حين تتراخى قبضة الأيام، وتسمح ظروف العمل والبيت، وخاصة في عطلات نهاية الأسبوع أو العطل الفصلية، أشد الرحال نحو شرشال. أنطلق بسيارتي، منفردًا أو برفقة العائلة، من تخوم بوفاريك، مفضلًا الطريق السيار المزدوج؛ لا شغفًا بالسرعة، بل لشغفي بذلك العلو المنساب فوق جبهة البحر، ومسايرته الرؤوفة لتلال الساحل ومرتفعاته وغاباته الشاهقة.
أعبر على مهل دواودة وفوكة وبوسماعيل، حتى تتخاطفني تلال سيدي راشد، فأقف مليًا أمام «الضريح الموريتاني»، الممتد كتاج حجري فوق هضبة عالية، يطل بصمت جليل على البحر وتيبازة والسهول الممتدة جنوبًا.
أقف عادة في جانبه الشمالي، أصعّد النظر نحو الزرقة الممتدة، أو أرسله جنوبًا ليعانق سكون السهول؛ فتسافر بي الذاكرة إلى أعماق العهد الروماني، إلى أسفار يوبا الثاني وزوجته سيليني كليوباترا، وإلى أسرار تشييد هذا الصرح المنيف. كأنما أراد الملك الراحل لمن يضطجع في أحشائه الحجرية أن يظل سامقًا، يطل على الآفاق ولا ينحدر إلى القاع.
غير أن الأيام تهمس دائمًا بالحقيقة الأزلية: لا خلود لراحل، وإن خلدت البصمات والحجارة. وأردد في نفسي، معتبرًا: هؤلاء الذين مضوا كانوا مثلنا، ونحن اليوم مثلهم؛ يفصل بيننا الزمن، ويجمعنا المصير.

ثم أدير مقلتي نحو تيبازة، تلك العروس الرابضة على ضفاف البحر في دلال ساحر، كأنها في استراحة محارب تستجم من كلل القرون وزفرات الأزمنة.
هناك، حيث تعاقبت الحضارات وتوالت الأقدام على هذه الأرض، عاشت تيبازة تقلبات الدهر بحلوها ومرها. وتروي بعض الحكايات أن أبناءها، في زمن الوندال، كانوا يدفنون مع موتاهم قارورة للدموع وأخرى للعطر؛ وهي، لعمري، صورة تختصر في رمز واحد ما يمر به الإنسان في هذه الحياة: شقاء ومسرة، فقد ولقاء، دمعة وعطر.
أعبر تيبازة متوجهًا نحو سواحل شرشال، بين وادي البلاع والحمدانية، حيث تتشابك خضرة الجبال بأزرق المدى. من هنا، من قلب هذه الغابات وأشجارها العملاقة، كانت أخشاب الساحل تُقتطع لتصنع منها السفن، وتمضي عبر المتوسط حاملة أهل هذه البلاد إلى الجهات البعيدة.
كنت أنظر إلى البحر فأشعر أن هذا المدى الأزرق لم يكن يومًا حدًا يفصل بين الناس، بل طريقًا مفتوحًا أمام أحلامهم وأسفارهم؛ شرقًا نحو روما ومالطة والقسطنطينية، وغربًا صوب الأندلس.
وهكذا، كلما سرت في هذه الجهات، لم أكن أرى المكان وحده، بل كنت أرى الزمن متراكمًا فوقه؛ حجرًا فوق حجر، وذكرى فوق ذكرى، حتى يخيل إلي أن المسافر الحقيقي ليس من يقطع المسافة بين مدينة وأخرى، وإنما من يعبر المسافة الخفية بين لحظته الراهنة وما تركه الذين سبقوه.
وحين يجن المساء، وتشرع الشمس في مغيبها الآسر على تلك الشواطئ الساحرة، أطوي شريط الرحلة وأعود أدراجي، محشوًا بالسكينة.
إنها رحلة إنسان يقف بين أثر من مضوا وبحر لا يزال، ويتأمل ما بينهما: نحن عابرون، والأمكنة شاهدة، والزمن يمضي في هدوء لا يلتفت إلى أحد.
ثم أسأل نفسي، كما أسأل البحر وهو يبتعد خلفي:
ماذا يبقى منا حين نمضي؟







التعليقات