في المشهد اليومي لقاعات المحاكم تتكرر واقعة بالغة الدلالة: مواطن بسيط يقف وجلاً أمام منصة القضاء، تنعقد حوله مرافعة تتصل بصلب حياته أو رزقه أو حريته، لكنه يظل عاجزاً عن استيعاب ما يدور حوله. يسمع كلمات تبدو عربية الحروف، لكنها تنتمي في حقيقتها إلى معجم مغلق ومفرط في التجريد، لا يمت بصلة إلى لغة الحياة اليومية التي يتنفس بها الناس. تتحول قاعة المحكمة في تلك اللحظة إلى مساحة للاغتراب الصامت؛ حيث يجد الإنسان نفسه محاصراً بطلاسم لفظية وصيغ شكلية معقدة، تجعل منه مجرد موضوع للإجراءات ومحلٍ لتطبيق النصوص، بدلاً من أن يكون صاحب حق أصيل معنيّ بفهم مصيره. هنا يرتفع جدار سميك من المفردات، يفصل بين المتقاضي وبين العدالة التي شُرعت أساساً لحمايته وإنصافه.
غالباً ما يبرر هذا التعالي اللغوي بحجة الحفاظ على الدقة الفنية وضرورات الصياغة التجريدية لمنع التأويل واللبس. وهي حجة تبدو وجيهة في ظاهرها، غير أن التأمل العميق في بنية هذه اللغة يكشف عن وجه آخر يتصل بسلطة الهيمنة المعرفية التي تمارسها النخب القانونية عبر التاريخ. لقد تشكلت حول القانون ما يشبه الكهانة اللغوية التي تحتكر فهم النصوص وأسرار تفسيرها، مما جعل المواطن في حالة تبعية دائمة للمختصين والوسطاء، وعاجزاً عن إدراك حدوده وحقوقه دون الاستعانة بهم في كل شاردة وواردة. إن تحويل القانون إلى نسق مستغلق لم يحقق بالضرورة دقة الأحكام، بقدر ما رسخ تفوقاً معرفياً يمنح المشتغلين بالقانون سلطة رمزية تفصلهم عن المجتمع، وتصنع وهماً بأن العدالة سرٌ خفي لا ينبغي أن يدنو منه غير العارفين برموزه. إن خطورة هذا التجريد المصطنع لا تقف عند حدود الصعوبة التعبيرية، بل تمس جوهر الشرعية الأخلاقية للمنظومة القانونية برمتها. فالقانون في فلسفته السليمة ليس مدونة نصوص تخص فئة مهنية محددة، بل هو وثيقة العقد الاجتماعي التي تنظم علاقات المجتمع، ومن ثم فإن كل قاعدة يعجز المخاطب بها عن فهم دلالاتها تفقد بالضرورة جزءاً كبيراً من قوتها الإلزامية الطوعية. فحين يتلقى المتقاضي حكماً قضائياً محشواً بمصطلحات غامضة وعبارات معقدة، يتعذر عليه إدراك العدالة الكامنة في أسبابه، فيتحول الحكم في تصوره من فعل إنصاف موضوعي إلى مجرد إكراه سلطوي غريب عنه. إن غموض اللغة يزرع الريبة في النفوس، ويفرغ مبدأ سيادة القانون من مضمونه الديمقراطي والإنساني الأصيل.
وما زالت المنظومات القضائية تألف التشبث بصيغ لغوية موروثة تنتمي إلى قرون خلت، وكأن هيبة النصوص لا تقوم إلا على الوحشة اللفظية والتعالي البلاغي. وتلك مفارقة لافتة حين تُقارن بلغة الأدب؛ فالأدب الرفيع يعبّر عن أعمق المآسي الإنسانية بأبسط الألفاظ وأكثرها شفافية ونفاذاً إلى الوجدان، في حين تميل الصياغات القانونية المتحجرة إلى إخفاء الألم الإنساني وراء متاريس من التراكيب الجافة والمترادفات المكررة. إن الرصانة الحقيقية لا تعني إخفاء المعنى أو ترهيب المتقاضين، بل تتجلى في القدرة على إيصال الفكرة بأوضح بيان؛ فالغموض المصطنع لم يكن يوماً دليلاً على عمق العدالة، بل هو في الغالب ستار لعجز عن التواصل الحي مع قضايا الناس. إن تحرير لغة القانون من قيود التجريد الزائف بات استحقاقاً حقوقياً وإنسانياً عاجلاً، لإعادة بناء جسور الثقة بين الفرد ومؤسسات التقاضي. فالعدل الذي لا يفهمه المواطن يظل عدلاً منقوصاً وبارداً، لا يستنهض فيه وازع الامتثال القائم على الاقتناع، بل يكرس مشاعر الخوف والانسحاب السلبي. إن ديمقراطية العدالة تقتضي بالضرورة دمقرطة لغتها، بحيث تتحول نصوص التشريع ومسببات الأحكام إلى خطاب ناصع يتجه مباشرة إلى عقل الإنسان وضميره. وحين تخاطب العدالة الناس بلسان مبين يفهمونه، تسقط أوهام الهيمنة المعرفية، ويعود القانون إلى غايته النبيلة بوصفه دليلاً يضيء دروب المجتمع، لا حاجزاً لغوياً يحجب النور ويصنع الاغتراب في محراب الحق.







التعليقات