انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
الكلبية المعاصرة في الشرق الأوسط: تشريح الوعي المستلب
مشاركة:

من التمرد الفلسفي إلى الخنوع النفعي

شهد مفهوم "المذهب الكلبي" انزياحاً دلالياً وأخلاقياً بالغ الخطورة عند انتقاله من الفضاء الفلسفي اليوناني القديم إلى حيز الممارسة السياسية والاجتماعية المعاصرة. ففي الفلسفة القديمة، مثّل مسلك الفيلسوف ديوجين السينوبي تياراً جذرياً صادماً ينطلق من قاع الهرم الاجتماعي؛ إذ لم يكن جسده العاري وسكناه في برميل خشبي وازدراؤه للأعراف المصطنعة سوى ممارسة ساخرة واعية تستهدف تعرية نفاق أصحاب النفوذ، وهدم القداسة الزائفة للتراتبيات الطبقية والسياسية القائمة. تجسدت تلك الفلسفة بوصفها صرخة احتجاج وقحة في وجه غطرسة الإمبراطورية، متخذة من البساطة الفطرية وسيلة لفضح انفصال المؤسسات الحاكمة عن جوهر الإنسان وحقيقته.

على النقيض التام من ذلك الموقف التحرري، انحدرت هذه النزعة في عصرنا الحديث لتتحول إلى أداة طيعة في يد منظومات الاستبداد، وعقيدة يومية يعتنقها المقهورون أنفسهم. لقد شخص الفكر الفلسفي النقدي هذه الظاهرة بوصفها "وعياً زائفاً مستنيراً"؛ فالإنسان المعاصر الذي يمارس هذا السلوك لم يعد ضحية بريئة لتضليل إعلامي ساذج أو غياب للمعلومة، بل هو كائن متخم بالمعرفة، يدرك تمام الإدراك مدى فساد المنظومة التي تحكمه، وخواء الخطاب العام، وبؤس الشروط الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به. غير أن هذه المعرفة، بدلاً من أن توقد شعلة التمرد الفعلي، تنقلب إلى عجز داخلي مقيم وتواطؤ بارد. إنه يستمر في تغذية الممارسات الفاسدة ذاتها التي يشجبها في جلساته الخاصة، متدرعاً بالعدمية والانتهازية المصلحية لحماية مكاسبه الفردية الصغيرة والهشة.

صراع الأنداد: عندما يلتهم الضحايا بعضهم

تبلغ هذه النزعة ذروتها التدميرية حين ينحرف مسار الصراع عن وجهته الطبيعية العمودية - القائمة بين قاعدة المجتمع المسحوقة وقمة الهرم المتسلطة - ليستحيل إلى اقتتال أفقي طاحن يتفانى فيه المستضعفون في إبادة بعضهم بعضاً. تكشف التحليلات العميقة لعلم نفس المقهورين كيف يؤدي القهر المؤسسي طويل الأمد إلى ولادة عنف داخلي مدمر؛ فعندما يرسخ الخوف من بطش المتسلط ويستحيل توجيه الغضب نحو الفاعل الحقيقي للجريمة، ترتد تلك الشحنات العدوانية المكبوتة نحو النسيج المجتمعي ذاته. يغدو الجار، والشريك في الفاقة، والرفيق في التهميش، هو الهدف الأسهل والأقرب لتفريغ الحنق، لأن النيل منه والتنكيل به لا يستجلبان بطش أجهزة الأمن كما يحدث في حالة التمرد على أصل الاستبداد.

تستثمر الأنظمة السلطوية هذا الاحتقان ببراعة شيطانية؛ إذ ترفع يدها عمداً عن فرض السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية في المناطق الطرفية والأحياء العشوائية، مفسحة المجال لانتشار الجريمة والنزاعات العصبية والانقسامات الطائفية الضيقة، لتلتهم تلك النزاعات ما تبقى من طاقات المجتمع الحية. يُستدرج الإنسان المهمش ليتحول هو نفسه إلى هراوة باطشة تعاقب رفاق محنته؛ فنرى ظواهر الإخبار المحلي، والترهيب المنظم، واستئجار الفئات الأشد فقراً لقمع التظاهرات المطالبة بالكرامة. إنه مشهد بالغ القسوة والغرابة، حيث ينهش الجائع لحم جائع آخر، لكي يحفظ كلاهما أركان عرش سلطة تحرمهما معاً من أبسط مقومات العيش الكريم.

صنم السلطة المتواري وتجارة الألم

تكتسب فكرة "إرضاء السيّد الغائب" ثقلاً كبيراً عند تفكيك بنية الحكم في منطقتنا؛ إذ لم يعد المتسلط مجرد فرد يجلس فوق كرسي مرئي، بل تحول إلى شبكة متوغلة من الأجهزة الأمنية، والتحالفات النفعية، وشبكات رؤوس الأموال العابرة للحدود. هذا التواري يحيط المنظومة بهالة من الرهبة الوجودية، جاعلاً المجتمع أشبه بسجن مراقبة دائرية كبرى، يتوهم فيه كل فرد أنه خاضع للمتابعة المستمرة في كل حركة ولحظة. تتولد لدى الإنسان رقابة ذاتية خانقة تدفعه إلى المبالغة في إظهار الطاعة، والتطوع لضرب المعارضين والتنكيل بهم حتى دون أن يتلقى أمراً مباشراً، طلباً للأمان واستجداءً لرضا هذا الحاضر الغائب.

يتكامل هذا النمط من السيطرة مع نموذج "الدولة الريعية"، حيث تحتكر الطبقة الحاكمة منابع الثروات والمساعدات الخارجية دون اعتماد على إنتاج المواطنين وجهدهم. لقد نسف هذا النموذج كل أشكال العقد الاجتماعي القائم على التمثيل الحقوقي والمساءلة، وحل محله نظام الإذعان والمحسوبية وشراء الذمم؛ فتتحول مقدرات الأوطان إلى أعطيات وهبات يمنحها الحاكم لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، وتغدو الوظيفة العامة والمعونة الاجتماعية أدوات لابتزاز الولاءات وتدجين النفوس.

تصل هذه الحالة إلى أقصى درجات الوقاحة بتطويع الخطابات الزائفة لتحويل المآسي إلى فضائل؛ فيُعاد تصدير الفقر والانهيار الخدمي الناتج عن النهب المنظم للثروات بوصفه "صموداً مقدساً" وابتلاءً يجب الصبر عليه دفاعاً عن الوطن بوجه المؤامرات الخارجية. يتلقى الوعي المستلب هذا الخطاب بمشاعر التماهي والإنكار؛ إذ إن الإقرار بالحقيقة المرة - وهي أن كل هذا الجوع ليس سوى ثمن لزيادة أرصدة الفاسدين في المصارف الخارجية - يمثل صدمة تفكك صورة الذات. يفر المقهور من هذا العبث بالارتماء في أحضان الوهم الإنشائي، محولاً بؤسه إلى بطولة، ومهللاً لمن يجلده حتى آخر رمق.

إدارة الخراب وإدامة التبعية

تتجسد هذه المنظومة في واقع الشرق الأوسط المعاصر عبر تشكيلات سياسية تجعل من المحاصصة والفرقة الطائفية أسلوباً وحيداً لإدارة الحكم. ينتج عن هذا التمزيق قصور معرفي وشلل في الرؤية؛ فالمواطن المستنزف في تدبير شؤون يومه يعجز عن ربط انهيار شروطه المعيشية بالقرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى التي تطبخ في غرف الحكم المغلقة. وبدلاً من تسييس غضبه وتوجيهه رأسياً ضد السياسات المالية وامتيازات المتحكمين، يتبدد ذلك الغضب في مشاحنات يومية بائسة؛ فيعتدي المرء على أخيه في طوابير السلع الأساسية، أو يلقي باللائمة على ابن المذهب أو العرق الآخر، مبرئاً المنظومة الحاكمة من وزر الانهيار.

إن نخب الاستبداد لا تكتفي بفرض قبضتها العسكرية والأمنية، بل تعتمد بالأساس على استراتيجية إدارة الفوضى وإيقاد الخلافات الأفقية. وبهذا يظل المجتمع غارقاً في صراعات بينية مستمرة، مما يتيح لتلك النخب أن تسوق نفسها بوصفها صمام الأمان الوحيد والمنقذ الضروري من ويلات الفوضى الشاملة، معيدة إنتاج شرعيتها المفقودة عبر استثمار الخراب الذي زرعته بيدها.

آفاق التفكيك ومسارات استعادة الذات

تكشف المقاربة التفكيكية لمقولة "عض الأخ المفقر " عن منظومة متماسكة لا يمكن اختزالها في رذيلة أخلاقية فردية أو جهل شعبي عابر يسهل تقويضه بالوعظ التنويري السطحي. إنها نتاج ميكانيزم متكامل يجمع بين الكلبية المعاصرة كنظام وعي يائس، والبنية العميقة للعبودية الطوعية، والعنف البنيوي المسكوت عنه. لقد تم تدجين الإنسان المقهور في الشرق الأوسط داخل بيئات حولت الرضوخ والافتراس الأفقي إلى استراتيجيات عقلانية وحيدة لتأمين أدنى درجات البقاء العضوي.  

إن تعطيل هذه الآلة الجهنمية يقتضي شروطاً جذرية تبتدئ بتفكيك البنية الفكرية والرمزية التي تشرعن الاستلاب. يتطلب ذلك نزع القداسة عن السرديات التضحوية التي تسوق الموت المجاني الناجم عن الجوع والقمع بوصفه فداءً وواجباً وطنياً أو عقائدياً، والعمل الحثيث على كشف الطابع الطبقي والمصلحي النفعي لكل أشكال النزاعات الهوياتية المفتعلة. بالتوازي مع ذلك، تبرز ضرورة التحول الجذري من منطق العنف الأفقي والتناحر البيني إلى بناء تضامنات طبقية ومدنية عابرة للانقسامات الطائفية والجهوية؛ إذ يتعين على الفئات المفقرة أن تدرك أن مصالحها في العدالة، والحرية، وتأمين الحياة الكريمة متطابقة، وأن العدو المشترك ليس الشريك في البؤس بل المنظومة التي تصنع هذا البؤس وتستثمر فيه.  

كما لا يمكن كسر حلقة الاستلاب دون تقويض الأسس المادية للاقتصاد الريعي والزبائنية السياسية، وذلك باستبدال منظومات المحاصصة وشبكات الولاءات بعقد اجتماعي مدني جديد تكون فيه الحقوق مكفولة بصفة المواطنة الدستورية المتساوية لا بالولاء للجماعات والزعامات المتسلطة.

تبدأ استعادة الكرامة الإنسانية المهدورة باللحظة الفارقة التي يسقط فيها المقهور هالة التبجيل عن سيده المتواري، ويكف فيها عن تحويل أوجاعه إلى أنياب تنغرس في لحم إخوانه المستضعفين؛ فالطغيان لا يخلد بقوته الذاتية، بل بالمدى الذي يرتضي فيه الضحايا أن يكونوا سياطاً لجلد ذواتهم وإعدام شركائهم في المصير، قرباناً لمن يراهم مجرد أرقام تُحصى في دفاتر الاستهلاك، وجثثاً تُستثمر لإدامة سلطانه.  

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي
آراء

الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي

الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي بقلم الكاتب أعراب خالد الدولة الجزائر حين أقرأ كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، أفكر أحيانا في الناس الذين عاشوا في ذلك الزمن، وفي الحكايات التي تناقلوها والمجالس التي كانوا يجتمعون فيها. كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع كل تلك الأخبار عن الشعراء والمغنين، وأن ينقل…

· 4 د
موضوع " التزاوج الإبداعي بين الأدب والفن في صحيفة التلغراف"
آراء

التزاوج الإبداعي بين الأدب والفن في صحيفة التلغراف

التزاوج الإبداعي بين الأدب والفن في صحيفة التلغراف توقفت طويلاً أمام تجربة موقع صحيفة التلغراف، تلك التجربة الإبداعية الفريدة التي تجمع بين الأدب والفن بأسلوب مدهش، حيث أدهشني ذلك الحسّ الفني الرفيع في اختيار اللوحات الفنية المرافقة لكل موضوع أدبي، بما يتماهى معه ويعزز أبعاده الجمالية والرمزية. ان…

· 2 د
عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت
آراء

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت

منذُ أن وقفَ أجدادُنا النياندرتال أمامَ النارِ الأولى وحرقوا ألسنتهم لأنهم ظنوا أن الضوءَ طعمُهُ لذيذ ونحنُ نكررُ الخطيئةَ ذاتها بنفسِ الحماسِ الأعمى ، اخترعنا العجلةَ كي نصلَ أسرع لكننا اكتشفنا أن المكانَ الذي وصلنا إليهِ ليس بأفضلَ من المكانِ الذي هربنا منه ، اخترعنا الكتابةَ لنخلّدَ أفكارنا…

· 8 د