ثمة أشياء تبدو، في بدايتها، أكثر سهولة حين نبتعد عنها. يكفي أن نزيل المسافة الجغرافية من المعادلة حتى نشعر أننا ربحنا الوقت والجهد والمال، وأن التكنولوجيا منحتنا أخيراً القدرة على أن نكون حيث نريد، وأن نعمل ونتواصل من دون أن نغادر أماكننا. لكن المسافة، مثل القرب، ليست مجرد مسألة مكان؛ إنها تغير طبيعة العلاقة نفسها.
ولعل هذا ما يجعل العمل عن بعد قريباً، في بعض جوانبه، من الحب عن بعد. كلاهما يمنح في البداية شعوراً بالحرية والاستقلال، لكن كليهما يكشف مع الوقت عن شيء لا تستطيع التكنولوجيا تعويضه بالكامل: أن التواصل الإنساني لا يقوم على الكلمات وحدها، وإنما أيضاً على الحضور.
ولعل أوروبا تقدم مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. ففي بعض بلدانها، ينظر إلى العمل عن بعد باعتباره امتداداً طبيعياً لمرونة العمل؛ يختار الموظف أن يعمل من منزله، ويوفر وقت التنقل ونفقاته، ويحصل على قدر أكبر من الحرية في تنظيم يومه، ويتحمل في المقابل جزءاً من تكاليف هذا الاختيار. وفي بلدان أخرى، تتحول المرونة إلى منظومة شديدة التنظيم: من يدفع فاتورة الكهرباء؟ من يتحمل تكلفة المكتب والكرسي والحاسوب؟ وما حدود حق صاحب العمل في طلب العودة إلى المكتب؟
لكن المشكلة أعمق من سؤال النفقات أو عدد الأيام التي نقضيها في المنزل. فالعمل لا يتحدد فقط بالمهمة التي نؤديها، وإنما أيضاً بالبيئة التي نؤديها فيها، وبالعلاقات التي تنشأ حولها. هناك فرق بين أن تصل إلى زميلك في اللحظة التي تحتاج فيها إلى رأيه، وبين أن تبحث عنه في رسالة إلكترونية. وفرق بين أن تلاحظ تردده أثناء حديث عابر، وبين أن تحاول استنتاجه من جملة مكتوبة على شاشة.
المسافة لا تلغي التواصل، لكنها تغير طبيعته. وقد تبدو هذه المسألة بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بسوء الفهم. في المكتب، قد تنهي نظرة أو ابتسامة أو نبرة صوت موقفاً ملتبساً خلال ثوانٍ. أما حين تتم المحادثة عبر البريد أو الرسائل، فقد تتحول الكلمة العابرة إلى موضوع للتأويل، وقد يأخذ الصمت معنى لم يكن مقصوداً أصلاً.
فكلما اتسعت المسافة، ازداد وزن التفاصيل. وهذا هو الوجه المزدوج للعمل عن بعد. فهو قد يجعل الموظف أكثر ارتياحاً واستقلالاً، ويمنحه وقتاً كان يستهلكه التنقل، ويرفع من جودة حياته. لكنه في المقابل يضعف الحدود بين العمل والحياة الخاصة. فالمنزل الذي كان مكاناً للراحة يصبح مكاناً للعمل أيضاً، ويصبح من السهل أن يمتد يوم العمل إلى المساء، وأن تتحول المرونة إلى ساعات إضافية لا يشعر بها الموظف إلا بعد فوات الوقت.
قد يوفر لنا العمل من المنزل وقت التنقل، لكنه قد يلتهم الوقت الذي كنا نظنه ملكاً لنا.
وفي بدايات انتشار العمل عن بعد، ولا سيما أثناء الجائحة، بدت الصورة أكثر تفاؤلاً. شعر كثيرون بأنهم أكثر إنتاجية في منازلهم، وأظهرت بعض الأعمال القابلة للقياس نتائج أفضل مما كانت عليه في المكاتب. فإذا كانت المهمة هي الرد على عدد محدد من المكالمات أو إنجاز عدد معين من المعاملات، فما الذي يهم أين يجلس الموظف؟
لكن الإنسان لا يعمل فقط فيما يمكن قياسه. شيئاً فشيئاً، بدأت الصورة الأكثر تفاؤلاً تتراجع. وبدأت شركات كبرى تدفع موظفيها إلى العودة إلى المكاتب، ولو لعدة أيام في الأسبوع. ولم يكن السبب دائماً الاعتقاد بأن الموظف في منزله لا يعمل، بل اكتشاف أن ساعات العمل وحدها ليست معياراً كافياً للإنتاجية.
فقد يعمل الإنسان ساعات أطول، ومع ذلك لا ينتج أكثر. فما نفتقده هنا ليس بالضرورة الوقت، وإنما ذلك النوع من التواصل الذي لا يمكن التخطيط له. زميل تلتقيه عند آلة القهوة. حديث قصير قبل اجتماع. سؤال عابر يتحول إلى فكرة. مشكلة صغيرة يطرحها أحدهم فتقود إلى حل لم يكن في الحسبان. مزحة تخفف توتراً. نقاش يبدأ حول العمل ثم ينتهي في موضوع آخر، لكنه يوقظ فكرة جديدة.
هذه التفاصيل تبدو هامشية، لكنها كثيراً ما تكون قلب الحياة المهنية. فغالبا ما كان الإبداع متواريا في الحديث.
وهذا يفسر لماذا يصعب اختزال العمل في قائمة مهام أو عدد ساعات. فالمؤسسات لا تنتج فقط من خلال ما ينجزه كل فرد بمفرده، وإنما أيضاً من خلال ما يحدث بينهم: الأفكار التي تتقاطع، والخبرات التي تنتقل، والمشكلات التي تُكتشف قبل أن تصبح أزمات، والصدف الصغيرة التي تقود أحياناً إلى نتائج كبيرة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن علينا التخلي عن العمل عن بعد، أو أن المكتب هو الحل لكل مشكلة. فالعمل الذي يتطلب تركيزاً عميقاً قد يكون المنزل أكثر ملاءمة له، كما أن توفير وقت التنقل يمكن أن يكون مكسباً حقيقياً لا ينبغي الاستهانة به.
المشكلة ليست في العمل عن بعد، وإنما في الاعتقاد بأنه يستطيع أن يحل محل الحضور في كل الحالات.
وهنا تعود المقارنة الأولى مع الحب لتصبح أكثر وضوحاً. فكما أن العلاقة العاطفية لا تحتاج إلى حضور دائم كي تنجح، فإنها لا تستطيع أيضاً أن تعيش كلها عبر الشاشة. هناك أوقات تكفي فيها رسالة، وأوقات أخرى لا تعوض فيها الرسالة عن اللقاء.
الأمر نفسه في العمل. نحتاج إلى المسافة كي نركز، وإلى القرب كي نتبادل الأفكار. نحتاج إلى الاستقلال، لكننا نحتاج أيضاً إلى الآخرين. نحتاج إلى المرونة، لكننا نحتاج إلى حدود تمنع العمل من التمدد إلى كل ساعات اليوم.
لهذا يبدو النموذج الهجين أكثر إنسانية: ليس كل يوم معاً، وليس كل شيء منفصلاً.
بعض المهام تحتاج إلى الهدوء، وبعضها يحتاج إلى النقاش. بعض الأيام يمكن أن تكون أكثر إنتاجية في المنزل، وأيام أخرى تكون قيمة الحضور فيها أكبر من قيمة الساعات التي يمكن توفيرها.
وربما ينطبق الأمر نفسه على العلاقات الإنسانية عموماً. فالمسافة ليست عدواً، والقرب ليس فضيلة في ذاته. المهم هو أن نعرف متى تكون المسافة مساحة للحرية، ومتى تتحول إلى عزلة، ومتى يكون الحضور ضرورة لا يمكن اختصارها في اتصال أو رسالة.
فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون قريباً طوال الوقت، لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأنه ليس وحده. وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: هل نعمل عن بعد أم من المكتب؟ بل: متى نحتاج إلى المسافة، ومتى نحتاج إلى الحضور؟
في العمل كما في العلاقات، ليست المسألة أن نختار أحدهما ونلغي الآخر، وإنما أن نعرف كيف نستخدم كلاً منهما في الوقت الذي يصبح فيه أكثر قيمة. فالمسافة قد تمنحنا الحرية، لكن الحضور يمنحنا ما لا تستطيع الشاشة نقله كاملاً: التفاصيل، والصدفة، والتفاعل، وأحياناً الفكرة التي لم نكن نبحث عنها أصلاً.







التعليقات