((1))
"خارج النص شيءٌ عديم الصلة."؛ هكذا يفصح شاعر الرومانسية وليم وردزورث عن مكنوّنات الرأي، محقِّقاً هيمنة المؤلف وسلطاته، مؤكداً عدم تجاوزها. فبالتجاوز يتبدّى الخروج عن الفهم والتأويل. ويحصل النأي عن النيّة فتثبت القطيعة القارَّة بخطأ وبخطل الرأي غير المطابق .
هذا القول يُدعم المنادين بعدم الخروج عن القصديّة المرتجاة في تحليل النص حيثُ يتمثّل المؤلفُ شاخصاً فرديّاً مهيمناً من خلال ما يُمليه على القارئ الذي لا بدَّ من تقبّله للخيارات المطروحة ، أي يجعل القارئ متلقياً مسيَّراً يبحثُ عن ثبوتية المخبوء بين الكلمات فيبدو كَمن تُناط به مهمّة التفتيش عن إبرةٍ ضائعة في هالةِ قشٍّ وفير، ذلك ما يجعل النص أسيرَ الانغلاق والمحدودية محكوما بالتبعية له – أي للمؤلف– يرسم الفضاءَ بسعةِ الثوابت التي يرتئيها، وحدوداً مُقاسةً بأبعاد خطَّتها مسطرتُهُ، لكأنَّ النص كينونةٌ شيئية بلا دماء ترغو في عروقه، ولا أعصاب تبث أو تتلقى إثباتا لحيويته.
من هذه الهيمنة المكرَّسة، وهذا الوطء الزمني الكابح للتخيل ضاقت أذرع القراء، وسئمت جموع النقاد المُناط بهم التقييم المُقدَّم، جاءت فكرةُ الخروج عن رقعةِ الشطرنج لتثبت وجودَها، فانطلق هتاف "القرّاء يصنعون المَعاني"؛ وهي دعوة جهيرة لمنح القارئ حرية مُطلقة في التأويل. لهُ أنْ يرى ما لا يرى المؤلف؛ ولا يرى ما يراه أيضاً – فلم يعد للنص تأويلٌ ثابتٌ يقود إلى دلالةٍ ثابتةٍ بل استحال كياناً حياتياً يولِّد دلالات لا تعرف الحدود. صار النص بمثابة " كرة كريستالية تشع بالدلالات " عندها مالت الكفَّة لجهة القارئ واعتُرِفَ بأن النص كائنٌ حي فقلَّت أهمية المؤلف وأصبح التفاعل يشتدُّ بين النص والقارئ. ما عاد للمؤلفِ وقصيدته شأنٌ يفوق أو يعادل ما يرتئيه القارئ الذي تُرِك له الباب موارياً كي يرى ويتفحّص، يؤوِّل ويكتشف، وصولاً لرؤية مستنتجة تخصُه هو لا المؤلف. لان هذا الأخير مات منذ اللحظة التي خرج النص من يده وتسلَّطت عليه أضواء القراءة.. ما لنا وما للمؤلف -يقولون– هاكم حكايات ألف ليلة وليلة، هل تنتفي متعة قراءتها بمجهولية مؤلفها –أو مؤلفيها؟. وهل ستزداد المتعة لو أن بعض الأحرف تراصفت لتشكل اسم المؤلف؟
هذا التوجه لهاتيك الاتجاه جاء ليتميز قطب مناقضاً لقطب دعاة المقولة التي ابتدأت بها هذه المقاربة، من هنا تفشَّت الهوَّة واتسعت بين القطبين/ الرأيين إثباتاً لمصداقيتهم، وأحقية أفكارهم سواء من تشبَّث بالأول أو من ناصر الثاني
((2))
في العمليةِ القرائية إشكالية القراءة ينشطر القارئ شطرين أحدهما يعتمد لذة النص ويخرج بحصيلةٍ أساسها المتعة؛ وهو ما يطلق عليه القارئ– القارئ والآخر الذي تُناط به مهمَّة التأويل كفعلٍ احترافي، وُيقصد به القارئ– الناقد، هذا الذي يضع أصابعه بعد عدّة محاولات قرائية على مجسّات يتحسس مثولها مبثوثة بجسد النص . يقف عندها ليبني تأسيسات تأويلية انطلاقاً، صوب صفحات استنتاجية هي مزيج من رؤياه المتولدة آنيا –جراء اشتغاله مع النص– وإرث خبرته العملية – النقدية –المتراكمة.. وبتعامله مع النص، لا يقف حيال مادة مجرَّدة جامدة، بل حياة تمور بالحركة واضعاً في الحسبان أنَّ مادةَ اشتغاله المُراد لها السبر لم تأتِ من فراغ. ولأنها كذلك فلا بدَّ أن تكون لها ارتباطات بما هو محيط بنا أو دفين في دواخلنا. والاثنان –المحيط والدفين– ما يشكِّلان حركةً تفصيلية لمجمل حياتنا؛ فيها الذاكرة خزينة الماضي؛ تجاورها الرؤية وليدة القادم/ الغيبي الذي قد يأتي ولا يأتي. يتعقبها الناقد لوضع يده على مفاتيح أسرار هي بمثابةِ شفرات بثَّها المُرسل/ المؤلف – برؤيةٍ تأكيدية، وبعض آخر جاءت خبيئة غير مقصودة ولَّدتها حيوية النص، يرى الناقد نفسه مدفوعا لاكتشافها عبر تأويلات تبث قناعتها في ذهن المتلقي .
((3))
تتفاوت القراءة والتأويل من ناقدٍ لناقد، ومن قارئ لقارئ. ففي النص التشكيلي لوحة الجيوكندا – الموناليزا –تتمثل الرؤى متعددةً، وتأتي التأويلات تترى، أحدهما ينظر إليها فيفعم بابتسامتها الخفيّة الخجولة، وأخر يحصدُ مسوح الحزن والألم تنضحان بهما عيناها المحتقنتان في مدىً طليق. يأتي ثالث لينزع منها أنوثتها، مُغدقاً عليها صفةَ الرجولة، لا بل يجعل منها بورتريتاً لمنجزها – ليوناردو دافنشي– فيما يتوقف رابعٌ يُجسِّد قبحَها ويُقزِّم أراء المُحتفين بجمالها، المخدوعين بهالة المبالغات المرسومة حولها.
((4 ))
إنَّ النشاطَ التأويلي الذي يمارسهُ المتلقي يتمثل بمتابعة الشفرات. وهو نشاط حثيث لعملية تتداخل فيها جهود المؤول (القارئ-الناقد)اعتماداً على عدته القرائية ونفاذ بصيرته من جهة، وخارطة النص المزروعة بالشيفرات المبثوثة، الظاهرة منها والخفية ، المتفاوتة في تأثيرها ومقدرتها على الذائقة القرائية من جهة أخرى.. والإقرار بوجود الشيفرات المبثوثة داخل النص، ثم السعي لاكتشافها كتأكيد للاستيعاب لا يلغي كون أن شفرة ظاهرة قد تعطى للقراء تأويلاً ثابتاً يتساوق وتأويل المؤلف. فليس الغاية من القراءة والتأويل أنْ نناقض ثوابت المؤلف كتأكيد على رفض الطاعة وعدم التوافق إنما الغاية الخوض في غمار قرائي نكتسب فيه رغبة المواصلة ونجنى منه ثمار اللذة التي تترك شهداً بمذاقاتنا، ورحيقاً عذباً في فضاء نفوسنا التواقة للجميل والأجمل.. فالشفرة العظمى في رواية " البؤساء" لفكتور هوﮔو مثلاً تتمثل بوقوف الكاهن، لحظة انكفاء وانهيار وإدانة "جان فالجان" أمام القانون الصارم الذي ضبطه متلبساً بجريمة سرقة ناجزة لا تقبل الشك أو التردد، وإقرارها بالبراءة انطلاقاً من موقف تسامحي.. تلك اللحظة/ الشفرة هي التي حولت "فالجان" من مخلوق عزم على شحن ذاته بالجريمة، وصممِّ على عدم تمييز الخير من الشر إلى كائن يرى الحياة لّما تزل تضم بين عطفات شرورها زوايا للخير، وبؤراً وضاءةً... هذه الشفرة نأت بأحداث الرواية صوب مرافئ لم يتوقعها القارئ وهي شفرة تشظَّت إلى شفرات جعلت من الخطاب الروائي عملاً خالداً كان فيه المؤول واحداً رغم تعدده.
تأويل النص بين الثوابت والدلالات المفترضة

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٥ م






التعليقات