بنائيا وبصورة متوازنة..
ويمكن لهذه الافتتاحية أن تركز في رصدها جانبا من الظواهر بخاصة ما ورد بشأن أغلبها في هذا العدد، على ذكر بعض تلكم المعضلات الثقافية لعمق تفشيها وتحولها لمستوى الظاهرة المستفحلة ونشير هنا إلى الآتي:
1. تفشي ظواهر كرست ثقافة الفساد والمحسوبية
بات الفساد في العراق أكبر من مجرد جرائم اقتصادية عابرة، حتى تحول مع الوقت وعلى مدار ما ناهز ربع القرن وأكثر، إلى ثقافة سلوكية ومنظومة قيمية اجتماعية تٌُمارس يومياً حيث تغلغلت في العقل الجمعي واخترقت حيوات الناس وجوديا... وبالاستناد إلى تعايش مأزوم على مدار سنوات الشدة، وأزماتها المعيشية والخدمية أفضت الأمور إلى زعزعة المنظومة القيمية الأخلاقية لحجم رئيس في البنية السكانية؛ وباتت يُنظر إلى قيم النزاهة والإتقان على أنها عقبات، تعيق مسار الحياة ويوميات الإنسان العادي الذي تبنى بتلك الظروف قبول الرشوة، والمحسوبية (الواسطة)، وأي شكل لاستغلال النفوذ كوسائل مشروعة مسموح بها لتمشية تفاصيل اليوم العادي ومصالحه الحياتية.. إذ من دونها لا يمكن تجاوز الأزمات.
2. معضلة ثقافة التشدد والتمترس حول الذات وتغييب قبول الآخر
وهنا نجد أن أغلب الدراسات السوسيولوجية الموضوعية قد كشفت تحولات الفرد في المجتمع العراقي باتجاه نمط جديد عنده، يمكن توصيفه، بـ فرط التصلب الاجتماعي أو ما استخدمناه هنا التشدد. وهو الأمر الناجم عن حجم الهلع الشديد والمتمكن باستمراره مع مدى زمني طويل؛ خشية ورعبا من التهديدات البيئية سواء منها الطبيعية وهي الأقل أثرا أم الاجتماعية والسياسية وهي الأشد وطأة وتأثيرا، وقد تم كل ذلك في ظل تردي الأدوار البنيوية لمؤسسات الضبط القيمي التقليدية سواء منها العائلة أم المدرسة أم الحي والضاحية وعلاقات اجتماعية تحكمها كما قبل عقود وعلى مدارها... أما مخاطر هذا التدهور فتتجسد في تعقيد مشهد قبول الآخر واختلاق عقببات ذاتية وأخرى موضوعية تجاه أية محاولة لفهم أو تفهم الآخر واستيعابه وقبوله الأمر الذي خلق بيئة خصبة للاستقطابات. ومن الطبيعي في هذه الأجواء أن يحيا المجتمع تحت وطأة أزمة ثقة بينية بخاصة مع تفشي ظواهر التمزقات والتشرذمات أو تشتت الولاءات بما دفع لفقدان جدي خطير لأي احتمال لاستعادة ثقة كثرة عراقيين فيما بينهم ومجموعهم بالمؤسسات العامة. بكل تحولاتها وانحدار لتكون منصات بقرة حلوب للفاسد الطائفي وحرسه الميليشيايوي..
3. السوك الاتكالي وعدم المسؤولية وضعف الصلة بالمشهد العام
لقد كان النظام الاقتصادي الريعي وتفكيك القطاع العام والاتكال على الدولة كونها مصدر مدخولات الفرد وما يحظى من عطايا بقصد إحالته لشخصية خاوية غير منتجة تطارد لقمتها وراء من يستغلها من دون إرادة العمل وإنتاج الخيرات ومنظومة قيمية تقوم على روح المبادرة لا الاتكال وبالتحديد في ضوء ما تجابهه الشبيبة العراقية من الشباب العراقي اليوم فجوة ثقافية قيمية بين مخرجات التعليم وسوق العمل الفعلي المتردي الهزيل بالأصل، ما أدى لمزيد ظواهر الإحباط والانكسار والبطالة التي أفضت لمعضلات أخرى ربما بينها المخدرات والعلاقات غير السوية..
4. تفشي الهويات الفرعية وانتشار سلوكيات الشحن الطائفي والقبلي
انحدر الأوضاع العراقية بعد 2003 لتشهد تراجعاً حاداً لقيم الثقافة (العلمانية \ المدنية) لصالح صعود قوى ما قبل الدولة وخطابها القائم على الولاء الطائفي، والتعصب العشائري، وآلية تسييس الدين ومنح رجاله المزيفين سلطة مطلقة تستغل القدسية والعصمة وتمثيل الإله على الأرض بقصد استعباد البسطاء المضلَّلين... وهكذا صارت السلطة المطلقة بأيدي قوى ارتكبت كل الجرائم بلا حسيب أو رقيب سوى مماحكات المراوغة وأضاليلها بينما الخطاب السائد يقوم على الشحن عبر وسائل الإعلام المحتكرة وعلى الخطاب السياسي الحزبي وكلها تحولت لتشكل أداة تخريب البنية المجتمعية وتشويه الروابط النفسية والاجتماعية في البلاد ومدنها وقصباتها..
لكن الأدهى في مجمل هذا كمن في محور غاية في الأهمية ألا وهو تهميش المثقف الحقيقي بمقابل صعود أدعياء الثقافة حيث تعطيل كامل للمثقف الحقيقي النزيه بكل ما امتلكه العراق من نخبة واعية ذات عقول كبيرة، إلا أنها محاصرة مستلبة ومصادرة مفروض عليها الانزواء بعيداً أو مغادرة البلاد والعيش في المنافي والمهاجر القصية مع قطع الصلات بينهم والوطن.. فيما تصدر ساسة الصدفة المشهد الثقافي ومراكز اتخاذ القرار وإدارة الحياة العامة وتمثيلها محليا ودوليا إلا النزر اليسير من المقطوعة مسالك تأثيرهم.. بينما تتفاقم فوضى صراخ المحتويات الهابطة وتغييب العقل النقدي المستقل لصالح خطابات ثقافة التبرير الموالية للجهات الحزبية والمحاصصاتية. والأنكى في هؤلاء كونهم ذيول لا علاقة لهم بالوطن والناس ولا بالعمل ومحاولات تبني قيمه السامية..
ويمكننا الاختزال بالقول: إن المعضلة الثقافية الاستراتيجية في العراق الجديد تبقى أكبر من مجرد نقص الدعم لمؤسسات الآداب والفنون وخطاب الثقافة التنويرية لتتجسد في أعمق أزمة وعي خطيرة وفي خلل بنيوي في القيم الاجتماعية ومنظوماتها المعاصرة.
أما عدد المثقف التنويري هذا فلربما اقترح من مجمل مخرجات مواده وتنوعاتها أن يتم استحداث حلقات وخلايا ثقافية كجماعات التشكيل والشعر التي ولدت في أربعيينات وخمسينات القرن الماضي عندما برزت لتجد آثارها في أروع ثورة بنيوية شعبية للعلمنة والأنسنة والعقل العلمي وحركة التقدم.. فهل سنشهد ذلك في ضوء محاولات مازالت متواضعة وتشي وتبشر بالآتي؟؟ ذلكم ما سنرصده يوم يتفاعل القارئ والقارئة بصورة بناءة إيجابية تساهم باستكمال تفعيل الأدوار المتطلع إليه.
كيف نرصد معضلات الثقافة في عراق اليوم؟ وكيف نقرأها ونعالجها؟

آخر تحديث: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٠٧ م






التعليقات