انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

المذبحة أم الكي.. آخر الحلول؟

خالد المطلوب
خالد المطلوب

باحث وكاتب عراقي

5 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
المذبحة أم الكي.. آخر الحلول؟
مشاركة:

تلجأ الحكومات الاستبدادية، قديمها وحديثها، إلى أسلوب المذبحة الداخلية كحلّ أخير لبعض المشاكل المستعصية ولتلافي التدهور المحتمل للاستقرار المحلي. بالطبع تأتي مفردة "الاستبداد" في سياق التعريف بالأنظمة السياسية الحديثة؛ أجهزتها الأمنية، شموليتها وقدرتها الفائقة على الرقابة والتحكم، فهي تنبني على مأسسة العنف بسنّ قوانين الطوارئ وتشكيل المحاكم العسكرية أو شن الإبادة الممنهجة بتكنولوجيا حديثة. بينما في الدول القديمة -الإمبراطوريات والممالك- فيمكن القول إن إدارة المذبحة تستهدف بقاء الحاكم على رأس السلطة المستمدة من حضور روحي موروث، والتي لا تنتهي عادة إلا بوفاته أو إزاحته بتمرد داخلي أو مقتله في حرب.

ولكن المجازر الواقعة على صنف من الناس يتميزون بالتمرد وإقلاق الهدوء والمطالب الكبيرة أو المستعصية بمفهوم السلطة، تأتي كخيار نهائي يشبه "الكي" عند العرب بصفته آخر الحلول، أو باعتبارها جراحة ضرورية ومؤلمة لإنقاذ جسد الدولة الذي يختزله الزعيم في ذاته، بعد أن تفشل الأدوات التمهيدية، من دعاية ممجِّدة بالسلطان، أو شراء الذمم أو تخويف معنوي وحتى بالسعي لاستيعاب المعارضة. فالسلطان هنا لا يرى المذبحة كقتل للشعب، بل ينظر إليها كعملية قطع لعضو مصاب بالغرغرينا.

 ومناقشة خيار المذبحة، في هذا المقال، لا يقوم على الاعتراف ببشاعتها أو بعكس ذلك تأييدها، قدر السعي لتبيان قدرة المذبحة على الوصول لحلّ مرضٍ على المدى القريب أو البعيد، والتأسيس لدولة تنعم بالأمان والهدوء. على أنه لا ينبغي تفادي البعد الأخلاقي للسلوك السياسي، كونه أحد الركائز التي تقوم عليها الدولة. وإن غياب العامل الأخلاقي من البناء الحضاري يحرّم الإقليم المعني من التقدم المنشود، والمعروف تاريخياً أن البلدان التي نشأت على التطرف العنيف كصفة أساسية، لا تتمتع بالعمر الطويل فتنهار بفعل عوامل تمرد داخلي قبل الخارجي، مثلما صار مع دولة هتلر التي لم يمتد بها الزمن أكثر من عقد بقليل.

ولقراءة هذا السلوك السياسي في العصر الحديث، لنتناول مذبحة القلعة التي أدارها والي مصر محمد علي باشا ضد المماليك كنموذج تطبيقي لسياسة الاستئصال الجذري، إذ يُعتبر المماليك في الأصل رقيقاً محاربين أستقدمهم الحكام والشرائح السياسية في العصر العباسي، وتعاظم دورهم في مصر خلال العهدين الفاطمي والأيوبي حتى غدوا قادة الجيوش. ومع ضعف الأيوبيين، تمكن المماليك من القفز لسدة الحكم وتأسيس السلطنة المملوكية، مسجلين في التاريخ أثراً حاسماً عندما سحقوا التمدد المغولي في معركة عين جالوت عام 1260م. ورغم نجاح السلطان العثماني سليم الأول في ضم مصر والشام وإسقاط دولتهم، إلا أن نفوذ المماليك في الإدارة المحلية ظل متجذراً وعميقاً. ومع صعود محمد علي باشا لولاية مصر، انحسر وجودهم جغرافياً صوب الصعيد، لكن خطرهم السياسي ظل شاخصاً. وحين تبدلت التوازنات الدولية وفقد المماليك الدعم الإنجليزي -الذي نالوه لقاء صد الفرنسيين- وتلاها وفاة زعيمهم القوي محمد بك الألفي عام 1807م، وجد محمد علي أن الفرصة قد سنحت تماماً للتفرغ لاستئصال هذه العقبة التاريخية، ومن هنا نبتت في ذهنه الفكرة الدموية لمذبحة القلعة عام 1811م.

لا داعي للخوض في واقعة الواقعة تاريخياً، فهي لا تضيف للتفسير والتحليل شيئاً ذا بال، ولكن وقوعها يشير إلى قدرة الحاكم الطامح للمدنية على سفك الدماء دون أن يرفّ له جفن، مما يؤكد أن حلم السلطان ببلوغ الحداثة لا ينقضه نهر الدم الجاري من أجساد خصومه، وفي ذات الوقت يقودنا هذا الاستنتاج إلى حقيقة أعمق، وهي قدرة المنظومة السياسية الحديثة نفسها على اللجوء لذات الخيار العنيف كأداة سياسية دون صعوبة تُذكر؛ تماماً مثلما تجسّد هذا الوجه المظلم للحداثة في الفظائع الممنهجة التي ارتكبها المهاجرون إلى العالم الجديد، منذ نهاية القرن الخامس عشر، ضد السكان الأصليين لأمريكا من الهنود الحمر.

ليس من الصعوبة العثور على حملات الإبادة والمذابح والمجازر التي تُرتكَب هنا وهناك، ولعل وفرتها في التاريخ تعكس حضورها كردة فعل شائعة ضد تمرد سياسي أو اجتماعي، الأمر الذي يعني أن المذبحة ليست مجرد جنون لحظي لحاكم مستبد، بل هي أداة بنيوية تلجأ إليها الأنظمة الإمبراطورية أو القومية المتطرفة عندما تعجز أدواتها السياسية والقانونية عن صهر المكونات المختلفة داخل بوتقتها، وهكذا: حين يفشل الدمج الثقافي والسياسي، يتم اللجوء إلى "الاستئصال الجسدي". وفي هذا السياق نذكر على سبيل المثال حملات إبادة الأرمن على يد السلطنة العثمانية، كردة فعل على وقوفهم إلى صف العمليات العسكرية الروسية ضد دولة بني عثمان.

المعروف أن الأرمن يدينون بالمسيحية مثلهم مثل الروس، وكان عدد من الولايات الأرمنية قد ضُمَّت للسلطنة بناءً على تفاهمات نتائج الحروب المتكررة مع الروس، فسُلخ الأرمن عن النظام الذي يدين بالمسيحية، والمعروف أن الديانة ومثلها اللغة والعِرق، كلما كانت متماثلة صارت أقرب للاستقرار المجتمعي، ولذلك كان أرمن الدولة العثمانية كمن سُلخَ عن جسده الطبيعي. يُضاف إلى ذلك تجاوزات السلطنة على الأرمن، الأمر الذي جعلهم يصطفون مع الروس ضد دولتهم. وهذه الوقائع تساهم في تفسير كيف تتغذى السلطات الشمولية على أخطائها؛ فبدلاً من استيعاب الأقليات بالعدالة والمواطنة، تؤدي التجاوزات إلى دفع هذه الأقليات نحو الارتماء في أحضان الخارج طلباُ للحماية، وهو ما تستخدمه السلطة لاحقاً كذريعة مشروعة تبرر بها المذبحة تحت شعار حماية الأمن القومي أو خيانة الوطن.

ولكن: هل يكفي ذلك ليكون سبباً لتقتيل جماعي مرعب؟ المشكلة أن المجازر شملت المدنيين ولم توفّر النساء والأطفال والشيوخ، وهو بالضبط ما حدث في "أنفال" صدام سيئة الصيت، فما أن فرغ من حربه مع إيران حتى التفت إلى قمع التمرد الكردي شمال البلاد، انتقاماً من وقوف قادته مع إيران في حرب الثمان سنوات ضد العراق، ولا يزال الناجون من تلك الحملات يروون قصص عذاباتهم التي تشمئز النفوس من وضاعتها. ألَم يفكر "أبطال" حملات الإبادة بوسيلة أخرى يتجنبون فيها أولئك الذين لا ذنب لهم، سوى التعاطف المعنوي مع منظماتهم التي رفعت السلاح ضد حكوماتهم الجائرة؟ وهل يمنح تكرار ذلك التذبيح على مرّ التاريخ صفة الحل الذي لا بدّ منه؟ إنها أسئلة مفتوحة لا أظنها تلقى جواباً شافيا ومُرضياً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الشك أول الطريق
آراء

الشك أول الطريق

يبدأ العقل في اللحظة التي يسأل فيها عن الشيء الذي اعتاد أن يصدقه. تلك اللحظة عندي هي بداية القراءة الحقيقية. حين تتحول المعرفة من معلومات تحفظ إلى أسئلة تحرك صاحبها، وحين يصبح الكتاب مساحة تقف فيها أفكارك أمامك مرة أخرى، بعد أن كنت تظن أنك انتهيت منها. اقرأ في الفلسفة وعلم الاجتماع والنفس والقانون…

· 4 د
من يفكر بدلا عنك؟
آراء

من يفكر بدلا عنك؟

بقلم الكاتب: أعراب خالد الدولة: الجزائر في جلسة مقهى مع صديقي المحامي الذي أنهكته العدالة في الجزائر، أخذنا نتبادل أطراف الحديث. هو صديقي الوحيد الذي يتقن الفرنسية وسط مجموعة من المحامين، مثقف إلى درجة كبيرة، وابن الحي الذي أعرفه منذ سنوات. في ذلك اليوم بدأ حديثنا من قضايا الأسرة، من المشاكل التي…

· 5 د
قصة بسيكي: بين الغيرة والحب
آراء

قصة بسيكي: بين الغيرة والحب

قصة بسيكي: بين الغيرة والحب الأساطير اليونانية والرومانية لا تحكي لنا عن عالم بعيد يسكنه الآلهة وحدهم، وإنما تعكس، قبل كل شيء، شيئاً من طبيعتنا البشرية. ففي حكاياتها نجد مشاعر لا تزال حاضرة في حياتنا: الغيرة والحسد والخوف والشك والحب. ومن أكثر هذه الأساطير قرباً من التجربة الإنسانية قصة بسيكي، تلك…

· 4 د