على مدى سنوات، كتبت عن السعادة، وبعدها، وجّهت إليّ الحياة واحدة من ضرباتها القاسية التي تفتح، على حد تعبير الشاعر سيزار باييخو، «خنادق مظلمة في أعمق الوجه وأصلب الظهر».
شعرت كأن الحياة تختبر صدق ما كتبته عن التفاؤل. عشت أسابيع، في صراع داخلي مؤلم، ممزقاً بين ما قلته للآخرين وما كنت أشعر به في أعماقي، حتى خُيّل إليّ أنني محتال يروّج لأمل لم يعد قادراً على تصديقه. هل كنت مخطئاً؟ أليست الحياة، كما يقول شكسبير في «ماكبث»، مجرد ضجيج وغضب لا معنى لهما؟ وهل يستطيع المرء أن يكون سعيداً في عالم مثقل بالحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأمراض؟ أليس من الأفضل ألا يولد الإنسان أصلاً، أم أن يضع حداً لكل شيء بحركة أخيرة لا رجعة فيها؟
في بعض اللحظات، كنت أظن أن المعاناة هي السمة الأعمق للوجود، وأن العدم قد يكون الملاذ الوحيد من الألم. لكن العاصفة، حين بلغت أقصى شدتها، لم تستطع أن تحجب كل شيء. فقد ظهرت، وسط العتمة، جزر صغيرة من الفرح لم أكن أتوقعها. ولن أنسى أبداً، ما حييت، وجه رفيقة دربي الذي أطلّ عليّ. كان التأمل في ملامحها كافياً ليذكّرني بأن الكوارث، مهما اشتدّت، لا تستطيع محو جمال العالم. فالجمال عنيد، لا يستسلم بسهولة، ويظل قادراً على الظهور من وراء الزوايا المعتمة، كأنه يدعونا في كل مرة إلى الاقتراب منه واحتضانه.
وبعد أيام قليلة، عاد الجمال ليكشف لي عن وجهه في مشهد مغربي مألوف. كنت أعبر سهولاً فسيحة قرب مكناس، حيث تمتد الحقول بألوانها الخضراء والذهبية، وتتداخل زرقة السماء مع ظلال التلال البعيدة. وهناك، وقعت عيناي على شجرة حور، غطّت الطحالب جذعها، وامتدت أغصانها العارية نحو السماء، مترقبةً أوراق الربيع المقبل. تأملت الشجرة طويلاً، وأدركت أن الجمال ليس مجرد ظاهرة حسية تستوقف العين، بل هو شيء أعمق، يكشف لنا عن حقيقة العالم. كان ضوء الشمس، في ذلك الصباح الشتوي الدافئ، ينساب على جذع الحور، فيحوّله إلى خيط من البياض يلتف في الهواء، كأنه علامة خفية على أن الوجود، رغم كل ما يعتريه من قسوة، لا يزال جديراً بأن يُعاش.
لقد تجلّى لي معنى الحب وأنا أتأمل تلك الشجرة، واستحضرت ذكريات مشياتي القديمة، وأدركت أن اللحظات الجميلة التي عشناها لا تختفي بمجرد انقضائها، بل تظل كامنة في الذاكرة، قادرة على أن تعيد إلينا القدرة على الفرح. عند سفح الحور، بدا التنفس أكثر سهولة، وكأن العالم يتيح لنا هدنة قصيرة من الخوف والألم. يكفي أن نتأمل جذعه الذي يشبه نافورة من الرغوة، وأن نتابع اندفاعه الصامت نحو الأعلى، حتى نشعر بأن شيئاً في داخلنا يستعيد توازنه. في مثل تلك اللحظات، يتراجع الألم، ويخفت الخوف، وتفقد الخلافات الصغيرة قدرتها على إفساد صفاء الوجود. فالحب ليس مجرد عاطفة عابرة أو مودة بسيطة، بل هو القوة التي تثبّتنا في الحياة، والجسر الذي يصلنا بما حولنا. وبفضله، لا يعود المستقبل حفنة من الرماد تنتظر أن تتناثر، بل يصبح نوراً يبدّد الظلام عن الأفق.
حين أستعيد بعض محطات حياتي، يتراجع في داخلي ذلك الخداع الذي يصنعه التشاؤم، ويستعيد العالم شيئاً من اتزانه. ففي بداية الطريق، نكون غرباء لا يجمعنا سوى القلق والبحث عن معنى وسط غموض الحياة. لكن السنوات وما تحمله من تجارب ومواقف مشتركة قادرة على أن تصنع بين البشر روابط رقيقة وقوية في آن واحد؛ روابط لا تسلبنا حريتنا، بل تمنحنا الطمأنينة التي تجعلنا قادرين على مواجهة العالم، من دون أن نخشى أن تكون الوحدة هي الحقيقة الوحيدة التي تنتظرنا.
ليس الزمن هو المهم، ولا عدد الساعات التي مضت، ولا سوء الفهم الذي قد يعترض طريقنا؛ المهم هو ما عِشناه. وما عِشناه لا تستطيع الأيام أن تنتزعه منا. فالحب ينقذنا كل يوم، ويتحمل الضربات الأقسى، ويصمد أمام العواصف التي نظنها قادرة على اقتلاع كل شيء.
في معظم فترات بعد الظهر، أخرج للمشي بين أشجار الصفصاف والكستناء والحور، في إحدى الحدائق الهادئة بضواحي مدينة إيفران. لقد أصبحت الأشجار أكثر من عناصر في المشهد؛ إنها رفيقات درب تعرف صمتي، وترافق تأملاتي، وتشهد على مرور الأيام من دون أن تطالبني بتفسير شيء. وحين أصل إلى بركة صغيرة، أجد نفسي محاطاً بالإوز الأبيض، بأجسامه الضخمة وحركاته المتبخترة وطباعه التي تميل إلى الإلحاح. يقترب مني طالباً الطعام، لكنني لا أحمل شيئاً أقدمه له. وبعد أن يدرك عبث محاولاته، ينصرف، أولاً متفرقاً، ثم ينتظم في صفّ كأنما استعاد فجأةً شيئاً من النظام الذي افتقده.
أشعر أحياناً أن روحي تمضي معهم لبضع لحظات، بخفة طفل لم يكتشف بعد هشاشة وجوده. فالإنسان وحده، على ما يبدو، يعرف أنه سيصير يوماً تراباً وغباراً وغياباً، ويحمل هذا الإدراك كظل لا يفارقه. ومع ذلك، أؤمن أن الحب يحررنا، ولو مؤقتاً، من أسر هذا المصير. إنه الهواء الذي نتنفسه، والرغوة البيضاء التي تعلو سطح الماء، والنبض الذي يذكّرنا بأننا ما زلنا هنا، والفجر الذي لا يُهزم، مهما طال الليل، والذي يدفع الظلال بعيداً عن أرواحنا.
أحياناً، أتوقف عند فضاء للاستراحة تحيط به الأشجار، وتنتشر فيه طاولات حديدية ومقاعد خشبية أكل الزمن أطرافها. وعلى مقربة منه ملعب صغير، لكنه يبدو خالياً من الأطفال. ومع ذلك، لا أشعر بأنني وحيد؛ فثمة حضور خفي يحيط بي، حتى في الأمسيات التي لا ألتقي فيها بأحد. الطيور تراقبني، وتبدو كأنها تأخذ أحاديثي على محمل الجد. وقد تقطع غناءها لحظةً لتصغي إليّ وأنا أتأمل تلك اللحظات التي ينكشف فيها الجسد على سرّه، حين يصبح القرب نوعاً من الوحي، وتغدو المشاركة اعترافاً صامتاً، وتتداخل الشفافية مع الألفة، والشوق مع الوضوح، حتى يبدو أن المسافة بين روحين قد اختفت تماماً.
وعندما أرفع بصري نحو جبال الأطلس البعيدة، بقممها التي تشقّ الأفق، يخيل إليّ أنها أبراج مراقبة أقامها العالم ليشاهد منها أولئك الذين ما زالوا يحتفلون بوجوده. وفي إحدى المرات، عثرت على لعبة بلاستيكية صغيرة تُركت في المكان، وربما أضاعها طفل كان يلعب هنا قبل أن يغادر. كانت سيارة ملوّنة، تحمل في بساطتها أثراً من عالم الطفولة الذي لا يعرف بعد معنى الفقد. التقطتها، وأخذت أتأملها بين يديّ، كأنني أحاول أن أختبر إن كان الأمل، بكل ما يبدو عليه من هشاشة، قادراً على أن يتسع لقلب إنسان. يومها أدركت أن الحب قد يبدأ من أبسط الأشياء: شجرة تقاوم الشتاء، وطائر يبحث عن طعام، ويد تلامس يد أخرى، ولعبة صغيرة يتركها طفل خلفه؛ أشياء عابرة في ظاهرها، لكنها تذكّرنا بأن العالم، رغم قسوته، لا يزال يخبئ لنا أسباباً كافية كي نواصل الحياة ونحبّها.







التعليقات