في الرابع من سبتمبر 2026، طلبت نقابة المؤلفين وعدد من الكتّاب الأميركيين من محكمة اتحادية في نيويورك إصدار حكم موجز في دعواهم ضد «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت». يقول المدعون إن الشركتين حصلتا على كتب محمية من مصادر مقرصنة، ونسختاها واستخدمتاها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي من دون إذن أو مقابل. وتطلبان من المحكمة رفض حجة «الاستخدام العادل» التي تستند إليها الشركتان.
تضم القضية أسماء مثل جون غريشام، وجورج ر. ر. مارتن، وجوناثان فرانزن، وجودي بيكو، ومايكل كونيلي. ويرى هؤلاء أن المشكلة لا تنتهي عند نسخ كتبهم، لأن النماذج التي تعلمت منها تستطيع إنتاج نصوص جديدة تدخل السوق نفسها وتنافس الكتاب البشريين. وتقول مذكرتهم إن نماذج «أوبن إيه آي» قادرة على إزاحة المؤلفين لأنها استفادت من أعمالهم. أما «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» فقدمتا بدورهما طلبات للحصول على حكم موجز، وتتمسكان بأن تدريب النماذج يدخل ضمن الاستخدام العادل.
ولم تصدر المحكمة حكمها بعد، لذلك تظل القرصنة والانتهاك واستغلال الأعمال اتهامات يقدمها المدعون ولم تحسم إلى الآن كحقائق قضائية نافذة. تكشف القضية سؤالًا يتجاوز هؤلاء الكتّاب والشركات. فالكاتب يتعلم من قراءة كتب الآخرين، والموسيقي يتعلم من سماع الموسيقى، والفنان يتأثر بتاريخ الفن. لكن الآلة تستطيع معالجة ملايين الأعمال بسرعة هائلة، ثم إنتاج نصوص وصور وموسيقى على نطاق تجاري قد ينافس أصحاب المادة التي تعلمت منها. إذن نحن هنا يصبح مع سؤال أكثر دقة: هل تدريب الآلة امتداد طبيعي للتعلم البشري، أم استخدام تجاري لمخزون الثقافة؟ وإذا كانت الكتب والصور والموسيقى ضرورية لبناء هذه النماذج، فهل يحق لأصحابها معرفة استخدامها والموافقة عليه والحصول على مقابل؟ المحكمة ستبحث القانون، لكن القضية تضع أمام الثقافة سؤالًا جديدًا وخطيرًا وهو من يملك المعرفة عندما تتحول أعمال البشر إلى مادة تتعلم منها الآلة؟
قراءة في الحدث
إن هذه القضية لا تبدو مواجهة عابرة بين مجموعة من الكتّاب وشركتين تقنيتين، كونها تقترب من أصل العلاقة بين الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي. فمنذ طوال قرون طويلة كان الكاتب يقرأ غيره ويتأثر به، ثم يكتب عمله الخاص برؤيته الخاصة. لم يكن أحد يطالب القارئ بدفع ثمن إضافي لأنه تعلم من أسلوب رواية قرأها. لكن ما يحدث اليوم مختلف في الحجم والسرعة والغاية التجارية. فنموذج واحد يستطيع التعامل مع ملايين الكتب، واستخلاص أنماط وأساليب منها، ثم إنتاج نصوص لا حصر لها خلال زمن قصير جدًا وقد يؤسس شخصًا شركة ينتج مئات الكتب بلغات متعددة دون أن يكون أديبًا أو له أي خبرة في الكتابة أو حتى يحب الأدب.
لهذا يصعب اختزال المسألة في سؤال واحد بالقول: هل تعلمت الآلة من كتاب أم نسخته؟
يتضح إذن من معطيات هذه القضية التي لخصناها وعشرات القضايا في دول أوروبية متعددة، أننا في مواجهة كارثة ثقافية كبرى وهنا يوجد جزء مهم في هذه القضية وهو الطريقة الغير شرعية التي وصلت بها الكتب إلى التدريب، ونسيان الحقوق التي يملكها أصحاب الكتب، ثم ما يحدث عندما يعود الناتج إلى السوق نفسها. فإذا كانت شركة تحقق أرباحًا كبيرة من نموذج احتاج إلى ملايين الأعمال البشرية كي يكتسب قدراته، يصبح السؤال عن نصيب أصحاب هذه الأعمال وحقوقهم الفكرية والأدبية، خصوصًا عندما يكون الحصول عليها، وفق اتهام المدعين، قد تم من مصادر مقرصنة.
كما إن منع النماذج من التعلم من كل مادة محمية قد يضع عوائق كبيرة أمام تطور التقنية، ونعلم جميعًا أن التأثر بالأعمال السابقة جزء من تاريخ الثقافة نفسها. لذلك فالحل لا يكون في المنع الكامل ولا في الإتاحة المطلقة.
ما نحتاجه هو تحديد الحدود والقوانين وأن تعلن الشركات بشفافية عن طرق حصولها على الكتب ونعرف بالضبط ما يؤخذ منها؟ومن يستفيد ماليًا من ذلك؟
قد تحسم المحكمة جانبًا قانونيًا من النزاع، لكن من الصعب أن تنهي السؤال الثقافي وتصل لحل نهائي وعدل مطلق.
نعيش في زمن أصبحت المعرفة البشرية مادة اقتصادية هائلة تستثمر ويكون الربج لمن يدير الآلة ويصبح الإنسان خالق الإبداع والمعرفة هو الحلقة الأضعف ولا يكون له نصيب ولا مكسب.







التعليقات