ليست كل الفوضى التي تسكننا مرئية، فبعض الفوضى لا تحدث ضجيجاً، ولا تترك أثراً على ملامحنا، لكنها تربك أرواحنا بصمت، وتثقل قلوبنا بأشياء لا نستطيع البوح بها، مهما حاولنا أن نبدو بخير أمام الآخرين.
كركبة الروح ليست ضعفاً، بل هي حكاية طويلة من المشاعر المتداخلة، والخيبات المتراكمة، والذكريات التي لم تجد طريقها إلى النسيان.
نحن لا نتعب من الحياة وحدها، بل نتعب من التفاصيل الصغيرة التي تتراكم في داخلنا ..
نعم من كلمة انتظرناها ولم تأت، ومن موقف كسر شيئاً فينا ولم يلحظه أحد، ومن أشخاص منحناهم من صدقنا أكثر مما يستحقون، ثم اكتشفنا أن بعض القلوب لا تعرف قيمة ما تمنحه لها.
ومع مرور الأيام، تتحول أرواحنا إلى مخطوطات قديمة، كتبت الحياة على صفحاتها حكايات كثيرة، بعضها يحمل ملامح الفرح، وبعضها يختبئ بين سطور الألم، وبعضها الآخر بقي ناقصاً، لأن الظروف لم تمنحنا فرصة إكماله، أو لأن أشخاصاً غادروا قبل أن نقول لهم كل ما في قلوبنا.
نحاول أحياناً أن نرتب حياتنا من الخارج، أن نبتسم، ونتحدث، ونمارس تفاصيلنا اليومية بصورة طبيعية، بينما في الداخل أشياء كثيرة تحتاج إلى الترتيب.
أفكار تتصارع، ومشاعر تبحث عن تفسير، وأسئلة لا نجد لها إجابات مقنعة.
نضحك مع الآخرين، ثم نعود إلى وحدتنا لنواجه تلك الاشياء المزدحمة في أعماقنا، حيث الذكريات إلى جانب الخيبات، وهناك تتناوب الأحلام المؤجلة مع مخاوف من الغد، وكأن أرواحنا أصبحت غرفة قديمة لم نعد نعرف من أين نبدأ تنظيفها.
لكن المشكلة ليست دائماً في كثرة ما نحمله، بل في عجزنا عن التخلي عما لم يعد يناسب أرواحنا.
نتمسك بأشخاص انتهت حكاياتهم، ونستعيد مواقف استنزفت مشاعرنا، ونمنح الماضي فرصة جديدة لتعكير حاضرنا، وكأننا نخشى أن نترك الأشياء خلفنا، حتى وإن كانت هي نفسها ما يمنعنا من التقدم.
إن أصعب أنواع الفوضى تلك التي تجعل الإنسان غريباً عن نفسه، يعرف ما يؤلمه، لكنه لا يعرف كيف يتجاوزه، ويرغب في الراحة، لكنه يظل أسيراً لأفكار لا تمنحه فرصة للهدوء.
أحياناً نحتاج فقط إلى أن نمنح أنفسنا بعض الهدوء، وأن نعترف بتعبنا دون خجل، وأن نتصالح مع الأشياء التي لم نستطع تغييرها، وأن نفهم أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات بقدر ما تحتاج إلى أن نتوقف عن مطاردتها.
نحتاج أن نتعلم كيف نغلق الصفحات التي استنزفتنا، لا لأن ما فيها لم يكن مهماً، بل لأن البقاء فيها أكثر مما ينبغي قد يحرمنا من كتابة صفحات أجمل.
فالحياة لا تمنحنا دائماً ما نريد، لكنها تترك لنا، رغم كل شيء، فرصة إعادة ترتيب أنفسنا، واكتشاف ما يستحق البقاء في أرواحنا، وما ينبغي أن نتركه يمضي بسلام.
نعم.. نحتاج إلى أن نرتب رواحنا كما نرتب المكتبة القديمة، حيث نحتفظ بالكتب التي علمتنا، ونتخلص من الصفحات التي لم تعد تمنحنا سوى الألم، ونترك في قلوبنا مساحة بيضاء لم تكتب الحياة بعد فيها شيء.
وأخيرا يجب معرفة أن ...
بعض الفوضى تحتاج إلى ترتيب، وبعضها يحتاج إلى نسيان، وبعضها لا يحتاج إلا إلى قلب يتوقف عن مقاومة ما حدث، وروح تتعلم أخيراً كيف تمنح نفسها السلام.







التعليقات