انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

في التنكيل والوصاية: الأديب الراسخ وصنوه الأشهر وصراع الأذواق — عبد الوهاب البياتي نموذجًا

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

8 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
في التنكيل والوصاية: الأديب الراسخ وصنوه الأشهر وصراع الأذواق — عبد الوهاب البياتي نموذجًا
مشاركة:

ثمة لحظة غريبة في حياة الأدب لا يعود فيها السؤال: هل هذه القصيدة جميلة؟ بل يصبح: من يملك الحق في أن يقول إنها جميلة؟ هنا تحديدًا يبدأ الأدب في مغادرة أرض الذائقة إلى أرض السلطة. وما أثاره عبد الوهاب البياتي بعد أكثر من ربع قرن على رحيله يقدم نموذجًا بالغ الدلالة لهذه الظاهرة؛ إذ يكفي أن يقول أديب راسخ القدم إنه قرأ البياتي ولم يجده شاعرًا كبيرًا حتى تنفتح الخنادق، ويهبّ من الجهة الأخرى أدباء ونقاد وقراء لإعادة البياتي إلى عرشه، ثم لا يلبث الخلاف أن يتجاوز شعر الرجل إلى منزلة المختلفين أنفسهم: من قرأ؟ من لم يقرأ؟ من يفهم الشعر؟ من يملك شرعية إصدار الحكم؟ ومن هو الشاعر الأحق بالتاج: السياب، أم البياتي أم حسب الشيخ جعفر أم سعدي يوسف؟ المادة المتداولة في السجال تكاد تكون مختبرًا مصغرًا لهذه الحرب؛ فهناك من يرى البياتي شاعرًا مبالغًا في شهرته، ومن يضع حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف فوقه، ومن يذكّر بأن قصيدة القناع اقترنت باسمه، ومن يعترض على السؤال كله قائلًا إن النقد لا يعرف رتبة اسمها؛  أعظم شاعر عربي.  المشكلة، إذن، ليست أن نختار واحدًا من هذه الأحكام، بل أن نسأل لماذا يحتاج الوسط الأدبي باستمرار إلى عرش، ولماذا يحتاج العرش إلى حارس، ولماذا يبدو لنا اختلاف الذائقة أحيانًا كأنه اعتداء على حقيقة ثابتة؟ إن تاريخ الأدب، في جانب منه، تاريخ صراع على القيمة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول القيمة من اقتراح نقدي قابل للمراجعة إلى عقيدة لها كهنة وحدود ومهرطقون. البياتي هنا ليس المتهم ولا الضحية وحده؛ إنه المرآة التي تكشف حاجتنا القديمة إلى تحويل الشعراء من منتجي جمال إلى أصحاب مراتب، وتحويل النقد من مغامرة في القراءة إلى محكمة لتوزيع ألقاب الخلود.

الأديب الراسخ حين يصبح حارسًا للذائقة

للأديب الكبير حق كامل في ألا يحب شاعرًا كبيرًا آخر، بل إن استقلال الذائقة واحد من الشروط الأولى لحيوية الثقافة. ليس ثمة إلزام جمالي يجعل قارئًا، مهما بلغت ثقافته، يحب البياتي، أو السياب، أو أدونيس أو سعدي يوسف. غير أن المسافة شاسعة بين قولنا إن تجربة ما لم تعد تستجيب لذائقتنا وبين محو صفتها الشعرية من تاريخ الأدب. الأولى شهادة عن القارئ، والثانية حكم على التاريخ. هنا تظهر الوصاية في أدق صورها: لا بوصفها قمعًا مباشرًا، بل انتقالًا غير معلن من "لا أحب هذا الشعر" إلى "هذا ليس شعرًا"، ومن "لا أراه عظيمًا" إلى "لقد صُنعت عظمته صناعة". وحين يصدر الحكم عن اسم أدبي راسخ فإنه يكتسب سلطة إضافية لا تأتي من حجته وحدها، وإنما من الرصيد الرمزي لقائله. عندئذ يقع ما يمكن تسميته بالتنكيل الجمالي: إنزال المبدع من منزلته لا بتحليل منجزه وإنما بإعلان سقوطه. والمفارقة أن الدفاع عن البياتي قد يقع في الوصاية نفسها. ففي السجال المرفق نجد الرد على منكريه يتحول أحيانًا من البرهنة على القيمة إلى نفي أهلية الخصم للقراءة، حتى يصبح من لا يرى عظمة البياتي جاهلًا أو حاقدًا أو صغير الموهبة. وهكذا تتطابق الخنادق وهي تتوهم اختلافها: الأول يصادر حق البياتي في العظمة، والثاني يصادر حق القارئ في الشك فيها. وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن يتوقف عندها النقد طويلًا؛ فالوصاية ليست موقفًا فكريًا بعينه، بل طريقة في إدارة الاختلاف. قد يمارسها خصم البياتي كما يمارسها عاشقه. ولهذا تبدو شهادة علي جعفر العلاق أكثر فائدة من أحكام التتويج والإسقاط. فحين يستعيد البياتي لا يقدمه تمثالًا مكتملًا خارج التاريخ، بل إنسانًا وشاعرًا عاش المنفى والتحولات والقلق، ويصف حضوره عبر ذاكرة شخصية وثقافية مركبة (علي جعفر العلاق، عبد الوهاب البياتي كان كمن يتأمل غيمة بعيدة، 2026). هنا تتغير وظيفة الذاكرة: لا تعود محكمة لإجبارنا على الإعجاب، بل نافذة تساعدنا على فهم الشاعر داخل زمنه. والفرق كبير بين أن نقول "عليك أن تعجب بالبياتي لأنه كبير" وبين أن نسأل: ما الذي جعل البياتي كبيرًا في لحظة تاريخية معينة، وما الذي بقي من هذه القيمة، وما الذي شاخ منها؟

البياتي بين النص والتمثال

إن أفضل دفاع عن البياتي هو ألا ندافع عنه. أعني ألا نحميه من النقد، بل نعيده إليه. فالرجل الذي جعلته عقود من الاحتفاء تمثالًا يمكن أن يتضرر من التبجيل بقدر ما يتضرر من التنكيل. لقد بدأ النقد الجاد حول البياتي مبكرًا، ولم يكن نقدًا احتفاليًا ساذجًا. إحسان عباس، مثلًا، تابع تطور تجربته ورأى في مسارها انتقالًا عاطفيًا وفنيًا ورمزيًا وفكريًا، واعتبر بعض مراحلها ذرى متعاقبة لا خطًا مستقيمًا من الكمال (إحسان عباس، الصورة الأخرى في شعر البياتي، 1966). وهذا مهم لأن الناقد الكبير لم يحتج إلى إعلان البياتي "أعظم شاعر" لكي يثبت أهميته؛ لقد بحث في كيفية تشكل التجربة نفسها. وتؤكد الدراسات اللاحقة أن قراءة إحسان عباس لدواوين مثل أباريق مهشمة وسفر الفقر والثورة والذي يأتي ولا يأتي أسست تقليدًا نقديًا يدرس التحول داخل تجربة البياتي بدل التعامل معها بوصفها كتلة واحدة (حسن محمد عليان، إحسان عباس: منهج ورؤية في دراسة شعر عبد الوهاب البياتي، 2008). كذلك وضع عز الدين إسماعيل البياتي داخل حركة الشعر العربي المعاصر وتحولاتها الشكلية والدلالية، لا باعتباره معجزة منفصلة عن زمنها، بل واحدًا من صانعي التحول الذي نقل القصيدة العربية إلى فضاء آخر (عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، 1966). وهذه الطريقة هي التي تنقذ البياتي من محبيه وخصومه معًا: أن يصبح نصًا مرة أخرى. بل يمكن الذهاب أبعد. بعض ما عُدَّ يومًا ذروة في البياتي يمكن أن يخضع اليوم لمساءلة جديدة: استعمال الرمز، كثافة الأقنعة، الحلاج وابن عربي والمنفى والثورة والمدن والموت والبعث، وهي عناصر أنتجت عالمه الشعري لكنها تحولت أحيانًا إلى معجم شديد الحضور حتى أصبح تكرارها جزءًا من المشكلة الجمالية نفسها. وقد ذهبت قراءات حديثة إلى مساءلة طبيعة علاقته بالتصوف، فرأت أنه أعاد توظيف علاماته وسِيَره في مشروع شعري وسياسي خاص أكثر مما انخرط في جوهر التجربة الصوفية ذاتها. وهذا نقد مشروع، بل ضروري؛ لأن الشاعر الذي لا نستطيع نقده شاعر أخرجناه من الأدب ووضعناه في المتحف.

في التنكيل والوصاية:

الأديب الراسخ وصنوه الأشهر وصراع الأذواق — عبد الوهاب البياتي نموذجًا

حين يصبح الذوق خندقًا

لكن المشكلة العراقية، وربما العربية، أوسع من البياتي. إنها الولع بالمفاضلة المطلقة. السياب ضد البياتي، البياتي ضد سعدي، سعدي ضد حسب، الرواد ضد الستينيين، ثم سؤال لا ينتهي: من الأكبر؟ كأن الشعر سباق مئة متر، وكأن القصائد يمكن وضعها على ميزان واحد ثم إعلان الفائز. المادة التي فجرت السجال تكشف ذلك بوضوح؛ فما إن جرى الدفاع عن البياتي حتى ظهر من يقول إن حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف أكبر منه، ثم جاء من يعكس العلاقة ويشير إلى تأثر البياتي نفسه بتجارب لاحقة في بعض التقنيات، كالتدوير واليومي. هنا يصبح التاريخ الأدبي شبكة ديون وتأثيرات، لا شجرة لها أب واحد وأبناء مطيعون. إن الأديب الراسخ، حين يمنح نفسه حق الفصل النهائي في منزلة صنوه الأشهر، قد يقع في وهم السلطة الذي طالما قاومه الأدب. والمفارقة أن المبدعين أكثر الناس معرفة بأن الذائقة تتحول. ما كان ثوريًا يصبح مألوفًا، وما بدا هامشيًا قد يحتل المركز، وما أهمله جيل قد يكتشفه جيل لاحق. الشهرة ليست دليلًا كافيًا على العظمة، صحيح؛ لكنها أيضًا ليست دليلًا على الزيف. وكذلك التأثير ليس عملية نسب بسيطة يمكن فيها القول إن شاعرًا خرج كاملًا من معطف شاعر آخر. إن تاريخ الحداثة العراقية تحديدًا أكثر تشابكًا من ذلك: السياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري فتحوا منافذ متزامنة ومختلفة، ثم جاءت أجيال لم تكررهم، بل فاوضتهم وتمردت عليهم واستعارت منهم في آن واحد. ولهذا فإن السؤال عن "الأحق بعرش الإبداع" سؤال فاسد في بنيته، لأن الإبداع لا يملك عرشًا إلا عندما نحوله نحن إلى مملكة.

ليس للقصيدة عرش

لعل أجمل ما يمكن أن نفعله في مئوية البياتي هو ألا نضع تاجًا على رأسه. أن نقرأه. أن نضع قصيدته إلى جانب قصيدة السياب وحسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف وبلند الحيدري، لا تحتها ولا فوقها، ثم نصغي إلى الفروق. عندئذ سنكتشف أن قيمة البياتي لا تحتاج إلى إلغاء أحد، كما أن عظمة السياب لا تستوجب تصغير البياتي، وأن فرادة حسب الشيخ جعفر لا تحتاج إلى محاكمة سابقيه. الشعراء الكبار لا يقفون في طابور انتظارًا لقرار لجنة تحدد الأول والثاني والثالث. ولعل السجال نفسه يقدم درسًا أعمق من موضوعه. حين قال أحد المتداخلين إن النقد لا يعرف مرتبة اسمها "أعظم شاعر عربي"، فقد وضع يده، من غير تنظير طويل، على أصل المعضلة. الأدب ليس مؤسسة لمنح الأوسمة. يمكننا أن نفضل، أن نتحمس، أن ننفر، أن نعيد النظر، بل أن نسقط شاعرًا من ذائقتنا الشخصية بعد أن أحببناه أربعين عامًا؛ لكن ليس من حق ذائقتنا أن تتحول إلى شرطة للذاكرة الأدبية. والبياتي نموذج مثالي لأن المختلفين حوله يقدمون، من حيث لا يقصدون، البرهان على بقائه. الشاعر الميت الذي لا يزال قادرًا على تقسيم مجلس أدبي إلى خندقين لم يمت ثقافيًا بعد. غير أن بقاءه لا يعني انتصاره في مباراة متخيلة مع السياب أو سعدي أو حسب. إنه يعني فقط أن نصه ما زال ينتج خلافًا، وأن صورته لم تستقر في إطار المتحف. وتلك، ربما، إحدى العلامات الأكثر صدقًا على حياة الأدب. المشكلة إذن ليست في أن يقول أديب راسخ القدم إن البياتي لا يعجبه؛ فهذا حقه، وربما كان في صدم الذائقة المستقرة شيء من ضرورة النقد. المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى وصاية، والذائقة إلى حكم نهائي، والاختلاف إلى تنكيل، وحين يرد المدافعون عن الوصاية بوصاية مضادة. عندها يختفي الشعر من المعركة ويبقى الشعراء والنقاد والأنصار يتقاتلون على عرش فارغ. وما أحوجنا، بدل السؤال عمن يستحق الجلوس عليه، إلى كسره. فليس للإبداع ملك، وليس للقصيدة عرش، وليس في جمهورية الأدب شاعر يحتاج إلى إذن من شاعر آخر لكي يكون شاعرًا.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عَبدالوهاب البَيّاتِي  شاعر( الطَّلْقِ الصِّنَاعِيِّ)
آراء

عَبدالوهاب البَيّاتِي  شاعر( الطَّلْقِ الصِّنَاعِيِّ)

للبياتي صوته الشعري البسيط الخاص، الهادئ والمختلف حتى عن السياب، ذلك الصوت الهادر الضاج بالألم الحقيقي. وهنا تكمن المفارقة: البياتي يكتب عن (طَلْقٍ صناعي) بمحفزات لا (ولادة حقيقية )، صوته ناتج عن ألمٍ مصطنع في وقت راحة واسترخاء لا معاناة ولاهم حرارة ما تنتقل للقارئ من بين السطور؛ يكتب عن الصوفية…

· 3 د
في سوسيولوجيا الوعي:

 من "اقْرَأْ" التأسيسية إلى انكسار الفعل الحضاري
آراء

في سوسيولوجيا الوعي:  من "اقْرَأْ" التأسيسية إلى انكسار الفعل الحضاري

لم تكن "اقْرَأْ" مجرد أمر إلهي بأداء فعلٍ مادي، بل كانت الشرارة التأسيسية التي فتحت باب الحضارة الإسلامية، ونقلت مجتمعاً أُمياً من الهامش التاريخي إلى مركز الفعل الحضاري والعمراني. إن القراءة بمفهومها الشامل هي مفهوم مركّب؛ فهي فعل نفسي يبني الوعي الذاتي، وسلوك اجتماعي يحدد هُوية الجماعة، وشرط…

· 2 د
هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب
آراء

هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب

هكذا سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الحب محمد إبراهيم الزموري ربما يكون الحب هو آخر المناطق التي ظن الإنسان أنها عصية على الخوارزميات. فالحب، في مخيلتنا، شيء لا يُحسب، ولا يُقاس، ولا يخضع لمنطق واضح؛ نظرة تأتي في اللحظة الخطأ، قلب يتلعثم أمام وجه لم يكن ينتظره، رسالة تُكتب ثم تُمحى عشر مرات، وغياب صغير…

· 8 د