ليست هذه صورة طفلٍ في السادسة من عمره، بل وثيقةٌ صغيرة نجت من حروب الورق والنسيان. قطعة كارتونٍ اصفرّت أطرافها، وانحنت زواياها كما تنحني ظهور الرجال بعد أعمارٍ طويلة، لكنها ما زالت تحتفظ بسرّها الأول: ابتسامةٌ لم تكن تعرف أن الزمن سيجعلها شاهدةً على وطنٍ بأكمله. ذلك الصبي لم يكن ينظر إلى عدسة المصور فحسب؛ كان ينظر، من غير أن يدري، إلى ستين عاماً ستعبر فوق رأسه مثل قافلةٍ لا تتوقف. في تلك الأيام، لم تكن الصورة تُلتقط كل صباح كما يحدث اليوم. كانت عيداً عائلياً، وحدثاً يستحق أن يُرتدى له أجمل قميص، وأن يُمشَّط الشعر بالماء، وأن يُوصي الأب ابنه: "لا تتحرك." ثم يخرج الجميع من الاستوديو وهم يحملون وعداً مؤجلاً، لأن الصورة تحتاج أياماً حتى تولد من أحشاء الضوء. كانت بغداد تعرف أن للصورة هيبةً تشبه هيبة القسم. لذلك كان الناس يتباهون بأسماء الاستوديوهات كما يتباهى أهل اليوم بأسماء الهواتف. هناك من يقصد ستوديو العروبة في الباب المعظم، وهناك من لا يرضى إلا بـ ستوديو شاهين في شارع الرشيد. لم يكن الفرق في العدسة، بل في الحكاية التي ينسجها كل مكان حول زبائنه. كان الذهاب إلى الاستوديو رحلةً اجتماعية كاملة؛ يمر المرء في شارع الرشيد كأنه يعبر مسرحاً مفتوحاً، تصافحه واجهات المكتبات، وتغويه رائحة القهوة، ويستوقفه بائع الجرائد وهو يصيح بأخبار البلاد التي لا تكف عن تغيير وجهها.
وكان العراق، يومذاك، فقيراً بالمال، لكنه ثريٌّ بأشياء لا تُشترى. لم تكن البيوت واسعة، لكنها كانت تتسع للجميع. لم تكن الموائد عامرةً بكل أصناف الطعام، لكنها لم تكن تخلو من الضحك. وكانت الأحلام، على بساطتها، أكبر من القصور التي سيبنيها الأغنياء فيما بعد. الفقر آنذاك لم يكن مذلةً، بل كان لغةً مشتركة بين الناس. كانوا يتبادلون الخبز كما يتبادلون الأخبار، ويستعير أحدهم من جاره السكر، ويعيده بعد أيام مضافاً إليه الامتنان. وكان الأطفال يخرجون حفاةً أحياناً، لكنهم يعودون ملوكاً لأنهم اكتشفوا نهراً جديداً في زقاق، أو وجدوا كرةً من القماش تكفي لصناعة مباراةٍ لا تنتهي حتى الغروب. ذلك الصبي في الصورة لم يكن يعرف أنه فقير. الفقير الحقيقي هو الذي يقارن نفسه بغيره، أما الطفل فلا يعرف المقارنات. كان يظن أن العالم كله يبدأ من البيت وينتهي عند المدرسة، وأن السماء خُلقت خصيصاً لتحمي بغداد من الحر، وأن دجلة نهرٌ شخصيٌّ يعرف أسماء الأولاد واحداً واحداً. ولذلك كانت السعادة بسيطةً إلى حد الإعجاز. كان يكفي أن يحصل الطفل على دفترٍ جديد حتى يشعر أنه امتلك المستقبل. وكانت قطعة الحلوى تكفي لتغيير مزاج أسبوعٍ كامل. وكان صوت البائع المتجول في الأزقة جزءاً من موسيقى النهار، مثل أذان العصر أو رنين جرس المدرسة. أما الكبار، فكانوا يتخاصمون في أشياء تبدو اليوم شديدة البراءة. ينقسم المجلس بين عشاق عبد الحليم حافظ وعشاق فريد الأطرش، وتتحول الأغنية إلى قضية وجودية، ويقسم كل فريق أن صاحبه لا يفهم معنى الطرب. وكانت تلك الخصومات تنتهي دائماً بفنجان شاي، أو بسيجارةٍ يتقاسمها المتجادلون، ثم يخرج الجميع إلى الشارع وكأن شيئاً لم يكن. كم يشبه ذلك انقسام الناس اليوم بين برشلونة وريال مدريد. تتغير الأسماء، لكن حاجة الإنسان إلى الانتماء تبقى واحدة. يبحث دائماً عن رايةٍ يرفعها، وعن صوتٍ يدافع عنه، وعن حكايةٍ يقول من خلالها: "أنا هنا." غير أن ذلك الزمن كان أكثر رحمة. كانت الخلافات تترك القلب سليماً، لأن السياسة لم تكن قد احتلت كل المقاعد، ولم تكن الكراهية قد تعلمت أن ترتدي ثياب الآراء.
وأذكر، رغم حداثة سني يومها، ذلك الأسبوع الذي سبق التقاط هذه الصورة. كان الكبار يتحدثون بصوتٍ خافت عن حادث الطائرة الذي أودى بحياة الرئيس عبد السلام عارف. لم أكن أفهم معنى السلطة، ولا معنى الدولة، لكنني كنت أقرأ القلق في وجوه الرجال. كنت أرى أمي تطيل النظر إلى المذياع، وأسمع أبي يكرر أسماء المدن والطرق والطائرة، دون أن أفهم لماذا يستطيع خبرٌ واحد أن يجعل البيت كله أكثر صمتاً. كان الطفل يلتقط الأصوات أكثر مما يلتقط المعاني. وربما لهذا السبب بقي ذلك الأسبوع محفوراً في الذاكرة، لا لأنه أسبوع السياسة، بل لأنه الأسبوع الذي اكتشفت فيه، للمرة الأولى، أن العالم أكبر من زقاقنا، وأن هناك أحداثاً تستطيع أن تدخل كل البيوت دفعةً واحدة.
ثم جاءت الصورة. جلس الطفل على المقعد الخشبي، ورفع رأسه قليلاً، وأخبره المصور أن يبتسم. لم يكن يعرف أن الابتسامة ستبقى أكثر من نصف قرن، بينما سيرحل المصور، ويختفي الاستوديو، وتتغير الواجهات، ويُهدم كثيرٌ مما كان يبدو خالداً. إن الصورة أكثر حكمةً من أصحابها. هي لا تحفظ الوجوه فقط، بل تحفظ الهواء الذي كان يحيط بها، وتحفظ رائحة العصر، وتحفظ اللغة التي كان الناس يتحدثون بها، وحتى الصمت الذي كان يسبق ضغطة الكاميرا. كل تجعيدةٍ أصابت هذه الورقة خلال العقود الماضية تشبه تجعيدةً أصابت العراق نفسه. وكل خدشٍ في أطرافها يذكّر بخدشٍ أصاب مدينةً كانت تظن أن الزمن لن يمسها. ومع ذلك، ما زال الطفل يبتسم. كأن الابتسامة تعلن انتصارها على كل ما حدث بعد ذلك. مرت انقلابات، وحروب، وحصارات، ومنافي، وتبدلت الأعلام والوجوه والشعارات، لكن ذلك الطفل ظل كما هو، لا يعرف شيئاً عن الخرائط التي ستتمزق، ولا عن الأصدقاء الذين ستفرقهم الحدود، ولا عن البيوت التي ستتحول إلى ذكريات.
إن الطفل، في النهاية، هو آخر من يصدق أن العالم يمكن أن يصبح قاسياً. ولعل أجمل ما في الفقر أنه يعلّم الإنسان أن يبني ثروته في داخله. من عاش طفولةً قليلة الأشياء، تعلّم أن يكتشف الكنوز فيما يراه الآخرون عادياً. ولذلك يستطيع اليوم، بعد ستة عقود، أن ينظر إلى صورةٍ باهتة فيجد فيها مدينةً كاملة، وأسواقاً، وروائح خبز، وضحكات نساء، وصوت بائع لبلبي، وصفير شرطي المرور، وخطوات الطلبة وهم يعبرون شارع الرشيد نحو مدارسهم. الذاكرة لا تحفظ التفاصيل لأنها كبيرة، بل لأنها صادقة. وهكذا تتحول الصورة إلى مرآةٍ لا تعكس الوجه وحده، بل تعكس الإنسان الذي كان يمكن أن يضيع لولا أن الضوء احتفظ به في تلك اللحظة القصيرة. ما أغرب الزمن! كان الطفل ينتظر أن يكبر، أما الشيخ فيتمنى لو يستطيع أن يعود دقيقةً واحدة إلى ذلك المقعد، لا ليغير شيئاً، بل ليقول للصبي الصغير: لا تخف من الطريق. سيأخذ منك أكثر مما تتصور، لكنه سيمنحك أيضاً ما لا تستطيع تخيله. ستعرف أن الفقر ليس نهاية الإنسان، وأن السعادة ليست بنت الوفرة، وأن الأحلام لا تُقاس بما تحقق منها، بل بقدرتها على أن تظل مشتعلة رغم كل ما ينطفئ حولها. سيكبر الصبي، ويحمل كتبه أكثر مما يحمل ألعابه، ويكتشف أن المعرفة أيضاً نوعٌ من الحنين، وأن الإنسان كلما ازداد علماً، ازداد شوقاً إلى تلك البراءة التي لم تكن تحتاج إلى تفسير شيء. وسيظل، كلما نظر إلى هذه الصورة، يسمع بغداد القديمة تمشي نحوه. لا بغداد الخرائط والسياسات، بل بغداد الناس البسطاء، الذين كانوا يزرعون الفرح في أصصٍ صغيرة على الشرفات، ويعلقون الأمل على أبواب البيوت كما تعلق الأمهات ثياب الأطفال بعد الغسيل. ربما لم يبقَ من تلك الأيام إلا ورقةٌ صفراء، وابتسامة طفل، واسم استوديو كُتب أسفل الصورة بخطٍ بسيط. لكن الأشياء العظيمة لا تحتاج إلى أكثر من هذا كي تهزم النسيان. فما دام الإنسان قادراً على أن يبتسم بعد كل هذه السنين، وما دام يستطيع أن يرى في فقر الأمس غنىً لا يُقاس بالنقود، وما دام الحلم يواصل نموه في القلب حتى بعد أن يشيب الرأس، فإن الزمن، مهما اشتد، لا ينتصر. إنه يمر فقط... أما الروح التي تعلمت منذ طفولتها أن تحلم، فإنها لا تكبر أبداً.








التعليقات