انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين تغيب البوصلة: هل تكفي مظاهر التدين لإنقاذ المجتمع؟

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

7 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
حين تغيب البوصلة:

هل تكفي مظاهر التدين لإنقاذ المجتمع؟
مشاركة:

لم يكن التدين في تاريخ المجتمعات مجرد طقوس تؤدى أو شعائر تمارس، بل كان، في جوهره، منظومة أخلاقية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالعالم. ولم يكن الدين، في لحظاته الحضارية الكبرى، وسيلة لإظهار الهوية بقدر ما كان أداة لبناء الضمير، وإقامة العدل، وصناعة المسؤولية الفردية والجماعية. غير أن المجتمعات قد تدخل أحيانًا في مفارقة عميقة، تتمثل في ازدياد حضور مظاهر التدين في المجال العام، بالتوازي مع اتساع مظاهر الفساد، وتراجع قيم الأمانة، وانهيار الثقة، وغياب الحس العام بالمصلحة المشتركة. هنا لا يعود السؤال متعلقًا بالدين، وإنما بطريقة حضوره في الوعي الاجتماعي، وبالتحول الذي يجعل المظهر يغلب الجوهر، والشعار يتقدم على القيمة، والرمز يسبق السلوك. إن المجتمع الذي يفقد بوصلته لا يعني بالضرورة أنه فقد تدينه، وإنما قد يكون فقد القدرة على التمييز بين الإيمان بوصفه قوة أخلاقية، وبين التدين بوصفه مظهرًا اجتماعيًا قابلاً للتوظيف والمبالغة والاستعراض. فحين تختلط العلامات بالغايات، يصبح من الممكن أن تتسع المسافة بين كثافة الخطاب الديني وبين تراجع المسؤولية الأخلاقية، فتغدو الشعائر أكثر حضورًا من العدالة، والرموز أكثر انتشارًا من النزاهة، والخطابات أكثر صخبًا من الضمير. وعند هذه النقطة يبدأ السؤال الحقيقي: هل يمكن لمظاهر التدين وحدها أن تعيد إلى المجتمع اتجاهه الصحيح، أم أن البوصلة الأخلاقية تحتاج إلى ما هو أعمق من المظاهر؟

البوصلة الأخلاقية بين اليقين الشكلي والحقيقة العملية

تواجه المجتمعات، في لحظات التحول، خطرًا معرفيًا يتمثل في الاعتقاد بأن كثرة الرموز تكفي لإثبات سلامة الاتجاه. غير أن المعرفة الإنسانية لا تقوم على الانطباعات، بل على التحقق من العلاقة بين الادعاء والواقع. فالاعتقاد، مهما بدا راسخًا، لا يتحول إلى حقيقة لمجرد شيوعه، كما أن المظاهر لا تصبح دليلًا على سلامة الجوهر لمجرد انتشارها. ومن هنا فإن المجتمع الذي يكتفي بالحكم على نفسه من خلال الصور الخارجية قد يقع في نوع من الوهم الجماعي، فيحسب أنه يزداد قربًا من القيم، بينما تكون ممارساته اليومية تسير في الاتجاه المعاكس. إن الأزمة لا تبدأ عندما يقل التدين، وإنما عندما يُختزل في علامات خارجية منفصلة عن وظيفته الأخلاقية. فالتدين الذي لا ينعكس في احترام القانون، ولا في حفظ المال العام، ولا في إتقان العمل، ولا في حماية الضعفاء، يصبح تدينًا فاقدًا لأهم وظائفه الاجتماعية. وليس المقصود هنا إصدار أحكام على الأفراد، وإنما التنبيه إلى أن المجتمع لا يقاس بما يعلنه عن نفسه، بل بما ينتجه من سلوك وقيم ومؤسسات.

ومن منظور معرفي، فإن الخلط بين المظهر والحقيقة يمثل أحد أكثر أشكال الخطأ شيوعًا. فالإنسان يميل بطبيعته إلى اختصار الواقع في علامات يسهل إدراكها، بينما تكون الحقيقة أكثر تعقيدًا. ولذلك قد يطمئن مجتمع بأكمله إلى كثرة الخطاب الديني، ويغفل عن الأسئلة الأصعب: هل أصبح أكثر عدلًا؟ هل ازدادت فيه الثقة؟ هل انخفض الفساد؟ هل تعزز احترام الإنسان؟ فهذه الأسئلة هي التي تكشف اتجاه البوصلة، لا عدد الشعارات أو كثافة المظاهر. ولذلك فإن فقدان البوصلة لا يعني غياب الدين، بل يعني فقدان القدرة على استخدام القيم الدينية معيارًا لتقويم الواقع، وتحويلها إلى سلوك يومي ومؤسسات عادلة. فحين ينفصل الاعتقاد عن الممارسة، يصبح المجتمع مطمئنًا إلى صورته، لكنه عاجز عن رؤية حقيقته.

عندما تتحول المظاهر إلى بديل عن الضمير

يميل الإنسان، حين تواجهه الأزمات، إلى البحث عن علامات تمنحه شعورًا بالطمأنينة. ومع الزمن قد تتحول هذه العلامات إلى بدائل رمزية عن الجهد الأخلاقي الحقيقي. وهنا تبدأ المظاهر باكتساب قيمة تتجاوز وظيفتها الأصلية، حتى يصبح الاهتمام بالشكل أهم من الاهتمام بالمضمون، ويغدو الحكم على الناس قائمًا على ما يظهرونه لا على ما يمارسونه. وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول إلى ثقافة عامة، إذ يصبح المجتمع أكثر قدرة على إنتاج الصور من إنتاج القيم. فينتشر الاحتفاء بالرموز، بينما تتراجع ثقافة المساءلة، ويعلو الصوت الأخلاقي في الخطابات، في الوقت الذي تتراجع فيه الأخلاق داخل المؤسسات والمعاملات اليومية. وعندئذٍ لا يعود التناقض استثناءً، بل يصبح جزءًا من الحياة الاجتماعية. إن أخطر ما في هذه الحالة أنها تمنح المجتمع شعورًا زائفًا بالاكتفاء. فبدل أن ينشغل بإصلاح التعليم، والقضاء، والإدارة، والاقتصاد، يكتفي بإعادة إنتاج الرموز نفسها، ظنًا أن المشكلة تكمن في نقص المظاهر لا في ضعف القيم. وهكذا تتحول الطاقة الاجتماعية من بناء الإنسان إلى إنتاج الصور، ومن إصلاح الواقع إلى الدفاع عن الانطباعات. وليس المقصود التقليل من قيمة الشعائر أو الرموز، فهي جزء أصيل من التجربة الدينية، لكنها تفقد معناها عندما تنفصل عن وظيفتها التربوية. فالرمز وُجد ليقود إلى القيمة، لا ليحل محلها، والشعيرة وُجدت لتغذي الضمير، لا لتصبح غاية مستقلة عنه. وعندما يحدث هذا الانفصال، يصبح من الممكن أن تتجاور مظاهر التدين مع مظاهر الظلم والرشوة والكذب والعنف، دون أن يشعر المجتمع بالتناقض. إن المجتمع الذي يستبدل الضمير بالمظهر يفقد تدريجيًا حسه النقدي، لأن المعيار يصبح ما يُرى لا ما يُمارس، وما يُقال لا ما يُنجز. وحينها تتعطل آليات التصحيح الذاتي، ويصبح الخطأ أكثر قدرة على الاستمرار، لأنه يرتدي لباس الفضيلة.

المجتمع لا ينهض بالشعارات بل بترجمة القيم إلى مؤسسات

لا توجد حضارة استمرت اعتمادًا على الخطابات وحدها، كما لم تنهض أمة لأن أفرادها أتقنوا التعبير عن الفضائل أكثر مما أتقنوا ممارستها. إن التاريخ يكشف أن المجتمعات التي استطاعت تحويل منظوماتها الأخلاقية إلى قوانين عادلة، وتعليم رصين، وإدارة نزيهة، واقتصاد مسؤول، هي التي حافظت على توازنها وقدرتها على الاستمرار. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لأي منظومة أخلاقية لا تُقاس بقدرتها على التأثير في العاطفة فقط، بل بقدرتها على إنتاج سلوك مؤسسي مستقر. فالعدل يصبح حقيقة عندما يحكم القضاء، لا عندما يكثر الحديث عنه، والأمانة تتحول إلى قوة اجتماعية عندما تنعكس في المال العام، لا عندما تبقى موضوعًا للخطب. وكذلك الرحمة، والصدق، والإحسان، والمسؤولية، كلها تفقد أثرها إذا بقيت حبيسة اللغة. ولهذا فإن المجتمعات التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تلغي الدين من المجال العام، ولا تلك التي تكتفي برفع شعاراته، وإنما تلك التي تستطيع أن تجعل قيمه قابلة للعيش اليومي، وللتطبيق داخل المؤسسات. فالمشكلة ليست في حضور الدين، بل في كيفية حضوره، وليس في كثافة الخطاب، بل في قدرته على إنتاج واقع أكثر عدالة. وهنا تظهر أهمية العقل النقدي، لا بوصفه خصمًا للإيمان، وإنما بوصفه أداة لمراجعة الذات. فالمجتمع الذي يمتلك شجاعة مساءلة نفسه هو وحده القادر على اكتشاف الفجوة بين ما يؤمن به وما يمارسه. أما المجتمع الذي يكتفي بالاطمئنان إلى صوره الخارجية، فإنه يؤجل مواجهة أزماته، ويمنحها فرصة أكبر للتجذر.

استعادة البوصلة تبدأ من إعادة تعريف التدين

ليست المشكلة في أن يكون المجتمع متدينًا، بل في أن يختزل التدين في مظاهره، فيفقد القدرة على إدراك وظيفته الحضارية. فالإيمان، في معناه العميق، ليس إعلانًا للهوية، وإنما التزام أخلاقي ينعكس في كل تفاصيل الحياة؛ في العمل، والتعليم، والإدارة، والاقتصاد، والعلاقات الإنسانية. وكلما اتسعت المسافة بين الاعتقاد والسلوك، أصبحت الحاجة إلى مراجعة الذات أكبر من الحاجة إلى زيادة الشعارات. إن استعادة البوصلة لا تبدأ من إضافة مزيد من الرموز، بل من إعادة بناء العلاقة بين القيم والواقع. وهذا يقتضي تعليمًا يربي على التفكير لا على الحفظ، وثقافة تشجع النقد الذاتي بدل تمجيد الصور، ومؤسسات تجعل النزاهة قاعدة لا استثناء، وخطابًا دينيًا يعيد الاعتبار إلى الوظيفة الأخلاقية للدين بوصفه مشروعًا لإصلاح الإنسان قبل أن يكون وسيلة لإظهار الهوية. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يعتقد أن كثرة المظاهر تعفيه من مراجعة نفسه. فالمراجعة ليست تشكيكًا في الدين، وإنما دفاع عن رسالته الأخلاقية. كما أن النقد ليس خصومة مع الإيمان، بل محاولة لحماية القيم من أن تتحول إلى مجرد زخارف اجتماعية. وهكذا فإن السؤال: “هل تكفي مظاهر التدين لإنقاذ المجتمع؟"  يقود إلى جواب أكثر عمقًا من مجرد النفي أو الإثبات. فالمجتمع لا يضيع لأنه متدين، ولا ينهض لأنه يُظهر تدينه، وإنما يضيع حين يفقد البوصلة التي تربط الإيمان بالفعل، والقيمة بالمؤسسة، والضمير بالسلوك. وعندما تستعيد القيم قدرتها على تشكيل الواقع، يصبح التدين قوة لبناء المجتمع، لا مجرد صورة يطمئن إليها وهو يبتعد، خطوة بعد أخرى، عن الاتجاه الذي ظن أنه يسير نحوه.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٢٧ تموز ٢٠٢٦ في ٠٩:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شيئيات الوعي والذاكرة
فكر

شيئيات الوعي والذاكرة

"جماليات المكان" كتاب باشلار منذ أنْ اطلَّعت في ثمانينيات القرن العشرين على كتابِ (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي كاستون باشلار والذي ترجمه بحرفية عالية غالب هَلَسا وحتى اليوم وأنا أجعله كتابي المُفضَّل. فعندما استقيت أهميةَ المكان في الشِّعر وضرورته في السَّرد، ومنه عرفت الشّعرية بأعلى درجات…

· 5 د
التشكيل الفلسفي للنصّ
فكر

التشكيل الفلسفي للنصّ

كتابة: من الممكن أن نكون في منطقة المفاهيم السلبية، ويكون للظنّ السلبي نتائج تؤدّي إلى جدليّة لغويّة من جهةٍ، وإلى جدليّة الأشياء من جهةٍ ثانية. والربط الذي يحضر بين التفكير الفلسفي في حالاته السلبيّة مع الأشياء، هو قائمة التسلط على المنافذ التي تخرج عن فلسفة الحِجاج كداعمة أولى للغة الحِجاجية…

· 10 د
حين يعود كلكامش وعنترة إلى الكتابة المعاصرة...

استلهامٌ للماضي أم هروبٌ من الحاضر؟
فكر

حين يعود كلكامش وعنترة إلى الكتابة المعاصرة... استلهامٌ للماضي أم هروبٌ من الحاضر؟

منذ آلاف السنين، لم يغادر كلكامش أسوار مدينة أوروك حقًا، ولم يمت عنترة بن شداد عند نهاية معاركه في الصحراء العربية. كلاهما ما زال يعيش بيننا، لكن بصورة مختلفة. لم يعد يحمل سيفًا أو يقود جيشًا، بل صار يسكن صفحات الروايات، وقصائد الشعر، والنصوص المسرحية، وحتى بعض الأعمال السينمائية. كل جيل يعيد…

· 4 د