منذ آلاف السنين، لم يغادر كلكامش أسوار مدينة أوروك حقًا، ولم يمت عنترة بن شداد عند نهاية معاركه في الصحراء العربية. كلاهما ما زال يعيش بيننا، لكن بصورة مختلفة. لم يعد يحمل سيفًا أو يقود جيشًا، بل صار يسكن صفحات الروايات، وقصائد الشعر، والنصوص المسرحية، وحتى بعض الأعمال السينمائية. كل جيل يعيد اكتشافه، ويمنحه حياة جديدة، وكأن الشخصيات الكبرى ترفض أن تتحول إلى مجرد أسماء في كتب التاريخ. وأنا أتصفح الإصدارات الأدبية الحديثة، لفت انتباهي أن أسماء مثل كلكامش، وعنترة، وشهرزاد، والسندباد، وحتى شخصيات تاريخية وأسطورية أخرى، تعود باستمرار إلى النصوص المعاصرة. لكنها لا تعود لتروي الحكاية القديمة نفسها، بل لتشارك في حكاية جديدة؛ حكاية الإنسان المعاصر وهو يواجه الخوف، والحرب، والوحدة، والحب، والموت، والبحث عن المعنى.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل: لماذا يعود الأدباء إلى الأسطورة؟ وهل هو استلهام يثري النص، أم نوع من الهروب إلى الماضي عندما يعجز الكاتب عن مواجهة الحاضر؟
لو تأملنا ملحمة كلكامش، لوجدنا أن جوهرها ليس البحث عن الخلود فحسب، بل مواجهة الإنسان لفكرة الفقد والموت. فبعد رحيل صديقه أنكيدو، لم يعد كلكامش ذلك الملك الذي لا يُقهر، بل أصبح إنسانًا مرتبكًا، يخشى النهاية، ويبحث عن إجابة لسؤال ما زال يؤرق البشر حتى اليوم: هل يمكن للإنسان أن يهزم الموت؟ أليس هذا السؤال حاضرًا في أدبنا المعاصر أيضًا؟ أليست الحروب، والكوارث، والهجرة، وفقدان الأحبة، تعيد إنتاج القلق ذاته، وإن اختلف الزمان؟
لهذا لا يبدو حضور كلكامش في الرواية الحديثة ترفًا ثقافيًا، بل محاولة للقول إن الإنسان، مهما تطورت حياته، ما زال يحمل الأسئلة نفسها التي حملها قبل آلاف السنين. أما عنترة بن شداد، فلم يعد في النصوص الحديثة مجرد فارس يهزم خصومه في ساحات القتال، بل تحول إلى رمز لإنسان يبحث عن الاعتراف بكرامته، ويصارع التمييز، ويقاتل من أجل أن يُعترف بحقه في الحب والوجود. ولذلك، حين يستدعيه شاعر أو روائي معاصر، فإنه لا يستدعي الفارس فقط، بل يستدعي فكرة الصراع من أجل العدالة والكرامة، وهي قضايا لم تفقد حضورها في عالم اليوم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسطورة إلى زينة لغوية، أو إلى استعراض ثقافي يهدف إلى إبهار القارئ بأسماء الماضي دون أن يؤدي وظيفة فنية حقيقية. فليس كل نص يذكر كلكامش يصبح عميقًا، وليس كل قصيدة تستحضر عنترة تصبح أكثر تأثيرًا. فالقيمة لا تكمن في الاسم، بل في الطريقة التي يُعاد بها توظيفه داخل النص. وإن الاستدعاء الحقيقي للشخصيات الأسطورية هو الذي يجعلها تتحدث بلغة العصر، وتطرح أسئلة الإنسان المعاصر، وتكشف أزمات المجتمع الراهن. أما إذا بقيت حبيسة صورتها القديمة، فإنها تتحول إلى أثر متحفي جميل، لكنه لا يضيف كثيرًا إلى القارئ. ولعل ما يلفت الانتباه في كثير من الأعمال العربية الحديثة أن الكاتب لم يعد يبحث في الأسطورة عن البطولة الخارقة، بل عن الإنسان المختبئ داخلها. لم يعد كلكامش بطلًا يبحث عن الخلود فقط، بل صار رمزًا للإنسان الذي يخاف فقدان من يحب. ولم يعد عنترة شاعر الحرب وحده، بل أصبح رمزًا لمن يرفض أن يُقاس أصله أو لونه أو مكانته الاجتماعية بدلًا من إنسانيته.
إن الأدب الحقيقي لا يعيد كتابة الماضي، بل يعيد قراءته. إنه يستخدم الشخصيات القديمة كما يستخدم المرآة، لا لينظر إلى وجوه الأجداد، بل ليرى ملامح الحاضر. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل سؤال آخر يفرض نفسه: هل يكثر استدعاء الأساطير لأن الحاضر أصبح فقيرًا بالرموز؟
فكل عصر يصنع أبطاله، لكن حين يشعر الكاتب بأن الواقع لم يعد ينتج شخصيات قادرة على حمل القيم الكبرى، فإنه يعود إلى الذاكرة الجمعية بحثًا عن رموز تمتلك قوة البقاء. وهنا لا يكون الرجوع إلى الماضي هروبًا بالضرورة، بل محاولة لإعادة بناء الحاضر بلغة أكثر عمقًا. غير أن الخطر يكمن في أن يتحول الماضي إلى ملاذ دائم، وأن يصبح استدعاء الأسطورة بديلًا عن إنتاج رموز جديدة تنتمي إلى زمننا. فالأدب الذي يكتفي بالنظر إلى الوراء قد يفقد قدرته على استشراف المستقبل، بينما الأدب الحي هو الذي يقيم حوارًا بين الأزمنة؛ يأخذ من الماضي حكمته، ومن الحاضر أسئلته، ومن المستقبل أفقه.
إن كلكامش وعنترة لن يختفيا من النصوص العربية، لأنهما لم يعودا شخصيتين تاريخيتين فحسب، بل أصبحا رمزين يتجددان مع كل جيل. غير أن نجاح الكاتب لا يقاس بقدرته على استحضارهما، بل بقدرته على جعلهما يقولان شيئًا جديدًا عن الإنسان الذي يعيش بيننا اليوم. ولا يبدو استدعاء الأسطورة هروبًا من الواقع إذا كان يقودنا إلى فهمه بصورة أعمق. فالكاتب لا يعود إلى الماضي ليقيم فيه، بل يعود إليه كما يعود المسافر إلى خريطة قديمة، يبحث فيها عن طريق يساعده على عبور الحاضر. ولعل الأدب، في جوهره، هو هذا الحوار المستمر بين الأمس واليوم؛ حوار يجعل كلكامش يسير في شوارع مدننا، وعنترة يكتب قصيدة عن إنسان هذا العصر، ويجعل القارئ يكتشف أن الأساطير لا تموت، لأنها في النهاية ليست حكايات عن الماضي، بل حكايات متجددة عن الإنسان نفسه.






