انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

القانون يلاحق الآلة

مصطفى طارق الدليمي
مصطفى طارق الدليمي

باحث وكاتب عراقي

7 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
القانون يلاحق الآلة
مشاركة:

في صيف عام 1956 اجتمع عدد من علماء الرياضيات والحاسوب في جامعة دارتموث الأميركية لمناقشة فكرة كانت تبدو آنذاك أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن للآلة أن تتعلم وتفكر وتحل المشكلات بطريقة تشبه الإنسان؟ لم يكن أحد يتخيل أن السؤال الذي طُرح في تلك القاعة سيصل بعد سبعة عقود إلى البرلمانات والوزارات وهيئات الإعلام والمحاكم وأن يصبح الذكاء الاصطناعي موضوعاً للتشريع لا للبحث العلمي وحده

اليوم ماعادت الدول تسأل فقط عن مقدار ما تستطيع هذه التقنية إنجازه وإنما عن الحدود التي ينبغي وضعها أمامها وعن الجهة التي تتحمل المسؤولية عندما تنتج الآلة قراراً خاطئاً أو صورة مزيفة أو معلومة مضللة أو تكشف بيانات شخصية الخريطة التي تُظهر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والصين والهند واليابان وأستراليا وغيرها ليست مجرد توزيع جغرافي لدول مهتمة بالتكنولوجيا وإنما تعكس بداية سباق آخر يجري بالتوازي مع سباق تطوير النماذج الذكية سباق وضع قواعد اللعبة

الاتحاد الأوروبي اختار أن يبدأ من التشريع الشامل دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيز النفاذ في آب 2024 وبدأت قواعد جديدة مهمة منه بالتطبيق في 2 آب 2026 ومن بين أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة قواعد الشفافية: النظام الذي يتفاعل مباشرة مع الإنسان عليه في حالات محددة أن يوضح للمستخدم أنه يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما يجب وضع علامات على التزييف العميق وبعض المحتوى الذي جرى توليده أو تعديله بالذكاء الاصطناعي مع اعتماد علامات تقنية قابلة للقراءة آلياً قد يبدو الأمر تفصيلاً تقنياً لكنه في الحقيقة يتصل بجوهر الحياة العامة عندما يشاهد المواطن مقطع فيديو لمسؤول يتحدث أو يسمع تسجيلاً صوتياً لشخصية عامة أو يقرأ تصريحاً منسوباً إلى جهة سياسية فإن السؤال الأول ماعاد: هل قال هذا الشخص ذلك؟ وإنما: هل قاله أصلاً؟

هنا تحديداً دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العمل الصحفي في السابق كان التحقق من صورة مفبركة يحتاج إلى برامج متخصصة أو عمليات تعديل معقدة أما الآن فقد أصبح إنتاج صورة أو صوت أو فيديو مقنع متاحاً على نطاق واسع لا يمكن فقط في انتشار خبر كاذب وإنما في أن يصبح التحقق من الخبر أبطأ من إنتاجه المنشور المزيف يحتاج دقائق بينما يحتاج الصحفي إلى مصدر ومقارنة وتدقيق حتى يستطيع إثبات الحقيقة وفي فترة الانتخابات أو الأزمات الأمنية والسياسية يمكن لهذه الفجوة الزمنية أن تكون مؤثرة في الرأي العام قبل أن تصل الحقيقة إلى الجمهور

الصين ذهبت في اتجاه أكثر تحديداً ففي آذار 2025 أصدرت أربع جهات حكومية قواعد خاصة بالمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي أو يجري تركيبه بواسطته وبدأ تنفيذها في الأول من أيلول 2025 القواعد تميز بين علامة ظاهرة يراها المستخدم وعلامة تقنية داخل بيانات الملف يمكن أن تساعد على تتبع طبيعة المحتوى كما تمنع إزالة هذه العلامات أو تعديلها أو إخفاءها بصورة متعمدة

هذه النقطة تكشف شيئاً مهماً في التفكير التشريعي الصيني المشكلة ليست فقط في منع إنتاج المحتوى المزيف وإنما في إنشاء أثر تقني يسمح بمعرفة مصدره وطبيعته أي أن التنظيم ينتقل من مراقبة المحتوى بعد انتشاره إلى محاولة ترك علامة داخل المحتوى نفسه

وفي الولايات المتحدة تسير المقاربة في اتجاه مختلف واشنطن لا تريد أن يتحول التنظيم إلى عائق أمام الشركات الأميركية في المنافسة العالمية ولذلك ركز الإطار التشريعي الوطني الذي طرحته الإدارة الأميركية في آذار 2026 على الابتكار والقدرة التنافسية والأمن القومي إلى جانب حماية الأطفال والملكية الفكرية ومواجهة الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي كما عبرت الإدارة عن رفضها لتعدد القواعد المتضاربة بين الولايات، معتبرة أن وجود منظومة وطنية موحدة أكثر ملاءمة للمنافسة الأميركية

وهنا تظهر المسألة التي ستواجه كل دولة: كيف تنظم الذكاء الاصطناعي من دون أن تخنق نموه؟

فالدولة التي تمنع التقنية خوفاً من آثارها ستجد نفسها متأخرة في الاقتصاد والتعليم والصناعة والدفاع والإدارة والدولة التي تتركها بلا ضوابط قد تكتشف بعد فوات الأوان أن شركات ومنصات وخوارزميات أصبحت تؤثر في حياة المواطنين من دون قواعد واضحة للمساءلة لهذا السبب لا يوجد حتى الآن نموذج واحد تتجه إليه جميع الدول أوروبا تميل إلى تصنيف المخاطر وفرض التزامات قانونية بحسب مستوى الخطورة الصين تضع قواعد تفصيلية مرتبطة بالمحتوى والخوارزميات والمنصات الولايات المتحدة تضع الابتكار والقدرة التنافسية في مقدمة أولوياتها مع بناء إطار اتحادي أوسع وبين هذه النماذج تتحرك دول أخرى وفق احتياجاتها وقدراتها ومصالحها

لكن ما يهم العراق هو أنه ماعاد بعيداً عن هذا الحوار 

في 23 أيلول 2026 أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية طرح مسودة اللائحة التنظيمية لخدمات الذكاء الاصطناعي في العراق للاستشارة العامة الهيئة قالت إن المسودة تهدف إلى وضع إطار تنظيمي شامل لخدمات الذكاء الاصطناعي العاملة مع حماية حقوق المستخدمين وبياناتهم وتعزيز الأمن والسلامة والشفافية ودعم الابتكار والاستثمار مع مراعاة السيادة الرقمية والمصلحة العامة كما دعت الجهات المعنية وأصحاب المصلحة إلى تقديم ملاحظاتهم خلال ثلاثين يوماً

هذه الخطوة أهم من مجرد صدور لائحة لأنها تعني أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل في العراق من بوابة التنظيم الرسمي بعد أن دخل الحياة اليومية من دون انتظار أحد

العراقي اليوم يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والترجمة والتصميم وتوليد الصور والفيديو والبحث والتعليم الشركات تستخدمها في التسويق وخدمة الزبائن والطلاب يستخدمونها في إعداد البحوث والموظفون يستخدمونها في معالجة النصوص والبيانات والإعلاميون يستطيعون استخدامها في تفريغ المقابلات وتحليل الوثائق وإنتاج المواد البصرية وفي الوقت نفسه تتوسع قدرة هذه الأدوات على صناعة محتوى يمكن أن يضلل الجمهور

وهنا ينبغي أن يكون النقاش العراقي أكثر تحديداً من عبارة تنظيم الذكاء الاصطناعي

ما الذي سيحدث مثلاً إذا استخدمت مؤسسة حكومية نظاماً ذكياً لاتخاذ قرار يمس مواطناً؟ من يحق له الاعتراض؟ ومن يشرح له سبب القرار؟ وإذا كانت الخوارزمية قد أخطأت هل تقع المسؤولية على الموظف الذي اعتمد النتيجة أم على المؤسسة أم على الشركة التي طورت النظام؟ وماذا عن البيانات؟ إذا أدخلت مؤسسة معلومات المواطنين إلى نظام ذكاء اصطناعي خارجي أين تذهب هذه البيانات؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وهل توجد ضوابط تمنع استخدامها لأغراض أخرى؟ وهل يعرف المواطن أصلاً أن بياناته عولجت بواسطة نظام آلي؟

هذه ليست أسئلة مستقبلية إنها أسئلة تفرضها عملية الرقمنة نفسها

وفي الإعلام تحديداً يحتاج العراق إلى نقاش مهني موازٍ للتنظيم القانوني لا يمكن منع الصحفي من استخدام الذكاء الاصطناعي كما لا توجد فائدة من محاولة إعادة الصحافة إلى زمن ما قبل هذه الأدوات لكن هناك فرقاً كبيراً بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتفريغ مقابلة أو ترتيب بيانات وبين تركه ينتج مادة صحفية كاملة ثم نشرها من دون تدقيق المسؤولية الصحفية لا تنتقل إلى الآلة

إذا أنتج برنامج ذكاء اصطناعي رقماً خاطئاً أو نسب تصريحاً إلى شخص لم يقابله فإن عبرة البرنامج خطأً لا تصلح عذراً أمام القارئ الصحفي هو من نشر والمؤسسة هي من سمحت بالنشر والجمهور هو من دفع ثمن الخطأ لذلك فإن القاعدة الأساسية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون بسيطة: كلما زاد الاعتماد على الآلة زادت الحاجة إلى مسؤولية بشرية واضحة

والأمر لا يتعلق بالإعلام التقليدي وحده شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة سياسية واجتماعية واسعة والذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج مئات النسخ من الرسالة نفسها، وتعديل الصور وتقليد الأصوات وصناعة فيديوهات تستهدف مجموعات محددة من الجمهور وإذا اجتمعت هذه القدرة مع الحسابات الوهمية أو الحملات المنظمة فإننا لا نتحدث عن منشور مزيف فحسب وإنما عن قدرة على التأثير في النقاش العام بسرعة يصعب على الأدوات التقليدية لمكافحة التضليل مجاراتها

لهذا تبدو تجربة الصين وأوروبا في المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي جديرة بالنقاش في العراق لا بوصفها نموذجاً يجب نسخه وإنما بوصفها إجابة عن سؤال عملي:كيف يعرف المواطن أن ما أمامه من إنتاج الآلة؟

القانون العراقي المقبل يحتاج إلى الإجابة عن أسئلة أخرى أيضاً: حقوق الملكية الفكرية حماية البيانات مسؤولية الشركات المحتوى المزيف التزييف العميق استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية الأمن السيبراني حقوق العاملين استخدام التقنية في التعليم والصحة والإعلام وآليات الشكوى والطعن والمساءلة

والأهم من ذلك كله ألا تتحول اللائحة إلى نص تنظيمي جميل على الورق من دون مؤسسات قادرة على تطبيقه

فالتشريع وحده لا يصنع حوكمة نحتاج إلى خبراء قانونيين يفهمون التقنية ومهندسين يفهمون تبعات القانون وصحفيين وأكاديميين ومنظمات مجتمع مدني وشركات تقنية يجري إشراكهم فعلياً في النقاش ونحتاج إلى جهة قادرة على مراقبة الأنظمة والتحقيق في الشكاوى لا مجرد جهة تصدر التعليمات

العالم يتحرك في هذا الاتجاه بسرعة أوروبا بدأت تطبيق متطلبات الشفافية والصين تفرض علامات على المحتوى الاصطناعي والولايات المتحدة تبحث عن إطار وطني يحافظ على تفوقها التقني وفي العراق بدأت هيئة الإعلام والاتصالات بالفعل مرحلة الاستشارة حول أول إطار تنظيمي لخدمات الذكاء الاصطناعي

السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه الخطوة ليس: هل نحتاج إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي؟ فالعالم أجاب عن ذلك عملياً السؤال الأصعب هو: أي تنظيم نحتاج؟

تنظيم يحمي المواطن من قبل أن يغلق باب الابتكار يحمي الصحافة من التضليل من دون أن يقيد حرية التعبير يصون  بيانات الناس من دون أن يعطل الاقتصاد الرقمي ويضع المسؤولية في مكانها الصحيح عندما تدخل الآلة في قرار كان يتخذه الإنسان وحده فالذكاء الاصطناعي ماعاد مشروعاً مؤجلاً إلى المستقبل لقد دخل العراق بالفعل في الهاتف والجامعة والمكتب وغرفة الأخبار والسوق والمنصة الرقمية وما يجري الآن هو محاولة اللحاق بالتكنولوجيا بالقانون وهذه المرة لا ينبغي أن نصل متأخرين كما حدث في ملفات رقمية كثيرة الآلة تتقدم بسرعة والقانون لا يستطيع أن يبقى واقفاً في مكانه

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

من يفكر بدلا عنك؟
آراء

من يفكر بدلا عنك؟

بقلم الكاتب: أعراب خالد الدولة: الجزائر في جلسة مقهى مع صديقي المحامي الذي أنهكته العدالة في الجزائر، أخذنا نتبادل أطراف الحديث. هو صديقي الوحيد الذي يتقن الفرنسية وسط مجموعة من المحامين، مثقف إلى درجة كبيرة، وابن الحي الذي أعرفه منذ سنوات. في ذلك اليوم بدأ حديثنا من قضايا الأسرة، من المشاكل التي…

· 5 د
الأفول اللطيف: 

التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط
آراء

الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط

في حقبة تاريخية حالكة تتسم بانهيارات قيمية عميقة وتحولات حادة في بنية الجغرافية السياسية، يبرز أمامنا مشهد استعاري شديد التكثيف والدقة؛ لوصف الحالة السياسية والثقافية المأزومة في منطقة الشرق الأوسط. يمكننا تسمية هذه الحالة بـ "الأفول اللطيف"، وهو ذلك الانحدار البطيء والناعم الذي يصمت فيه المثقف…

· 8 د
من يحتكر الوصاية على الثقافة العراقية؟
آراء

من يحتكر الوصاية على الثقافة العراقية؟

تتشكّل خريطة الثقافة العراقية المعاصرة من طبقات متعددة، لا يحدّد اختلافها أسلوبها الفني أو أجيالها فحسب، بل تحدّده أيضًا علاقتها بالمجتمع والجمهور والمؤسسات الثقافية الحكومية والحزبية . فبعض هذه الطبقات يستند إلى رصيد ماضٍ ويعيد إنتاجه، وبعضها ينمو من صلة مباشرة بالناس، فيما يعيش بعضها الآخر خارج…

· 3 د