أنا إنانا لا أُخلق لأكون ظلًّا لأحد
لي إرادتي، ولي طريقي، ولي أن أختار متى أمضي ومتى أبقى.
فالمرأة التي تعرف قدرها لا تستأذن العالم كي تكون حرة من امرأة كانت تتفتح لها الأزهار، وتحيتها الجبال، وتنثر بذورها حيثما تكون لتحصد وتبيع وتقاضي في بلاد الرافدين، إلى أم قد تجد نفسها أمام منظومة قانونية تعيد رسم قواعد الزواج والحضانة والميراث ، يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. حين نتحدث عن حرية المرأة وحقوق الأسرة في هذا البلد، يبرز تساؤل مشروع: أين يقف الرجل والطفل في خضم هذا التحول؟ وهل تتراجع بوصلة الحقوق المدنية أم أننا نشهد مخاضًا تشريعيًا يتطلب قراءة هادئة بعيدًا عن لغة الاستقطاب؟
بين أسطورة إنانا وواقع التاريخ
لا يمكن قراءة المشهد المعاصر بالقفز فوق جذور هذه الأرض التي أنجبت قبل آلاف السنين نساء امتلكن السلطة، وأدرن الممتلكات، وأبرمن العقود التجارية والقانونية. لقد بقيت الذاكرة الأسطورية لبلاد الرافدين، متمثلة في إنانا وعشتار، شاهدة على حضور أنثوي لم يكن هامشيًا.
لكن التاريخ لا ينبغي أن يُختزل في حكاية مثالية عن ماضٍ كانت فيه المرأة محررة بالمعنى الحديث. لم يعرف ذلك المجتمع مساواة مطلقة، بل كان أبويًا في جوانب كثيرة، وتفاوتت مكانة المرأة بحسب طبقتها الاجتماعية وظرفها الاقتصادي. ومع ذلك، تؤكد الوثائق أن نساء أملكن العقارات، وتاجرن، وأقرضن المال، وأدرن أعمال العائلة بعد وفاة أزواجهن. هذه الحقيقة التاريخية تمنعنا من السقوط في فخين: إما رومانسية مفرطة تصور الماضي جنة للمرأة، أو إنكار تام لحضورها الفاعل. السؤال الحقيقي ليس ما ملكته المرأة قديمًا، بل ما حدث عندما انتقل العراق من أعراف متعددة إلى دولة حديثة تحاول توحيد قواعد مواطنيها.
قانون 188: محطة في مسار الدولة الحديثة
شكّل صدور قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث. فقد سعى إلى وضع قواعد موحدة تنظم شؤون الأسرة أمام القضاء، وأدخل إصلاحات جذرية في قضايا الزواج، والطلاق، وتعدد الزوجات، والزواج المبكر، والحضانة.
تشير دراسات أكاديمية محكمة إلى أن السدل الذي رافق ذلك القانون لم يكن مجرد خلاف حول نصوص فقريّة، بل كان صراعًا أعمق حول مرجعية وضع قواعد الأسرة: هل هي الدولة بمؤسساتها المدنية، أم المرجعيات الدينية المتعددة؟ ورغم أن قانون 188 لم يحقق مساواة كاملة، إلا أنه رسخ فكرة محورية مفادها أن العراقيين، على اختلاف انتماءاتهم، يخضعون لإطار قانوني وطني جامع.
تعديلات 2025 والمدونة الجعفرية: مساران على أرض واحدة
في شباط/فبراير 2025، دخل تعديل قانون الأحوال الشخصية حيز النفاذ، ليتاح للزوجين المسلمين اختيار تطبيق الأحكام الجعفرية في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والميراث. وتوج ذلك بصدور مدونة الأحكام الشرعية بموجب القرار رقم 10 لسنة 2025، لتصبح نافذة في تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته.
هذا التحول فتح بابًا واسعًا لنقاش دستوري وقانوني حول مبدأ المساواة أمام القانون. وهنا يبدأ الفصل الدقيق بين حرية الاعتقاد التي يحميها الدستور، وبين تحول المرجعية المذهبية إلى نصوص حاكمة أمام محاكم الدولة. المادة 14 من الدستور تنص صراحة على مساواة العراقيين بلا تمييز بسبب الجنس أو الدين أو المذهب، مما يجعل الموازنة بين النصوص الفقهية ومنظومة المواطنة الدستورية تحديًا قانونيًا بالغ الدقة.
الحضانة والرشد: حين يصبح العمر تفصيلًا معقدًا
تُثير مادة الحضانة في المدونة نقاشًا مجتمعيًا حادًا، إذ تجعل الحضانة للأم خلال الرضاع وحتى سن السابعة، لتنتقل بعدها إلى الأب ما لم يوجد مانع قانوني أو ثبوت عدم الأهلية، وهو اتجاه أيدته قرارات محكمة التمييز الاتحادية، وصولًا إلى توجهات الهيئة الموسعة المدنية في عام 2026.
لكن الطفل ليس مجرد رقم في نص تشريعي. فالاعتماد على السن وحده كمعيار حاسم يتجاهل مصلحة الطفل الفضلى وظروفه النفسية والاجتماعية الخاصة. وقد تجسدت هذه التعقيدات في آذار/مارس 2026، حين اضطرت محكمة التمييز الاتحادية للتدخل وتفسير مفهوم "الرشد" في المادة 88 من المدونة، مقررة أنه لا يتحقق إلا بإكمال 18 عامًا استنادًا إلى القانون المدني. يكشف هذا التداخل أن النصوص الفقهية بحاجة إلى حدود دقيقة لكي لا تتضارب مع المنظومة التشريعية العامة ومفاهيم الطفولة المستقرة.
الزواج المبكر والطلاق والميراث: تساؤلات مفتوحة
يمتد النقاش الحقوقي ليشمل ملف الزواج المبكر، حيث أثارت الإحالة إلى مفاهيم فقهية محددة بشأن البلوغ مخاوف منظمات محلية ودولية من تراجع حماية الفتيات وقدرتهن على استكمال تعليمهن وبناء مستقبلهن. وعلى خط ، تبرز إشكالية شروط إثبات الضرر في دعاوى التفريق والطلاق، إذ يحصر بعض المسارات الضرر بالعنف الجسدي المتكرر، متجاهلاً العنف النفسي أو الاقتصادي أو الابتزاز الذي قد يتعرض له أحد الطرفين دون أن يترك آثارًا ظاهرة على الجسد.
أما في باب الميراث، فإن إعادة تنظيم التركة وفق الفقه الجعفري تعني تباين الحصص بين الرجل والمرأة تبعًا لتركيبة الورثة، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى ارتباط الحقوق القانونية بمبدأ المواطنة المتساوية مقابل التعددية المذهبية.
الرجل ليس خصم المرأة: نحو شراكة في المسؤولية
من السهل أن ينجرف النقاش نحو حرب اصطناعية بين الجنسين، يتحول فيها الحوار من السعي للعدالة إلى خصومة عقيمة. لكن الحقيقة أن الرجل ليس خصم المرأة، والمرأة ليست خصم الرجل؛ فهما شريكان في مصير أسري واحد.
الأب الواعي لا يرى في رعاية الأم لطفلها تهديدًا لسلطته، بل يدرك أن الأبوة مسؤولية إنسانية لا امتياز قانوني. وحين تدافع المرأة عن قانون منصف، فهي تحمي الأسرة بأكملها. إن المجتمع العراقي بحاجة ماسة اليوم إلى تجاوز الاستقطاب والبحث عن صيغة تشريعية تكفل كرامة المرأة، وتحمي حقوق الأب، وتصون مصلحة الطفل العليا، ليبقى القانون خيمة تظلل الجميع بعدالة ومساواة حقيقية.
(إنانا لا تُقاد، إنها تختار الطريق، ثم تجعل الطريق يعرف اسمها.)







التعليقات