انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ثقافة الشعب، ثقافة الحكومة! (الحركة الخامسة)

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

4 دقائق للقراءة
26 مشاهدة
ثقافة الشعب، ثقافة الحكومة! (الحركة الخامسة)
مشاركة:

الحكاية لا تنتهي عند المكتبة. المكتبة، في الحقيقة،  أول الضحايا، أما البقية فما زالت تمشي بيننا، تتنفس، وتتصور أمام اللافتات.بعد أن أخرجنا الكتاب من المدرسة، وأخرجنا المكتبة من الحي، بدأنا نخرج الثقافة  من حياة الناس.صار المثقف عندنا كائناً موسمياً.يظهر في مناسبة، يرتدي بدلة، يمسك الميكروفون، يقول كلاماً كبيراً عن الحضارة، ثم يختفي.والناس، من جهتهم، لا يجدون في حياتهم اليومية شيئاً يشبه تلك الحضارة التي سمعوا عنها قبل دقائق.المواطن يريد أن يقرأ.أعطوه كتاباً.يريد أن يرى مسرحاً.أعطوه مسرحاً.يريد أن يسمع موسيقى.اتركوا الموسيقى تعيش.

يريد أن يرى لوحة.لا تجعلوا الفنان موظفاً ينتظر توقيعاً حتى يستطيع شراء فرشاة!

الثقافة ليست حفلاً افتتاحياً.

الثقافة ليست شريطاً يُقص.

الثقافة ليست منصة خلفها ستائر، وأمامها مسؤول يقرأ كلمة كتبها له شخص آخر.

الثقافة أن يتعلم الإنسان كيف يفكر.

وهنا تكمن المشكلة.لأن الإنسان الذي يفكر يسأل.والذي يسأل يزعج.والذي يزعج  يفسد علينا المهرجان!

لذلك أصبحنا نحب الثقافة التي لا تُزعج أحداً.الشاعر الذي يكتب عن الورد: ممتاز.!

الكاتب الذي يتحدث عن الجمال: رائع.

الفنان الذي يرسم شيئاً لا يفهمه أحد: عبقري!

أما الذي يقول:—لماذا؟

فهنا تبدأ حالة الطوارئ الثقافية.

لماذا أُغلقت المكتبة؟

لماذا لا توجد مسارح؟

لماذا لا توجد دور سينما محترمة في كل مدينة؟

لماذا يتحول المركز الثقافي إلى قاعة مغلقة؟

لماذا يذهب المال إلى الاحتفال أكثر مما يذهب إلى الكتاب؟

لماذا يصبح المهرجان أهم من الإنسان الذي يفترض أن يُقام المهرجان من أجله؟

هذه الأسئلة، في بلادنا، تحتاج أحياناً إلى شجاعة أكبر من كتابة قصيدة عن الوطن.ثم نتساءل:—لماذا هاجر المثقف؟

لماذا صمت الكاتب؟

لماذا تعب الفنان؟

لماذا صار الشاب يهرب إلى هاتفه؟

لأن الهاتف، على الأقل، لا يطلب منه طلباً رسمياً حتى يفتح صفحة!

هنا تأتي الكارثة الجديدة:—السوشيال ميديا أصبحت مكتبتنا الوطنية.الشاب لا يقرأ كتاباً، لكنه يقرأ منشوراً من ثلاثة أسطر.لا يشاهد مسرحية، لكنه يشاهد مقطعاً مدته عشرون ثانية.لا يبحث في التاريخ، بل يسأل شخصاً مجهولاً:

—صدگ هذا صار بالعراق؟

ثم يأتيه الجواب:—إي حبيبي، آني أعرف.!

وانتهى التحقيق.هكذا انتقلت الثقافة من الكتاب إلى التعليق، ومن المكتبة إلى الهاتف، ومن الباحث إلى صاحب الحساب الذي لديه مليون متابع ولا يعرف أين تقع المعلومة!

ومع ذلك، لا نلوم الشباب وحدهم.

كيف نطلب من جيل أن يحب الكتاب ونحن لم نضع الكتاب أمامه؟

كيف نطلب منه الذهاب إلى المسرح ونحن أغلقنا المسارح؟

كيف نطلب منه احترام الفن ونحن جعلنا الفنان يبحث عن وظيفة ثانية حتى يعيش؟

كيف نطلب منه أن يكون مثقفاً ونحن نحتفل أحياناً بالأعلى صوتاً، لا بالأكثر معرفة؟

هذه ليست مشكلة جيل.هذه مشكلة منظومة كاملة.ثقافة الشعب لا تنمو بالأوامر.والحكومة لا تستطيع صنع مثقفاً بقرار إداري.لكنها تستطيع، إن أرادت، أن توفر له المكان والكتاب والمسرح والسينما والمعرض والجامعة والمكتبة.وبعد ذلك…

اتركوا الإنسان يفكر.لا تخافوا من الكتاب.الكتاب لا يحمل بندقية.

لكنه يحمل شيئاً أخطر بالنسبة إلى الجهل:—يحمل سؤالاً.والسؤال، كما قلنا،  الكائن الذي يخيف الجميع.

لذلك،حان الوقت لأن نسأل نحن :

—ماذا تبقى من الثقافة العراقية؟

هل تبقى منها اسم الوزارة؟

أم بقيت لافتة المركز الثقافي؟

أم بقيت صور المسؤولين في افتتاح مهرجان؟

أم بقيت قصيدة تُقرأ أمام خمسين شخصاً، منهم عشرون جاءوا لأنهم يعرفون الشاعر، وعشرة جاءوا لأن هناك ضيافة، وخمسة ضلّوا الطريق، والبقية ينتظرون انتهاء الحفل؟

إذا كانت هذه هي الثقافة…مبارك.

لقد نجحنا.نجحنا في تحويل الثقافة إلى مناسبة.لكننا فشلنا في جعلها حياة.وهذا هو الوجع الحقيقي.العراق لم يكن فقيراً بالكتب.ولا فقيراً بالشعراء.ولا فقيراً بالفنانين.ولا فقيراً بالمبدعين.كان غنياً بهم إلى درجة أن العالم كله عرف أسماءهم.لكننا، بدلاً من أن نبني لهم طريقاً، بنينا لهم مهرجاناً.وبدلاً من أن نعطيهم مسرحاً، أعطيناهم منصة.وبدلاً من أن نحمي المكتبة، بحثنا لها عن وظيفة أخرى.

ثم وقفنا أمام الخراب نسأل بكل براءة:

—ليش الشباب ما يقرون؟

والجواب بسيط جداً:—لأننا جعلنا الكتاب يبحث عن المتلقي، بدلاً من أن نجعل المتلقي يبحث عن الكتاب.

وهذه، يا عراق، ليست مأساة ثقافية فقط.هذه مأساة وطن يتعلم كيف يفقد ذاكرته، ثم يذهب كل صباح إلى احتفال جديد ليحتفل بأنه ما زال يتذكر.يا للعجب!

بلدٌ كانت فيه المكتبة بيتاً.فأصبحت المكتبة مشروعاً.ثم أصبحت بناية.

ثم أصبحت مزاداً.ثم أصبحت روضة.

ثم أصبح السؤال :— أصلاً كانت عدنا مكتبات؟!!

نعم.كانت لدينا.و لدينا  شيء اسمه:

ثقافة.يبدو أن الاثنين خرجا من الباب نفسه.

ولم يعودا…

( نهاية)

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:١٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د