انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الهجرة.. ظاهرها أمل وباطنها منفى

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

5 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
الهجرة.. ظاهرها أمل وباطنها منفى
مشاركة:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.

الهجرة ليست ظاهرة جديدة في حياة الإنسان. فمنذ القدم، وهو ينتقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان والرزق والمعرفة. وقد جعل الله اختلاف الشعوب والقبائل وسيلة للتعارف، حتى يتبادل الإنسان مع غيره الخبرات والثقافات، ويساهم في بناء الحضارة.

فمن خشونة القبيلة إلى رقة الشعوب، قطع الإنسان مراحل طويلة من التاريخ. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في المكان، بل كان انتقالاً في طريقة التفكير، وفي العلاقات بين الناس، وفي فهم الإنسان لنفسه وللعالم.

إن الحضارة لا تبنى بالانغلاق، وإنما بالتأثير والتأثر. وكل شعب أخذ من غيره وأعطاه، حتى أصبحت الإنسانية اليوم نتيجة هذا التلاقح الطويل بين الثقافات.

لكن الهجرة التي نعيشها اليوم تطرح أسئلة أخرى.

هناك من يهاجر بحثاً عن عمل وحياة أفضل، وهناك من يهاجر مع أسرته، وهناك من يترك وطنه مرغماً بسبب الحرب أو الفقر أو الخوف.

وقد تنجح الأسرة المهاجرة في الحفاظ على لغتها وثقافتها وقيمها، وقد تجد نفسها أمام مجتمع جديد يجعلها تعيد النظر في كثير من الأشياء التي كانت تعتبرها ثابتة.

فالهجرة ليست دائماً بداية جديدة. أحياناً تكون بداية لحيرة طويلة.

حين يغادر الإنسان وطنه ولا يغادره الوطن

المهاجر لا يصل إلى البلد الجديد وحده. إنه يحمل معه ذكرياته ولغته وتربيته ونظرته إلى الحياة.

وقد يكون الوطن بالنسبة إليه أكثر من أرض. إنه ذاكرة الطفولة، وصوت الأم، ورائحة البيت، والأصدقاء الذين تركهم وراءه.

ولهذا، قد يعيش المهاجر في بلد جديد، لكنه يظل مرتبطاً بوطنه القديم. وقد يشعر أحياناً أنه لا ينتمي بشكل كامل إلى أي مكان.

وهنا تبدأ الغربة الحقيقية.

كلنا تقريباً قرأنا رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للكاتب السوداني الطيب صالح. وهي رواية تطرح سؤالاً عميقاً حول الإنسان الذي ينتقل من بيئة إلى أخرى، ويحاول أن يجد مكانه بين ثقافتين مختلفتين.

فالمهاجر لا يترك ماضيه خلفه بمجرد عبوره الحدود. إنه يحمل معه تاريخاً من العادات والأفكار والذكريات، وقد يجد نفسه أمام مجتمع ينظر إلى الدولة والتاريخ والحياة بطريقة مختلفة.

وهذا الاختلاف قد يكون فرصة للتعلم، لكنه قد يتحول أيضاً إلى صراع داخل الإنسان.

أصعب امتحان للمثقف المهاجر

يبقى أصعب امتحان للمهاجر المثقف حين يبدأ في مقارنة واقع بلده بواقع الغرب.

فهو يرى مستوى التقدم في البحث العلمي، ويرى كيف تتحول أفكار الشباب إلى مشاريع، وكيف تستطيع المؤسسات أن تستفيد من الكفاءات.

ثم يعود بذاكرته إلى وطنه، فيجد شباباً يملكون أفكاراً وطموحات، لكنهم لا يجدون دائماً من يفتح لهم الطريق.

ويرى في الغرب مؤسسات تقوم على القانون، فيتساءل عن العدالة في بلده، وعن المواطن الذي لا يزال يعاني من الاستبداد أو من ضعف المؤسسات.

هذه المقارنة ليست سهلة. فهي تجعل المثقف يعيش بين الإعجاب بما يراه في الخارج، والألم مما يراه في الداخل.

وقد يدافع هذا المثقف عن مرحلة من تاريخ وطنه، ثم يجد نفسه أمام واقع جديد لا يشبه ذلك التاريخ. وقد يكتشف أن بعض الأفكار التي كان يؤمن بها لم تعد قادرة على تفسير العالم الذي تغير من حوله.

فهل يتخلى عن ماضيه؟ أم يتمسك به رغم كل شيء؟

من أين يبدأ الانتماء؟

إن المشكلة لا تكمن في أن يتعلم المهاجر من الغرب؛ فالحضارات تتقدم من خلال تبادل المعرفة، ولا توجد حضارة قادرة على الاستمرار بمعزل عن غيرها.

تبدأ المشكلة عندما يصبح الإنسان عاجزاً عن رؤية وطنه إلا من خلال عيوبه، أو عندما يتعامل مع ثقافته باعتبارها عبئاً ينبغي التخلص منه.

وقد يحدث أن يصبح المهاجر المثقف، مع مرور الوقت، أكثر قرباً من ثقافة البلد الذي يقيم فيه؛ فيفكر بلغته، ويقرأ تاريخه، ويستخدم مفاهيمه في فهم العالم.

وهنا تبرز المفارقة: هل أصبح مثقفاً فرنسياً أو إنجليزياً، أم أنه مثقف مغربي يعيش في فرنسا أو إنجلترا؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد معرفة اللغة التي يتحدث بها أو البلد الذي يقيم فيه. فقد يستفيد المثقف من الغرب دون أن يفقد صلته بوطنه، كما قد يعيش في وطنه، لكنه لا يفكر إلا بعقل مستورد.

المهم هو أن يمتلك القدرة على التعلم والنقد، لا أن يتحول إلى تابع لأي ثقافة.

أدب الغربة: حين يصبح الوجع كتابة

من هنا نشأ أدب الغربة، وظهر شعر المنفى. فالمهاجر المثقف لا يجد دائماً وسيلة للتعبير عن حيرته أفضل من الكتابة.

يكتب عن الوطن لأنه يشتاق إليه، ويكتب عن الغرب لأنه يسعى إلى فهمه، ويكتب عن نفسه لأنه لم يعد يعرف موقعه بين المكانين.

وقد تتحول الغربة إلى مصدر للإبداع؛ فالشاعر الذي ابتعد عن وطنه قد يرى الأشياء من منظور جديد، وقد يكتشف في اللغة ما لم يكن يراه من قبل.

لكن الكتابة لا تلغي الألم، بل تمنح الإنسان القدرة على التعبير عنه، وتجعله مفهوماً للآخرين.

بين الأمل والمنفى

تبدو الهجرة في ظاهرها أملاً: أملاً في العمل، وتحسين مستوى الحياة، وتأمين مستقبل أفضل للأبناء.

لكنها قد تكون في جوهرها منفى، ولا سيما عندما يجد الإنسان نفسه بعيداً عن أهله، أو عندما يشعر بأن وطنه لم يعد المكان الذي يستطيع أن يعيش فيه بكرامة.

ولهذا، فإن الهجرة ليست قضية اقتصادية فحسب، بل هي قضية إنسانية وثقافية أيضاً.

ويبقى السؤال مطروحاً: كيف نستطيع أن نبني أوطاناً تجعل الإنسان يهاجر اختياراً لا اضطراراً؟ وكيف يمكننا الاستفادة من أبنائنا الذين يعيشون في الخارج، من دون أن نجعلهم يشعرون بأنهم فقدوا مكانهم في وطنهم؟

فالوطن الذي يحترم أبناءه، ويشجع العلم، ويفتح الطريق أمام الشباب، هو وطن قادر على منح الإنسان الأمل من دون أن يدفعه إلى المنفى.

أما المهاجر، فمهما ابتعد، يظل في حاجة إلى مكان يشعر فيه بأنه ليس غريباً

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٦ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب وسلطة الحشود
آراء

من اليقين الوثوقي إلى الارتجاج المعرفي: تفكيك خرافة الألقاب وسلطة الحشود

غالب المسعودي يمثل السؤال في التقاليد الفلسفية الجذرية خرقاً معرفياً مربكاً لسكينة الوعي الجامد والمستكين للبداهات؛ فهو ليس مجرد صيغة لغوية عابرة لاستدعاء معلومة غائبة، بل فاعلية نقدية سالبة، دأبها تفكيك تماسك المنظومات الفكرية المغلقة التي تدعي حيازة الحقيقة المطلقة. تتجسد مركزية السؤال في ثقله…

· 7 د
الذكاء الصناعي في قفص الإتهام

نقابة المؤلفين الأمريكيين ترفع قضية مستعجلة ضد «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»
آراء

الذكاء الصناعي في قفص الإتهام نقابة المؤلفين الأمريكيين ترفع قضية مستعجلة ضد «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»

في الرابع من سبتمبر 2026، طلبت نقابة المؤلفين وعدد من الكتّاب الأميركيين من محكمة اتحادية في نيويورك إصدار حكم موجز في دعواهم ضد «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت». يقول المدعون إن الشركتين حصلتا على كتب محمية من مصادر مقرصنة، ونسختاها واستخدمتاها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من دون إذن أو مقابل.…

· 3 د
حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د