انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ثقافة الشعب، ثقافة الحكومة (الحركة الرابعة)

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

4 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
ثقافة الشعب، ثقافة الحكومة (الحركة الرابعة)
مشاركة:

للثقافة شروط ومقومات، وليست الثقافة أن نعلّق لافتة كبيرة ونكتب عليها: «مهرجان ثقافي»، ثم نبحث عن شيء ثقافي نضعه تحتها!

الثقافة تبدأ من الناس، من المدرسة، من الكتاب، من المسرح، من المكتبة، ومن الإنسان الذي يريد أن يعرف لماذا يعيش هكذا، ومن الذي جعله يعيش هكذا.لكن في العراق، يبدو أن الثقافة صارت ضيفاً ثقيلاً على الحكومة، كلما طرقت الباب قالوا لها:-عمي مو هسه… عدنا مهرجان!!

ومن أهم شروط الثقافة المكتبة المدرسية.وهذه، يا سادة، اختفت من مدارسنا كما تختفي الأشياء الجميلة عادةً في العراق: بهدوء، ومن دون جنازة، ومن دون أن يسأل أحد: من قتلها؟

المكتبة المدرسية التي  يفترض أن تكون بيتاً للكتاب والمعرفة، تحولت إلى ذكرى بعيدة. وكأن وزارة التربية ومديرياتها تقول للطلاب:—ماكو داعي ندوّخ راس الويلاد… خليهم بمصايبهم ويّه الدروس، الكتاب بعدين!

والـ«بعدين» العراقية معروفة؛

قد يأتي بعد عشرين سنة، وقد لا يأتي أبداً.ومن شروط الثقافة  أن تكون ثمة فرق مسرحية حقيقية، فرق تعرف أن المسرح ليس منصة للصور والبدلات الرسمية والتصفيق المجاني، بل مكان يقول فيه الناس ما يخافون من قوله في الشارع.نريد مسرحاً يهتم بمصائر الناس، بالفقر، بالبطالة، بالمرض، بالفساد، بالماء، بالكهرباء، بالمدرسة، بالمستشفى، وبذلك المواطن الذي أصبح خبيراً عالمياً في الانتظار.لا نريد مجموعات تركض وراء مهرجانات عرجاء، تبدأ بصورة جماعية وتنتهي بصورة جماعية، وبين الصورتين لا يحدث شيء سوى استهلاك الكهرباء!

مهرجان للتسوق، مهرجان للتراث، مهرجان للشعر، مهرجان للورد، مهرجان للابتسامة، وربما غداً مهرجان للاكتئاب الوطني!

كل شيء عندنا أصبح مهرجاناً.وحين تسأل:—أين الناس؟

تجدهم في مكان آخر، يطرقون أبواب الحياة لا خجلاً ولا استحياءً، وإنما لأنهم يحاولون أن يفهموا هذه الخلطة العراقية العجيبة:—كيف يعيش بلد كامل على مهرجان، بينما المكتبة تموت؟

كيف نقيم كرنفالاً للثقافة، والكتاب لا يجد كرسياً في مدرسة؟

كيف نقرأ الشعر عن الوطن، والوطن  لا يجد من يقرأ وجعه؟

ثم هناك قصة المكتبات العامة.

كان في العراق، في زمن كانت الدولة تعرف أن الكتاب ليس عدواً، وزارة اسمها وزارة البلديات،  تشرف على شبكة واسعة من المكتبات العامة من زاخو إلى الكويت.وبحسب آخر إحصاء رسمي متداول، بلغ عددها نحو ٣٤٥٠ مكتبة.ثلاثة آلاف وأربعمئة وخمسون مكتبة!

رقم يكفي، لو بقيت تلك المكتبات حية، لأن يصير الكتاب جاراً للإنسان العراقي، لا ضيفاً موسمياً يأتي مرة في السنة مع معرض للكتاب ثم يهرب خوفاً من الفاتورة!

لكن ماذا حدث؟

بعض المكتبات تحولت إلى رياض أطفال.ولا اعتراض على رياض الأطفال، فالطفل أهم من كل شيء، لكن السؤال الموجع:—لماذا لم نُبقِ المكتبة مكتبة، ونبني للطفل روضة؟

والأغرب أن بعض المكتبات بيعت في مزادات غير علنية.نعم، مكتبة تُباع!

تخيلوا المشهد:—رجل يشتري بناية كانت فيها آلاف الكتب، ثم يسأل:

—شنو كانت هاي؟

فيجيبه أحدهم:—مكتبة.

فيقول:—زين، هسه شنسوي بيها؟

فيجيبه الآخر:—أي شيء… المهم لا ترجع مكتبة!

وهكذا، لم نخسر جدراناً .خسرنا عادة القراءة.خسرنا المكان الذي  يمكن للفقير الدخول إليه بلا بطاقة مصرفية، ويخرج منه وهو أغنى مما دخل.

خسرنا المكتبة، ثم سألنا بعد ذلك:

—لماذا لا يقرأ الناس؟

يا جماعة الخير…كيف يقرأ الناس إذا كانت المكتبة قد اختفت؟

كيف يحب الطفل الكتاب إذا كان الكتاب  مطروداً من المدرسة؟

كيف ننتج مثقفاً إذا كانت الثقافة عندنا تحتاج إلى موافقة، ومهرجان، ولجنة، وتصوير، وخطاب افتتاحي، ثم ربما موافقة ثانية على قراءة القصيدة؟

نحن لا نعاني من قلة المهرجانات. نحن نعاني من كثرة المهرجانات وقلة الثقافة.لدينا منصات كثيرة، لكن لا أحد يعرف ماذا نقول فوقها.لدينا ميكروفونات، لكن لا أحد يريد أن يسمع الحقيقة.لدينا احتفالات، لكن الحزن يجلس في الصف الأول ويضحك علينا.وهنا تبدأ الكوميديا السوداء:—بلد هدم مكتباته ثم أقام مهرجاناً عن القراءة.

يا لها من نكتة!

لكنها ليست نكتة.إنها العراق.العراق الذي يستطيع أن يقيم حفلاً كبيراً احتفاءً بالثقافة، ثم يبحث في اليوم التالي عن مكتبة فلا يجدها.والسؤال الذي يظل معلقاً فوق رؤوسنا:—إذا الحكومة لا تريد شعباً يقرأ، ولا مدرسة فيها مكتبة، ولا مسرحاً يقول الحقيقة… فماذا تريد من الثقافة؟

ربما تريد ثقافةً لا تسأل.ثقافةً تصفق.

ثقافةً تحضر المهرجان، تأخذ صورة، تأكل الساندويچ، تسمع قصيدة عن الوطن، ثم تعود إلى بيتها وهي لا تعرف لماذا ما زال الوطن يئن.وهنا، يا عراق…لا نعرف ماذا تبقى منك.

لكننا نعرف شيئاً واحداً:—حين تموت المكتبة، لا يموت الكتاب وحده… يموت سؤال الإنسان .وحين يموت السؤال، يصبح كل شيء قابلاً للتصديق.حتى المهرجان!!

( بعدنه مستمرين)

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٨ آب ٢٠٢٦ في ٠٩:٣١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د