الأساطير اليونانية والرومانية لا تحكي لنا عن عالم بعيد يسكنه الآلهة وحدهم، وإنما تعكس، قبل كل شيء، شيئاً من طبيعتنا البشرية. ففي حكاياتها نجد مشاعر لا تزال حاضرة في حياتنا: الغيرة والحسد والخوف والشك والحب. ومن أكثر هذه الأساطير قرباً من التجربة الإنسانية قصة بسيكي، تلك الفتاة التي ارتبط اسمها في اللغة اليونانية بمعنى «العقل» أو «الروح»، ومنها جاءت كلمة «علم النفس».
ظهرت قصة بسيكي في الرواية اللاتينية الحمار الذهبي، التي كتبها لوسيوس أبوليوس في القرن الثاني الميلادي.
كانت بسيكي أصغر بنات ملك من ملوك الأناضول الثلاث. وكانت شديدة الجمال، إلى درجة أن جمالها لم يتفوق على جمال أختيها فحسب، بل جعل الناس يقارنونها بالإلهة فينوس نفسها. ومع انتشار الإعجاب بها، وصل الأمر إلى مسامع فينوس، فاشتعلت غيرتها.
قررت فينوس أن تعاقب الفتاة، فأمرت ابنها كيوبيد بأن يصيبها بسهم يجبرها على الوقوع في حب أبشع رجل وأكثرهم إثارة للرعب.
لكن الأيام مرت، ولم تجد بسيكي الرجل الذي يمكن أن تتزوجه. وإزاء حيرة والدها، ذهب إلى عرافة ميليتوس طلباً للنصيحة. فجاءه الجواب قاسياً: عليه أن يصطحب ابنته إلى قمة جبل، حيث ينتظرها زوجها، مخلوق مخيف حتى إن الآلهة نفسها تخشاه.
استسلم الأب للقدر، وتركت بسيكي على الجبل ليلاً. لكنها عندما استيقظت لم تجد نفسها أمام الوحش الذي وصفته النبوءة، بل وجدت أن الريح حملتها إلى قصر بالغ الفخامة. وهناك أخبرها صوت غامض بأن القصر أصبح بيتها، وأن زوجها سيأتي إليها ليلاً، لكنه لن يسمح لها برؤية وجهه.
عاشت بسيكي في قصرها الجديد حياة تبدو من الخارج أشبه بالحلم، لكنها كانت في الداخل سجناً من الذهب. لم تكن ترى زوجها، ولا تعرف عنه سوى صوته ولمسه. وبعد فترة، طلبت منه أن يسمح لأخواتها بزيارتها، فوافق بشرط واحد: ألا تحاول أبداً رؤية وجهه.
وافقت بسيكي، لكن أخواتها، عندما رأين الثروة التي تحيط بها، اشتعلت غيرتهن. وبدلاً من أن يشاركنها فرحتها، زرعن في قلبها الشك، وأقنعنها بأن زوجها يخفي وراء ملامحه سراً رهيباً، وأنه ربما يكون الوحش الذي حذرتها منه النبوءة.
لم تستطع بسيكي مقاومة الشك. وفي إحدى الليالي، وبينما كان زوجها نائماً، حملت مصباحاً واقتربت منه لتكشف وجهه.
لكن المفاجأة كانت أكبر من كل مخاوفها: لم يكن زوجها وحشاً، بل كان كيوبيد نفسه، إله الحب، الذي وقع في حبها منذ اللحظة التي أراد فيها تنفيذ أمر والدته، فلم يستطع أن يؤذيها.
غير أن فرحتها لم تدم. فقد ارتجفت يدها، وسقطت قطرة من الزيت الساخن على جسد كيوبيد فأيقظته. وعندما اكتشف أنها خالفت وعدها، شعر بالخيانة وخيبة الأمل، وتركها في اللحظة نفسها.
بدأت بسيكي رحلة طويلة من الندم. راحت تبحث عن حبيبها، وتتوسل إلى الآلهة أن تعيد إليها ما فقدته. أما كيوبيد، فعاد إلى والدته، وهو عاجز عن احتمال الانفصال عن المرأة التي أحبها. وفي النهاية، أدركت فينوس أن الحب الذي جمعهما أقوى من غيرتها، ومنحت بسيكي فرصة لاستعادة حبيبها، لكن ليس قبل أن تخضعها لأربعة اختبارات شاقة.
كان الاختبار الأخير أصعبها جميعاً: النزول إلى العالم السفلي والحصول من بيرسيفوني، ملكة الموتى، على جزء من جمالها.
نجحت بسيكي في الوصول إلى العالم السفلي والحصول على الصندوق، لكنها، أثناء عودتها، استسلمت مرة أخرى لنفاد الصبر. فكرت أن قليلاً من هذا الجمال قد يجعلها أكثر جمالاً في عيني كيوبيد، ففتحت الصندوق.
لكنها لم تجد فيه جمالاً، بل نوماً يشبه نوم الموتى. سقطت بسيكي في سبات عميق.
لم يحتمل كيوبيد استمرار الفراق، فتوسل إلى الآلهة أن تسامح بسيكي. وافقوا في النهاية، وأصبحت بسيكي خالدة، واستطاع كيوبيد أن يعثر عليها ويوقظها من نومها.
ومنذ ذلك الحين عاش العاشقان معاً، ورُزقا بابنة سميت فولوبتاس، أو هيدوني، إلهة المتعة.
لهذا السبب قرأ بعض علماء النفس قصة بسيكي باعتبارها استعارة للانتقال من الطفولة إلى النضج. فالأخطاء التي ارتكبتها لم تكن شروراً متعمدة بقدر ما كانت نتيجة السذاجة والشك ونفاد الصبر. وكل اختبار مرت به كان خطوة أخرى نحو معرفة الذات وفهم معنى الحب والثقة.
ولعل أجمل ما في الأسطورة أن اسم البطلة نفسه يحمل مفتاحها: بسيكي، أي الروح أو العقل، لا تجد اكتمالها إلا حين تلتقي بكيوبيد، أي الحب. ومن اتحادهما تولد فولوبتاس، أي المتعة.
وهكذا لا تبدو قصة بسيكي مجرد حكاية عن إله وفتاة، بل عن الإنسان نفسه: عن الثقة التي قد يهدمها الشك، وعن الحب الذي يحتاج إلى الصبر، وعن الأخطاء التي لا تصبح نهاية الطريق إلا إذا رفضنا التعلم منها.
فقد تبدأ الحكاية بالغيرة، وتمر بالخوف والفقد والاختبار، لكنها تنتهي بحقيقة بسيطة: أن الحب لا ينتصر على الغيرة إلا حين يتعلم العقل أن يثق، ويتعلم القلب أن يصبر.







التعليقات