تفقد المؤسسة جزءًا من قوتها عندما يصبح بيانها الرسمي أقل تأثيرًا من منشور مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه ليست مبالغة، بل حقيقة يفرضها واقع الاتصال في عصر تتسابق فيه المعلومات، وتتراجع فيه الثقة بوتيرة أسرع من انتشار الأخبار. فلم تعد المشكلة في قدرة المؤسسات على الحديث، وإنما في قدرتها على أن تُصدَّق. فكم من مؤسسة أصدرت عشرات البيانات لتوضيح موقفها، لكنها لم تستطع إقناع جمهورها؟ وكم من تصريح رسمي قوبل بالتشكيك قبل أن يُقرأ؟ وإن أزمة الثقة ليست وليدة اليوم، لكنها أصبحت أكثر وضوحًا مع اتساع الفضاء الرقمي وتغير سلوك الجمهور. فالمتلقي المعاصر لا يكتفي بسماع الرواية الرسمية، بل يقارنها بما يشاهده في هاتفه، وما يسمعه من الآخرين، وما يقرأه في المنصات المختلفة. وإذا وجد تناقضًا بين الخطاب والواقع، فإنه يمنح ثقته لما يراه بعينيه، لا لما يسمعه في البيانات.
في العراق، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة في أكثر من قطاع. فعندما تعلن مؤسسة خدمية عن إنجاز مشروع أو تحسين خدمة، بينما يواجه المواطن الواقع نفسه دون تغيير ملموس، تتولد فجوة بين الرسالة الإعلامية والتجربة اليومية. وحين تؤكد جهة معينة أن الإجراءات تسير بانسيابية، بينما يقف المواطن ساعات طويلة لإنجاز معاملة بسيطة، فإن المشكلة لا تكون في صياغة البيان، بل في غياب الانسجام بين الخطاب والممارسة. لقد اعتادت بعض المؤسسات أن تنظر إلى العلاقات العامة بوصفها دائرة لإصدار الأخبار، بينما هي في حقيقتها وظيفة إدارية واستراتيجية تبدأ قبل كتابة البيان وتنتهي بعد قياس أثره. فالعلاقات العامة ليست فن إقناع الناس بما لا وجود له، وإنما فن تقديم الحقيقة بطريقة واضحة، وبناء جسور من الثقة تجعل الجمهور شريكًا لا متلقيًا سلبيًا.
ويشير جيمس جرونيج، أحد أبرز منظري العلاقات العامة، إلى أن الاتصال الفعال يقوم على الحوار المتبادل، لا على إرسال الرسائل من طرف واحد. وهذا يعني أن المؤسسة التي تتحدث باستمرار ولا تستمع إلى جمهورها، ستجد نفسها معزولة عن الواقع مهما امتلكت من وسائل إعلام.
أما إدوارد بيرنيز، الذي يعد من رواد العلاقات العامة الحديثة، فقد أكد أن نجاح المؤسسة لا يعتمد على قدرتها في ترويج صورتها، بل على قدرتها في كسب ثقة المجتمع من خلال الممارسة الصادقة والاتصال المستمر. فالثقة لا تُصنع بالإعلانات، وإنما بالصدق والشفافية والوفاء بالوعود.
ومن الأخطاء التي وقعت فيها بعض المؤسسات العراقية، أنها تعاملت مع العلاقات العامة بوصفها وسيلة لتجميل الصورة بعد وقوع المشكلة، لا أداة لمنع المشكلة من الأساس. فعندما تتأخر المؤسسة في الاعتراف بالخطأ، أو تتجاهل تساؤلات الجمهور، أو تكتفي ببيانات مقتضبة لا تقدم تفسيرًا واضحًا، فإنها تفتح المجال أمام التأويلات، وتسمح للشائعات بأن تؤدي دورها. وتظهر هذه الإشكالية أيضًا في بعض الجامعات والمؤسسات التعليمية. فحين تُتخذ قرارات تمس الطلبة أو التدريسيين دون شرح كافٍ لأسبابها، يبدأ الفراغ المعلوماتي بالاتساع، ويتحول إلى بيئة خصبة للإشاعات والتفسيرات المتضاربة. ولو كانت العلاقات العامة حاضرة منذ بداية الحدث، وقدمت المعلومات بشفافية، لما فقدت المؤسسة جزءًا من ثقة جمهورها. كما أن بعض المؤسسات ما زالت تخلط بين كثرة النشر ونجاح الاتصال. فقد تنشر عشرات الأخبار يوميًا عن اجتماعات وندوات ولقاءات، لكنها لا تجيب عن السؤال الذي يشغل المواطن: كيف سينعكس كل ذلك على حياته؟ فالجمهور لا يبحث عن عدد النشاطات، بل عن نتائجها. ولا يهمه عدد الصور المنشورة بقدر ما يهمه الأثر الحقيقي لهذه الجهود. وفي عالم اليوم، لم يعد الجمهور متلقيًا صامتًا، بل أصبح مشاركًا في صناعة الرأي العام. فكل مواطن يحمل هاتفًا ذكيًا يمتلك القدرة على توثيق حدث، أو نشر تجربة، أو التعليق على أداء مؤسسة. ولذلك، فإن العلاقات العامة التي تتجاهل هذا التحول ستفقد قدرتها على التأثير، لأن الاتصال لم يعد يسير في اتجاه واحد. ومن التجارب العالمية اللافتة، أن كثيرًا من المؤسسات الكبرى أصبحت تعترف بأخطائها قبل أن يطالبها الجمهور بذلك، وتقدم تفسيرًا واضحًا لما حدث، وتعلن خطوات المعالجة بشفافية. وهذا السلوك لم يضعف صورتها، بل عزز مصداقيتها، لأن الناس لا ينتظرون الكمال، وإنما ينتظرون الصدق.
أما في البيئة العراقية، فما زالت بعض المؤسسات ترى أن الاعتراف بالخطأ يضعف هيبتها، بينما الحقيقة أن الإنكار أو الصمت هو الذي يضعفها. فالجمهور أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، ولم يعد يقبل الخطابات العامة التي تخلو من التفاصيل والحقائق.
إن بناء الثقة يبدأ من داخل المؤسسة قبل أن يصل إلى الجمهور. فالموظف الذي لا يثق بمؤسسته لن يستطيع الدفاع عنها، والطالب الذي لا يشعر بالإنصاف لن يقتنع بالبيانات الرسمية، والمراجع الذي يعيش تجربة سيئة لن تغير رأيه حملة إعلامية مهما بلغت كلفتها.
ولذلك، فإن العلاقات العامة مطالبة اليوم بأن تعيد تعريف دورها. فهي ليست مكتبًا لكتابة الأخبار، ولا قسمًا لتغطية المناسبات، بل عقل المؤسسة الاتصالي، والجهة التي تنقل نبض الجمهور إلى الإدارة، وتنقل قرارات الإدارة إلى الجمهور بلغة مفهومة وصادقة. وإذا فقدت هذا الدور، فإنها تتحول إلى جهاز دعائي محدود التأثير.
المؤسسات لا تخسر ثقة جمهورها في يوم واحد، بل تخسرها مع كل وعد لا يتحقق، وكل سؤال لا يجد جوابًا، وكل حقيقة تُؤجل حتى يسبقها الخبر غير الرسمي. وعندما تصل العلاقة بين المؤسسة وجمهورها إلى مرحلة الشك، لا يعود التحدي في إصدار بيان جديد، وإنما في إعادة بناء الثقة من جديد، وهي المهمة الأصعب في عالم العلاقات العامة، لأن السمعة تُبنى على مدى سنوات، لكنها قد تتصدع في لحظات إذا غاب الصدق، وحضر الاكتفاء بالكلمات.







التعليقات