ليس السؤال عمّا إذا كان المثقف العراقي دونيًّا بطبيعته، فذلك حكم كسول لا يصلح لدراسة جادة، بل السؤال الأكثر إزعاجًا: كيف يمكن لمثقف يمتلك أدوات النقد، ويجيد تفكيك السلطات، ويكشف آليات الهيمنة في كتبه ومحاضراته، أن يتحول، بمجرد دخوله مهرجانًا أو ملتقى ثقافيًّا، إلى كائن مرتبك، كثير الإعجاب، غزير التصفيق، حريص على أن يُرى إلى جانب هذا الاسم أو ذاك؟
كيف يحدث أن يرفع المثقف صوته في وجه الاستبداد حين يكون بعيدًا عن مراكز النفوذ، ثم يخفضه إلى حد الهمس حين يجلس على مقربة من أحد ممثليها؟ وكيف يستطيع أن يكتب صفحات كاملة عن حرية العقل، ثم يعجز عن ممارسة أبسط حقوق ذلك العقل: أن يختلف مع شخص مهم من دون أن يشعر بأنه ارتكب خطيئة اجتماعية؟
في المهرجانات والملتقيات، لا يظهر المثقف العراقي دائمًا بالصورة التي ننتظرها من حامل المعرفة، بل كثيرًا ما يظهر بوصفه شخصًا يخوض امتحانًا خفيًّا في حسن التقرّب. يوزّع إعجابه على الأسماء اللامعة، ويبالغ في الاحتفاء بالمكانة، ويستعرض علاقاته كما لو كانت جزءًا من سيرته العلمية، ويعلن، بطرائق مباشرة أو ملتوية، أنه يعرف فلانًا، وجالس علّانًا، وتبادل الحديث مع فلتنان. وقد لا يكون قد قرأ للأول كتابًا كاملًا، ولا اتفق مع الثاني في فكرة واحدة، ولا يعرف عن الثالث أكثر من قدرته على جذب الكاميرات؛ لكن ذلك كله لا يهم كثيرًا. المهم أن يُسجَّل حضوره في الصورة، وأن يعرف الآخرون أنه كان هناك، قريبًا من الاسم الذي يستحق أن يكون قريبًا منه، وفقًا لقائمة الاعتبارات السائدة.
هنا تصبح الثقافة، في بعض تجلياتها، نظامًا غير معلن لتبادل الاعترافات: أنت تمنحني من إعجابك، وأنا أمنحك من مكانتي؛ أنت تذكر اسمي في منشورك، وأنا أصف كتابك بأنه استثنائي؛ أنت تضع صورتك إلى جانبي، وأنا أضعك، مجاملةً، في مرتبة لا يمنحك إياها النص الذي كتبت. وهكذا تتكاثر الألقاب، وتتضخم السير الذاتية، وتتوالد عبارات من قبيل «قامة ثقافية كبيرة» و«اسم استثنائي» و«تجربة لا تتكرر»، حتى ليخيّل إلينا أن البلاد لم تعد تنتج كتبًا وأفكارًا بقدر ما تنتج قامات، وأن أهم ما أنجزه بعض الكتّاب هو أن يظلوا واقفين في الصور.
( ثقافة المكانة حين تتقدم على ثقافة القيمة)!!.
وليس في الإعجاب بالآخر عيب، ولا في الاحتفاء بالمنجز الثقافي نقص، ولا في احترام الكبار ما يستدعي الاعتراض. المشكلة تبدأ حين يصبح الإعجاب واجبًا اجتماعيًّا، وحين تتحول المجاملة إلى ضريبة يدفعها المثقف طلبًا للقبول، وحين يغدو الصمت عن الرداءة شرطًا للبقاء داخل الدائرة. عندئذ لا يعود السؤال: ماذا كتب هذا الرجل؟ بل: من يعرف؟ ومن يستطيع أن يرفعني؟ ومن ينبغي أن أحرص على رضاه؟ ومن الذي قد يغلق في وجهي بابًا إذا قلت رأيي فيه؟
إننا أمام انتقال خطير من الاعتراف بالمنجز إلى الاستسلام للمكانة؛ من احترام الفكرة إلى احترام صاحبها بصرف النظر عن الفكرة؛ ومن استقلال الحكم إلى استيراد الأحكام الجاهزة من أفواه الذين يملكون النفوذ أو الشهرة أو القدرة على توزيع الدعوات.
والأكثر مفارقة أن بعض هؤلاء المثقفين لا يجهلون آليات هذه اللعبة. إنهم يعرفونها جيدًا، ويستطيعون شرحها نظريًّا، وربما كتبوا ضدها مقالات رصينة. لكن المعرفة بالمرض لا تعني النجاة منه؛ فقد يكون المرء أبرع الناس في تشخيص الاستلاب، وأسرعهم إلى الاستسلام له حين تلوح أمامه فرصة دعوة إلى مهرجان، أو مقعد في ندوة، أو صورة مع مسؤول ثقافي، أو إشارة إعجاب من ناقد ذي اسم متداول.كأن الثقافة، في هذه الحالة، تمنح صاحبها لغةً متقدمة لتبرير خضوعه، لا قوةً كافية لمقاومته.
ولذلك فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن بعض المظاهر الثقافية العراقية تشهد نوعًا من التملّق المتعلّم: تملّق لا يصدر عن الجهل، بل عن معرفة دقيقة بما ينبغي قوله، ولمن ينبغي قوله، ومتى يجب أن تُقال العبارة، وكيف تُصاغ بحيث تبدو رأيًا نقديًّا وهي في حقيقتها رسالة استرضاء. إنه تملّق يرتدي بدلة المفاهيم، ويستشهد بالفلسفة، ويستعين بمصطلحات الحداثة، لكنه يحتفظ في أعماقه بالغرض القديم نفسه: الاقتراب من صاحب المكانة، وتجنب إغضابه، والحصول على نصيب من ضوئه.ويا لها من مفارقة تستحق التأمل: أن يتحدث المرء عن تفكيك الأصنام، ثم يقضي أمسيته في تلميعها؛ أن ينتقد صناعة النجوم، ثم يتصرف كأن صورةً مع نجم ثقافي قد تضيف إلى عقله ما عجزت كتبه عن إضافته؛ وأن يدعو إلى تحرير الوعي، بينما يراقب وجوه الحاضرين ليتأكد من أن رأيه لم يزعج أحدًا مهمًّا.بعض المثقفين لا يريدون أن يكونوا أحرارًا بقدر ما يريدون أن يُعترف بهم بوصفهم أحرارًا. وهذه مسافة واسعة بين الاستقلال بوصفه ممارسة يومية، والاستقلال بوصفه زينةً في السيرة الذاتية.لكن من أين تأتي هذه الدونية التي نتحدث عنها؟ أهي سمة عراقية خالصة؟ أم أنها نتيجة تداخل عوامل سياسية واجتماعية ومؤسسية واقتصادية، جعلت الاعتراف الثقافي موردًا نادرًا، وربطت الوصول إلى المنابر أحيانًا بشبكات العلاقات والولاءات؟
إن اختزال الظاهرة في «طبيعة المثقف العراقي» ظلمٌ للحقيقة، فضلًا عن أنه يمنح المؤسسات والظروف التي تنتجها حصانةً مجانية. فالمثقف لا يعيش خارج المجتمع، ولا يكتب في فراغ، ولا يعمل دائمًا في بيئة تضمن له استقلاله المادي والمهني. وحين تكون الفرص محدودة، والمنابر قليلة، والدعم غير مستقر، والاعتراف محكومًا في بعض الحالات بعلاقات شخصية أو اصطفافات، يصبح الإغراء بالتنازل أكبر، وتصبح كلفة الاختلاف أثقل.غير أن تفسير الخضوع لا يعني تبريره.فالفقر لا يفرض على صاحبه أن يكذب، وقلّة الفرص لا تجعل التملّق فضيلة، وهشاشة المؤسسات لا تعفي المثقف من مسؤوليته عن إعادة إنتاجها. بل لعلّ مسؤوليته تصبح أشد، لأنه يعرف، أكثر من غيره، أن الثقافة التي لا تستطيع حماية استقلالها تتحول بسهولة إلى زينة للسلطة، أيًّا كان شكل تلك السلطة: حكومية أو حزبية أو مالية أو إعلامية أو حتى ثقافية محضة.وليس المقصود بالسلطة هنا شخصًا يجلس خلف مكتب رسمي بالضرورة. فقد تكون السلطة ناقدًا يوزع شهادات الاعتراف، أو مؤسسة تتحكم في الدعوات، أو مجموعة مغلقة تقرر مَن يستحق الظهور ومَن ينبغي أن يبقى في الظل، أو شبكة من الأسماء تتبادل المديح حتى يبدو أفرادها، بالتراكم والتكرار، أهم مما تسمح به منجزاتهم الفعلية.
في مثل هذه البيئة، لا يحتاج أحد إلى إصدار أمر مباشر بإسكات النقد. يكفي أن يعرف المثقف أن الاختلاف قد يحرمه من فرصة، وأن المجاملة قد تمنحه أخرى. وهكذا يتولى الخوف أداء المهمة، ويتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي، وتصبح الرقابة أكثر أناقة؛ إذ لا تمنعك من الكلام، بل تقنعك بأن الصمت حكمة، وأن التراجع لباقة، وأن مجاملة من لا تستحق أعماله المجاملة نوع من النضج السياسي.وما أيسر أن تتحول الحكمة، في هذه الحال، إلى اسم مهذّب للجبن!
ثم إن للمهرجانات والملتقيات وجهًا آخر لا ينبغي تجاهله. فهذه الفعاليات يمكن أن تكون فضاءات حقيقية لتبادل المعرفة، واكتشاف التجارب، ومناقشة الاختلافات. لكن بعضها يفقد هذه الوظيفة حين تصبح الصورة أهم من الجلسة، والاسم أهم من الورقة، والحضور أهم من الفكرة، وحين يُقاس نجاح المشارك بعدد الذين صافحهم، لا بعدد الأسئلة التي أثارها.يمكن عندئذ أن يعود المثقف من مهرجان ثقافي حافل، وفي جعبته عشرات الصور، وقائمة طويلة من الأسماء، ومجموعة من العبارات التي كتبها في مدح زملائه؛ لكنه لا يعود بسؤال واحد غيّر طريقة تفكيره، ولا باعتراض واحد يستحق أن يراجعه، ولا بفكرة اضطرته إلى إعادة النظر في مسلّماته.لقد حضر كل شيء، باستثناء الثقافة.ولعل السخرية الأكثر إيلامًا أن بعض المجالس الثقافية تبدو كأنها اجتماعات غير رسمية لتبادل شهادات حسن السلوك: يثني هذا على ذاك، ويصف ذاك هذا بأنه علامة فارقة، ويعلن ثالث أن الجميع قامات، ثم يغادرون جميعًا وقد اطمأن كل واحد منهم إلى أن قامته لا تزال محفوظة في أفواه الآخرين. أما النصوص، وهي وحدها التي كان ينبغي أن تكون موضع الاختبار، فتنتظر في الكتب أن يفتحها أحد.إنها دائرة مغلقة من الاعتراف المتبادل، لا تحتاج إلى أن يكون الجميع عظماء؛ يكفي أن يتفقوا على أن ينادوا بعضهم بالعظمة.لكن لا بد من التمييز هنا بين التواضع والدونية. فالتواضع فضيلة حين يكون نابعًا من معرفة حدود الذات، والدونية تبدأ حين يتنازل المرء عن حقه في الحكم المستقل أمام شخص يعتقد أنه أعلى منه منزلة. والتقدير فضيلة حين يستند إلى منجز، أما التبعية فتبدأ حين يصبح المنجز نفسه غير ذي أهمية ما دام صاحبه لا يحظى بالمكانة المطلوبة. وكذلك فإن التعلم من الآخرين ليس خضوعًا، والاعتراف بفضلهم ليس انكسارًا؛ إنما الانكسار هو أن تتوقف عن رؤية أخطائهم خوفًا من خسارة قربهم.المثقف المستقل ليس الذي يخاصم الجميع، ولا الذي يوزع أحكامه القاسية على كل اسم لامع كي يثبت شجاعته. إنه الذي يستطيع أن يمدح من يستحق المديح، وينتقد من يستحق النقد، ويقول «لا أعرف» حين لا يعرف، و«لا أتفق» حين يختلف، من دون أن يحسب أثر كل عبارة في رصيده الاجتماعي.إن استقلاله لا يُقاس بارتفاع صوته، بل بقدرته على الاحتفاظ بحكمه حين يصبح ثمن ذلك الحكم خسارةً محتملة.وهنا نصل إلى السؤال الأشد إحراجًا: ماذا يحدث حين يتعلم المثقف أن يرضي الجميع؟
إنه يفقد تدريجيًّا القدرة على إغضاب أحد بالحقيقة. يختار مفرداته بحيث لا تجرح أحدًا، ويصوغ اعتراضاته بحيث لا تصل إلى غايتها، ويكتب نقدًا يترك للأشخاص جميعًا مخرجًا كريمًا، حتى يصبح النص، بعد كل هذه الاحتياطات، خاليًا من الخطر، ومن ثم خاليًا من الضرورة. إنه يكتب ما يمكن نشره من دون أن يزعج أحدًا، لا ما ينبغي قوله لأن أحدًا يجب أن يُسأل.
وهكذا يصبح الأدب مجاملةً طويلة، والنقد بروتوكولًا، والندوة تمرينًا على الكلام من دون قول شيء حاسم.
أما الذين يظنون أن هذه السلوكيات مجرد تفاصيل اجتماعية لا تستحق الوقوف عندها، فعليهم أن يتذكروا أن الثقافة لا تُهزم فقط حين تُمنع الكتب، بل تُهزم أيضًا حين يفقد أصحاب الكتب شجاعتهم في مواجهة بعضهم بعضًا. فالرقابة التي تأتي من الخارج قد تُقاوَم، أما الرقابة التي يقيمها المثقف داخل نفسه، طمعًا في الرضا أو خوفًا من العزلة، فإنها تتخفى في هيئة اختيار شخصي، ويصعب فضحها لأنها لا تترك وراءها قرارًا رسميًّا ولا توقيعًا واضحًا.والمشكلة ليست أن المثقف العراقي يمدح الآخرين؛ المشكلة أن المديح قد يتحول، في بعض الأوساط، إلى عملة تداول، وأن يصبح النقد مخاطرةً غير محسوبة، وأن تتقدم شبكة العلاقات على شبكة الأفكار. وعندما يحدث ذلك، فإن الخسارة لا تقع على المثقف وحده، بل على الثقافة التي تفقد قدرتها على الفرز، وعلى القارئ الذي لا يعود قادرًا على التمييز بين المنجز الحقيقي والسمعة التي صنعتها المجاملات المتبادلة.لا نحتاج إلى اتهام الجميع، ولا إلى صناعة محكمة أخلاقية تُصدر أحكامها بالجملة. ما نحتاجه هو أن نتوقف عن التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها أمرًا طبيعيًّا لا يستحق الاعتراض. نحتاج إلى نقد السلوك حيث يظهر، وتسمية الآليات حيث تعمل، ومساءلة المؤسسات التي تكافئ الولاء أكثر مما تكافئ الجدارة، من دون تحويل النقد إلى تصفية حسابات شخصية أو تعميمات لا دليل عليها.فليس كل من حضر مهرجانًا متملقًا، وليس كل من التقط صورة باحثًا عن مكانة، وليس كل من مدح كاتبًا فاقدًا لاستقلاله. لكن حين تتكرر الأنماط، وتتشابه العبارات، وتُستنسخ المواقف، ويصبح الاعتراض استثناءً والمجاملة قاعدة، فإن من حقنا أن نسأل: أي ثقافة هذه التي تخشى أن تقول لأحد رموزها إن كتابه ضعيف؟ وأي نقد هذا الذي يزداد حماسة كلما ابتعد عن أصحاب النفوذ، ثم يفقد أسنانه حين يجلس معهم إلى الطاولة نفسها؟
إن السؤال عن دونية المثقف العراقي ليس حكمًا على هوية وطنية، بل مساءلة لثقافة سلوكية قابلة للتغيير. وهو ليس دعوة إلى احتقار المثقفين، بل إلى التوقف عن تقديسهم؛ لأن التقديس، حتى حين يأتي في صورة إعجاب، يلغي المسافة النقدية التي تمنح الثقافة معناها.المثقف الذي يحتاج إلى أن يكون قريبًا من الجميع قد ينتهي بعيدًا عن نفسه. والذي يخشى خسارة رضا الأسماء قد يخسر، من حيث لا يدري، حقه في أن يكون اسمًا مستقلًّا.وفي النهاية، ليست المشكلة أن يقف المثقف إلى جوار شخصية مهمة، بل أن يحتاج إلى الوقوف إلى جوارها كي يشعر بأهميته. وليست المشكلة أن يصفق لمن يستحق التصفيق، بل أن يصفق قبل أن يسمع، أو بعد أن يسمع ما لا يقتنع به، أو لأن الآخرين يصفقون. وليست المشكلة أن يبحث عن الاعتراف، فكل إنسان يحتاج إليه بدرجات مختلفة، بل أن يحوّل هذا الاحتياج إلى مبدأ يوجّه كتابته ومواقفه وعلاقاته.أما المعيار الذي ينبغي أن نستعيده، فهو بسيط وصعب في آن واحد: أن يكون الكتاب أهم من صاحبه، والفكرة أهم من قائلها، والحقيقة أهم من العلاقة، والجدارة أهم من الدعوة إلى المهرجان.وعندما يحدث ذلك، لن نحتاج إلى أن نسأل من جلس إلى جوار من، ولا من صافح من، ولا من نشر صورة مع فلان أو علّان أو فلتنان. سنسأل سؤالًا واحدًا فقط: ماذا قال؟ ماذا كتب؟ وما الذي أضافه إلى وعينا؟
وذلك، في تقديري، هو الامتحان الذي ينبغي أن يبدأ منه المثقف، لا الامتحان الذي ينتظر نهايته ليعرف إن كان قد حظي برضا اللجنة.لأن الثقافة التي لا تنتج إلا مزيدًا من الإعجاب المتبادل، ستنتهي إلى مجتمع من المعجبين، لا من المفكرين. أما الثقافة التي تحترم نفسها، فلا تخشى أن تقول لأكثر أسمائها شهرةً: لقد أخطأت.حتى لو لم يصفق أحد.!!








التعليقات