انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بين الوطن والعقيدة.. رؤية في الوعي وبناء الهوية

ذكرى لعيبي
ذكرى لعيبي

شاعرة وكاتبة عراقية

3 دقائق للقراءة
15 مشاهدة
بين الوطن والعقيدة.. رؤية في الوعي وبناء الهوية
مشاركة:

يواجه العقل الجمعي في مجتمعاتنا أزمة حادة في ترتيب المفاهيم وتحديد بوصلة الانتماء، وهي أزمة تطفو على السطح بعنف كلما مرت البلاد بمنعطف سياسي أو هزة أمنية. ولعل الجدلية الأكثر استعصاءً وتداولاً في الفضاء العام هي محاولة المفاضلة المفعلة بين "الوطن" ككيان جغرافي وسياسي، وبين "العقيدة" كمنظومة روحية وقيمية.

هذا الاشتباك المفتعل لا يعكس تعارضاً حقيقياً في بنية المفاهيم ذاتها، بقدر ما يعكس خللاً في الوعي الاجتماعي، واندفاعاً عاطفياً تستغله الخطابات الشمولية بدقة لتوظيف المشاعر الروحية النبيلة في معارك النفوذ السياسي.

لتفكيك هذه الجدلية تفكيكاً فلسفياً، لا بد أولاً من وعي الفارق البنيوي بين "الثابت" و"المتحول".

العقيدة — أياً كانت طائفتها أو مدرستها — تمثل فضاءً إنسانياً رحباً، يتسم بالثبات الأخلاقي والسمو الروحي والكونية العابرة للخرائط؛ فالإيمان لا تحده تضاريس ولا تصادره حدود دول.

في المقابل، يمثل الوطن (بالمفهوم السياسي للدولة الحديثة) كياناً متحولاً محكوماً بالجغرافيا، والتحالفات، وتوازنات القوى المتغيرة والمصالح الحيوية. بناءً على هذا التمايز الفلسفي، فإن الخطيئة الفكرية الأكبر تتجسد في محاولة "تأميم العقيدة" أو ربط فضاء الإيمان الرحب بسياسات وتوجهات دولة بعينها. إن ربط الثابت بالمتحول لا يخدم العقيدة، بل يفرغ المقدس من سامي قيمته، ويحوله من منبع للضمير الإنساني إلى مجرد أداة لتبرير الأجندات السياسية المرنة.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تظهر أزمة الشارع بوضوح عندما تتداخل العاطفة الجمعية مع الرموز الروحية. فالمجتمعات التي عانت من أزمات وجودية متعاقبة وتهديدات أمنية شرسة - كواقع الشارع العراقي على سبيل المثال - تميل غريزياً في لحظات الخطر إلى الاحتماء بالهويات الفرعية أو الروابط العقائدية التي قادت خطوط الدفاع الأولى ووفرت لها الأمان المادي والنفسي. هذا الارتباط الوجداني مشروع وفطري، لكن الإشكالية الاجتماعية تبدأ حين تعجز الجماهير عن فصل "الامتنان للتضحية" عن "تسليم الإرادة السياسية". تسعى بعض القوى السياسية والدول الإقليمية بذكاء إلى احتكار النطق باسم العقيدة، مرسخةً في وعي الشارع معادلة زرقاء مفادها: أن نقد سياساتها أو رفض تدخلاتها هو بالضرورة نقد للعقيدة نفسها وعداء للمقدس. هنا تُعطل العقلانية النقية، ويُقاد الشارع بعاطفة جمعية مغيبة تحارب من أجل مصالح محاور خارجية ظناً منها أنها تدافع عن جوهر إيمانها.

إن الخروج من هذا المأزق الفكري يتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم "المواطنة الحديثة". المواطنة هي الرابط القانوني والسياسي والأخلاقي المشترك الذي يجمع الأفراد على أرض واحدة بغض النظر عن تباين عقائدهم؛ فالوطن هو الحاضنة المادية التي تضمن للجميع حرية الضمير وممارسة الشعائر. لا يوجد أي تعارض أصيل بين أن يكون المواطن مخلصاً لسيادة أرضه ومدافعاً عن استقلال بلده، وبين أن يحمل إيماناً يربطه بملايين البشر حول العالم. السمو العقائدي ينبغي أن يكون رافداً لأخلاقيات بناء الدولة لا بديلاً عن الهوية الوطنية الجامعة، والتبعية السياسية لجهات خارجية تحت غطاء ديني هي تشويه للمواطنة وإضعاف لسيادة الأوطان.

في النهاية، يبدأ نضج الشعوب وانعتاقها الفكري حين يتعلم الشارع كيف يفصل "الخرائط عن الضمائر".

الوعي الحقيقي ليس في التخلي عن العقيدة، بل في تحريرها من التوظيف السياسي الضيق، والإدراك التام بأن العقائد أسمى من أن تُحتكر في حدود دول، وأن المبادئ أكبر من أن تُختزل في أشخاص أو قادة. إن بناء دولة مستقرة وقوية يتطلب شارعاً تقوده العقلانية الواعية لا العواطف المسيرة، شارعاً يؤمن بأن المواطنة ولاء مطلق للأرض والسيادة، وأن الإيمان فضاء للسمو لا للتبعية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دونيّة المثقف العراقي؟
آراء

دونيّة المثقف العراقي؟

ليس السؤال عمّا إذا كان المثقف العراقي دونيًّا بطبيعته، فذلك حكم كسول لا يصلح لدراسة جادة، بل السؤال الأكثر إزعاجًا: كيف يمكن لمثقف يمتلك أدوات النقد، ويجيد تفكيك السلطات، ويكشف آليات الهيمنة في كتبه ومحاضراته، أن يتحول، بمجرد دخوله مهرجانًا أو ملتقى ثقافيًّا، إلى كائن مرتبك، كثير الإعجاب، غزير…

· 10 د
العلمانيّة من حكم الضرورة إلى وعيها
آراء

العلمانيّة من حكم الضرورة إلى وعيها

في المفهوم: تعتبر العلمانيّة في سياقها العام, طريقة أو أسلوب عمل أو منهج في إدارة آليّة عمل الدولة والمجتمع, حيث يقوم هذا المنهج على الايمان والقناعة بأن العلمانيّة إن كانت قد جاءت من العلم أم من العالم, فهي تؤكد وجود قوانين موضوعيّة تتحكم بآليّة عمل الطبيعة بشكل عام والمجتمع بشكل خاص, وبشكل مفتوح…

· 4 د
الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي
آراء

الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي

الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي بقلم الكاتب أعراب خالد الدولة الجزائر حين أقرأ كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، أفكر أحيانا في الناس الذين عاشوا في ذلك الزمن، وفي الحكايات التي تناقلوها والمجالس التي كانوا يجتمعون فيها. كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع كل تلك الأخبار عن الشعراء والمغنين، وأن ينقل…

· 4 د