كنت قد ألقيت حجرا في مياه الغراف ولم أنتظر أن يصنع دوائره، تلك حكاية ذابت تماما ، مضت .. لكن هذه هي الحكاية الثانية باختصار .
في مساء السبت العاشر من تشرين الأول، في مقهى أكرم المحاذي للجسر القديم في قضاء النصر، وضعت روايتيّ "ما بعد الحلم" و "أشواك رمادية" على طاولة صغيرة وانتظرت
والحق أنني لم أوجه دعوات خاصة لأحد، لم أطرق بابا ولم أبعث برسالة عتب، اكتفيت بدعوة عامة كتبتها بمحبة للمشهد الأدبي والثقافي في قضاء النصر ودعما للقراءة والثقافة، وقلت فيها أتشرف بدعوتكم لمن يرغب في الحضور لإهدائه بعض رواياتي كانت دعوة مفتوحة كقلب، بلا إلزام ولا إحراج، أردتها كذلك عن قصد، لأن الثقافة لا تستجدى بالدعوات الخاصة، ولأن من يحب القراءة سيأتي وحده، ومن لا يريدها لن تجره كل دعوات الأرض
وجلست .. كان المقهى يطل على الغراف كما يطل الحزن على مدننا الصغيرة، وكان الجسر القديم شاهدا على عبورات كثيرة، ولم يكن عبوري أنا هذه المرة ذا أهمية ، لم يحضر أحد، وهذه الجملة ليست شكوى بقدر ما هي وصف لحالة. نحن في مدن لا تكره الثقافة، لكنها متعبة منها، أو متعبة عنها.. النصر مدينة ولود ، لكنها أيضا مدينة مثقلة بالعيش والركض والقلق اليومي، وقد تعودت أن ترى المبادرات الثقافية كزينة بعيدة لا تخص خبزها
لا ألوم أحدا، وهذا ليس دفاعا بلغة المجاملة، بل هو فهم. نحن لم نرب أقدامنا على طريق المقهى الثقافي، ربيناها على طريق السوق والوظيفة والمجلس ، ولذلك حين يعلن كاتب مغمور مثلي أنه سيهدي رواياته، يمر الإعلان كما يمر ظل طائر فوق نهر، لا يترك أثرا ، الناس لم ترفضني، هي فقط لم تنتبه لي، وهذا أقسى قليلا ولكنه أصدق
ومع ذلك، فإن الحجر الذي ألقيته لم يذهب عبثا ، كل مبادرة في مدينة مثل النصر هي حجر آخر في مياه الغراف الراكدة . قد لا يصنع موجة اليوم، لكنه يثبت أن النهر لا يزال موجودا، وأن هناك من لا يزال يؤمن أن الكتاب يمكن أن يكون هدية، وأن الرواية تستحق أن تهدى بمحبة . لقد تعلمت من هذا المساء أكثر مما كنت سأتعلمه لو امتلأ المقهى ، تعلمت أن الدعوة العامة في زمن الدعوات الخاصة هي مخاطرة نبيلة، وأن الإهداء بمحبة في زمن المقابل هو فعل مقاومة
لم تكن الخسارة أن أحدا لم يحضر، الخسارة الحقيقية لو أنني لم أحاول ،، جلست وحدي مع كتابيّ، نظرت إلى الغراف، وتذكرت أن هذا النهر مرت عليه حضارات كاملة ولم تجف مياهه، وأن المدن لا تموت بغياب قارئ واحد في مساء واحد، بل تموت حين يكف أبناؤها عن إلقاء الحجارة لتحريك ساكن
سألقي حجرا آخر، وثالثا، ليس عنادا، بل إيمانا بأن مياه الغراف ستحفظ يوما أسماءنا، عدت إلى بيتي ورواياتي معي، أثقل قليلا ، لكن قلبي أخف، لأنه فعل ما يجب أن يفعله الكاتب : كتب، وطبع، ودعا، وأهدى، وانتظر، ولم يغضب ،، وكل هذا لم يطرق باب أحد لأجل شيء ذاتي أو لهدف نرجسي .







التعليقات