انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الفلسفة والحب في زمن النرجسية

محمد إبراهيم الزموري
محمد إبراهيم الزموري

باحث ومفكر مغربي

6 دقائق للقراءة
24 مشاهدة
الفلسفة والحب في زمن النرجسية
مشاركة:

لم تتغير الطريقة التي نحب بها بعضنا بعضاً لمجرد اختلاف الأجيال، بل لأن المجتمع نفسه أعاد تشكيل نظرتنا إلى الحب والحرية والارتباط بالآخر. نعيش اليوم مفارقة لافتة: نطالب بأقصى درجات الاستقلال، ونسعى إلى السعادة بوصفها حقاً فردياً، لكننا نزداد ارتياباً من الالتزام، وننظر إلى التضحية باعتبارها انتقاصاً من ذواتنا. وبين رغبتنا في أن نكون أحراراً وحاجتنا العميقة إلى أن نكون محبوبين، تتشكل أزمة الحب المعاصر. فهل تستطيع الفلسفة أن تعيد إلينا فهم الحب، لا باعتباره وسيلة لتحقيق سعادتنا الشخصية فحسب، بل تجربة تغير علاقتنا بأنفسنا وبالعالم؟

ترك لنا أفلاطون، في محاورته «المأدبة»، واحدة من أكثر الصور تأثيراً في المخيال الإنساني عن الحب. تحكي الأسطورة أن البشر كانوا في أصلهم كائنات مكتملة، قبل أن يشطرهم زيوس إلى نصفين، فأصبح كل إنسان يبحث عن نصفه المفقود، متوهماً أن العثور عليه سيعيد إليه اكتماله. غير أن هذه الصورة الشعرية تحولت إلى معيار اجتماعي، جعل الارتباط العاطفي دليلاً على النجاح الشخصي، والعزوبية حالة يُفترض تجاوزها. وكم من علاقة استمرت بعد أن فقدت أسباب استمرارها، لا لأن طرفيها ما زالا يجدان فيها الحياة، بل لأنهما خشيا الاعتراف بأن العلاقة لم تعد قادرة على إنقاذهما من التعاسة.

ومع التحولات التي أحدثتها الحركات النسوية في النصف الثاني من القرن العشرين، تعرض هذا النموذج للنقد، وانفتح المجال أمام تصورات أكثر تنوعاً للعلاقات الإنسانية. لكن التحرر من القواعد التقليدية لم يؤد بالضرورة إلى بناء علاقات أكثر نضجاً؛ ففي الوقت الذي تراجعت فيه سلطة الأعراف، برزت نزعة تختزل الحب في نشوة البدايات، وتمنح الوقوع في الحب قيمة أكبر من بناء علاقة قادرة على الاستمرار. وهكذا انتقلنا، في بعض جوانب حياتنا العاطفية، من تقديس الاستمرار مهما كانت كلفته إلى تقديس المتعة ما دامت لا تطالبنا بما يتجاوزها.

في هذا السياق، تكتسب تأملات الفيلسوف الفرنسي رولان بارت في كتابه «شذرات من خطاب في العشق» أهمية خاصة. فالعاشق ليس مستهلكاً للمتعة، بل إنسان تنفتح ذاته على تجربة تزعزع استقرارها وتجعله عرضة للقلق والخذلان، بقدر ما تمنحه من فرح. ولهذا كثيراً ما يُنظر إلى العاشق باعتباره فاقداً للتوازن، كأن الاستسلام لمشاعر الحب علامة ضعف، وكأن الإنسان لا يكون جديراً بالاحترام إلا إذا استطاع التحكم في كل ما يحدث داخله.

لكن الحب ليس مسألة يمكن حلها بإحكام السيطرة؛ إنه تجربة لا نعرف حقيقتها كاملة قبل أن نخوضها، ولا نستطيع ضمان نتائجها مهما أحسنا الاستعداد لها. ولعل خوليو كورتاثار عبّر عن هذه المفارقة حين كتب في روايته «الحجلة» ما معناه أن الحب ليس قراراً نتخذه متى نشاء، بل صاعقة تهز كياننا وتكسر يقيننا بأننا سادة أنفسنا. فالحب الحقيقي لا يضيف شخصاً إلى حياتنا فحسب، بل يغير الطريقة التي نرى بها الحياة، ويخرجنا من الدائرة المغلقة التي نتمركز فيها حول ذواتنا.

الفلسفة والحب في زمن النرجسية

غير أن ثقافة تجعل المنفعة الشخصية مقياساً للأشياء تجد صعوبة في استيعاب تجربة تقوم على تجاوز حدود الذات. فالحب لا ينسجم مع منطق الحساب الذي يسأل عما سنكسبه، ولا مع عقلية الاستهلاك التي تقيس قيمة الأشياء بمدى ما تمنحه من إشباع سريع. إنه يقتضي الانفتاح على شخص مستقل لا نستطيع التحكم فيه، والقبول بأن العلاقة قد تفرض علينا مراجعة أولوياتنا ومواجهة اختلافاتنا ومخاوفنا. وما يجعل الحب تجربة إنسانية عميقة هو تحديداً ما يجعله محفوفاً بالمخاطر.

يرى الفيلسوف الكوري الجنوبي بيونغ-تشول هان أن المجتمع المعاصر يميل إلى النرجسية، إذ أصبح ينظر إلى الآخرين من خلال قدرتهم على إشباع رغباتنا وتعزيز صورتنا عن أنفسنا. وبدلاً من أن نلتقي بالآخر في اختلافه واستقلاله، نحاول أن نجعله امتداداً لما نريده. لكن هذا الانكفاء على الذات، الذي يبدو دفاعاً عن الحرية، قد يتحول إلى مصدر للوحدة والقلق؛ فالإنسان لا يستطيع بناء وجود غني إذا ظل حبيس صورته الخاصة، ولا اكتشاف إمكاناته إذا لم يسمح للآخرين بتحديها وإعادة تشكيلها.

وتظهر هذه النزعة حين يتحول الجسد إلى موضوع للاستهلاك، ويصبح الآخر وسيلة للإشباع. فالمشكلة ليست في المتعة ذاتها، بل في اختزال الإنسان إلى وظيفة يؤديها ثم يُستغنى عنه. عندئذ تتراجع المسؤولية العاطفية، ويصبح الانسحاب بلا تفسير أمراً مألوفاً، وكأن حقنا في إنهاء العلاقة يمنحنا الحق في تجاهل أثر ذلك في الطرف الآخر. غير أن الحرية التي لا تعترف بوجود الغير تتحول إلى أنانية، واحترام الإنسان يقتضي ألا نستثمر حاجته العاطفية لمصلحتنا، وأن نتحمل مسؤولية الطريقة التي نتعامل بها معه.

ويزداد الأمر تعقيداً في مجتمع يخطط أفراده لحياتهم كما لو كانت مشاريع ينبغي أن تخلو من الوقت الضائع والمخاطر غير المحسوبة. تتنافس العلاقات مع العمل والطموح والالتزامات اليومية، فيما تتيح المنصات الرقمية خيارات واسعة قد تغذي وهماً دائماً بأن الأفضل لا يزال في مكان آخر. وهكذا تتحول وفرة الاختيارات إلى ندرة في الرضا، ويصبح الخوف من تفويت فرصة أفضل عائقاً أمام تقدير العلاقة القائمة.

هنا تستعيد الفلسفة أهميتها الأخلاقية. فمبدأ إيمانويل كانط القائل إن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة، يضع حداً لكل علاقة تختزل الآخر في المنفعة. كرامة الإنسان لا تتوقف على مقدار ما يقدمه لنا، ولا على قدرته على جعلنا سعداء؛ بل إن الاعتراف به يعني احترام استقلاله ورغباته وحدوده. ومن دون ذلك، لا يعود الحب لقاء بين شخصين، بل محاولة من أحدهما لامتلاك الآخر أو توظيفه.

ولا يعني هذا أن الحب يقتضي التضحية المطلقة، أو أن استمرار العلاقة فضيلة مهما كانت مؤذية. فالعلاقة الناضجة تتيح لشخصين مستقلين بناء مساحة مشتركة دون أن يفقد أي منهما حقه في أن يكون نفسه. وهناك فرق بين التنازل الذي يفرضه الخوف من الوحدة، والتنازل الذي ينبع من الرغبة الحرة في المشاركة؛ وبين الالتزام الذي يستنزف الإنسان، والالتزام الذي يمنح العلاقة فرصة للنمو. ليست المسألة أن نضحي بأنفسنا من أجل الحب، بل أن نتجاوز أنانيتنا دون أن نتنازل عن كرامتنا.

ومن هنا، تصبح التربية على العلاقات الإنسانية ضرورة ثقافية وأخلاقية. فالمجتمع الذي يحتفي بالتنوع ينبغي أن يعلّم أبناءه احترام الاختلاف والحدود، والإصغاء إلى الآخرين، وتحمل المسؤولية عن آثار أفعالهم. وتساعدنا الفلسفة على مساءلة تصوراتنا عن السعادة، والتمييز بين الحرية والأنانية، وبين الاستقلال والعزلة، وبين المتعة العابرة وما يمنح وجودنا معنى أعمق.

إن الخروج من نرجسية الحب لا يبدأ بالتخلي عن الذات، بل بالتوقف عن اعتبارها مركز الكون. يبدأ حين ندرك أن الآخر ليس نسخة منا، ولا وسيلة لإثبات نجاحنا، بل عالم مستقل لا نستطيع اختزاله في توقعاتنا. وفي هذه المسافة بين ما نريده نحن وما يكونه الآخر بالفعل، تتحدد إمكانات الحب الحقيقي: أن نقترب دون أن نمتلك، وأن نلتزم دون أن نلغي حريتنا، وأن نمنح دون أن نحول العطاء إلى دين مستحق.

ربما لا تستطيع الفلسفة أن تحمينا من الخذلان، لكنها تستطيع أن تعيد إلينا سؤالاً جوهرياً: ماذا يعني أن نحب إنساناً، لا أن نحب ما يقدمه لنا؟ فالحب ليس ضمانة دائمة للسعادة، بل استعداد لأن نسمح لوجود آخر بأن يغيرنا، وأن نتحمل مسؤولية هذا الانفتاح دون أن نحوله إلى امتلاك. وفي زمن يطالبنا فيه العالم بأن نختار أنفسنا دائماً، قد يكون أعمق أشكال النضج أن نكتشف أن الذات لا تتسع بالانغلاق على نفسها، بل بقدرتها على استقبال الآخر. عندها يصبح الحب أكثر من تجربة للاستهلاك، ويغدو فعلاً إنسانياً يعيد إلينا معنى المشاركة، ويمنح حريتنا اتجاهاً، ويجعل الحياة المشتركة جديرة بأن تُعاش.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة..
 بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها
آراء

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. أين تتجسد عدالة المشاركة لأدباء شمال سيناء؟ قراءة في البرنامج المعلن للدورة الثالثة: بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها بقلم: حسن غريب أحمد تحت عنوان «سيناء.. جغرافيا القداسة وفلسفة الهوية»، تنطلق الدورة الثالثة من ملتقى العريش الثقافي، متزامنةً مع…

· 2 د
حجر آخر في مياه الغراف
آراء

حجر آخر في مياه الغراف

كنت قد ألقيت حجرا في مياه الغراف ولم أنتظر أن يصنع دوائره، تلك حكاية ذابت تماما ، مضت .. لكن هذه هي الحكاية الثانية باختصار . في مساء السبت العاشر من تشرين الأول، في مقهى أكرم المحاذي للجسر القديم في قضاء النصر، وضعت روايتيّ "ما بعد الحلم" و "أشواك رمادية" على طاولة صغيرة وانتظرت والحق أنني لم أوجه…

· 3 د
عملي محرّراً أدبيّاً
آراء

عملي محرّراً أدبيّاً

في النّدوة التي عقدها بتاريخ: 12/10/2026 منتدى شومان الثّقافيّ التّابع لمؤسّسة عبد الحميد شومان بعنوان "الجائزة العالميّة للرّواية العربيّة/ 20 عاماً على الانطلاق"، وأدارها الكاتب والرّوائيّ المغربيّ ياسين عدنان، بصفته أحد أعضاء أمناء جائزة الرّواية العربية (البوكر)، ومن لجنة الجائزة شاركت منسّقة…

· 9 د