انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الحب من منظور أناركي: حين تتآمر السلطة على القلب

محمد إبراهيم الزموري
محمد إبراهيم الزموري

باحث ومفكر مغربي

6 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
الحب من منظور أناركي: حين تتآمر السلطة على القلب
مشاركة:

لعلّ أكثر الأكاذيب إتقاناً هي تلك التي لا نحتاج إلى من يفرضها علينا، لأننا نتكفّل بأنفسنا بحراستها والدفاع عنها، بل ونورّثها لأبنائنا باعتبارها حقائق منزّلة. والحب، في صورته المعاصرة، واحد من هذه الأكاذيب الجميلة التي نجح المجتمع في تحويلها إلى عقيدة، والسينما إلى معبد، والإعلان إلى نبيّ مبشّر، فيما تحوّل العاشق المسكين إلى مؤمن ينتظر معجزة عاطفية قد لا تقع أبداً. ولعلّ الأناركي، الذي لا يثق كثيراً في السلطات التي تدّعي تنظيم حياته، سيكون أول من يشكّ في هذه السلطة الخفية التي تتسلل إلى قلبه، وتلقّنه مَن يحبّ، وكيف يحبّ، وما الذي ينبغي أن يشعر به حين يحبّ.

ليست المشكلة أن نحبّ؛ فالحبّ، من تجارب الوجود الإنساني التي لا تحتاج إلى إذن حكومي كي تمارسها. لا تصدر وزارة الداخلية ترخيصاً للأم كي تحبّ طفلها، ولا تطلب البلدية من الأخ أن يستخرج شهادة صلاحية قبل أن يعانق أخاه. لكنّ الأمر يصبح أكثر تعقيداً حين ننتقل من الحبّ بوصفه عاطفة إنسانية إلى الحبّ بوصفه أسطورة اجتماعية، ومن الميل الطبيعي إلى إنسان بعينه إلى مطاردة صورة مثالية صنعها خيالنا، ثم أقنعنا العالم بأن العثور عليها شرط أساسي للسعادة.

هنا تبدأ الحكاية المضحكة المبكية: لا نحبّ دائماً من نريد، ولا نريد دائماً من يحبّنا، ونمضي أعمارنا في مطاردة أشخاص لا يبادلُوننا الشعور، بينما نعامل من يمنحوننا المودّة الصادقة كما لو كانوا موظفين حضروا إلى العمل في غير موعدهم. نرفع من لا يريدنا إلى مرتبة الأسطورة، ونخفض من يريدنا إلى مرتبة العاديّ الذي لا يستحق الالتفات. ثم نجلس في المساء، محاطين بالأغاني الحزينة، ونتساءل بجدية الفلاسفة: لماذا نعاني كل هذا العذاب؟ والجواب، في كثير من الأحيان، أننا لا نكتفي بالوقوع في الحبّ؛ بل نصرّ على أن نقع في أكثر نسخه استحالة.

ومن منظور أناركي، يمكن النظر إلى هذه المأساة باعتبارها شكلاً من أشكال السلطة التي لا تحتاج إلى شرطيّ أو سجن. فالسلطة الأكثر نجاحاً ليست تلك التي تجبرك على فعل ما لا تريد، بل تلك التي تجعلك تريد ما اختارته لك، ثم تتركك تدافع عن اختيارك باعتباره أعمق أسرار ذاتك. وقد لا تكون هناك حكومة سرية تجلس في غرفة مظلمة وتخطّط لإفساد علاقاتنا العاطفية، لكنّ ثمة صناعات ثقافية وتجارية ضخمة تستفيد من تشكيل رغباتنا، وتوجيه خيالنا، وإقناعنا بأن الحياة التي نعيشها أقل جمالاً من الحياة التي يمكن بيعها لنا على الشاشة.

منذ أن تحوّلت السينما والموسيقى والإعلانات إلى صناعات جماهيرية، لم يعد الحبّ مجرد تجربة تُعاش بين شخصين، بل صار أيضاً منتجاً قابلاً للتغليف والترويج والتوزيع. صارت الشاشة تعرض لنا الوجوه التي ينبغي أن نرغب فيها، والأجساد التي ينبغي أن نطاردها، والقصص التي ينبغي أن نعيش على منوالها. وبفضل هذه الصناعة العبقرية، لم يعد الإنسان يكتفي بأن يحبّ شخصاً؛ بل أصبح يقارن الشخص الذي يحبّه بشخصية سينمائية، ويقيس علاقته اليومية بمشهد عناق تحت المطر، ثم يشعر بخيبة الأمل لأن شريكه الحقيقي لا يملك إضاءة هوليوود ولا موسيقى تصويرية ترافق دخوله إلى المطبخ.

يا لها من مظلمة تاريخية! لقد أصبحنا نطالب البشر العاديين بأن يؤدّوا أدواراً كُتبت لكائنات من الخيال، ثم نعاقبهم لأنهم لم ينجحوا في الاختبار. نريد حبيبة تجمع جمال أساطير الإغريق، وذكاء الفلاسفة، وحنان الأمهات، وصبر الملائكة، على أن تتنازل، عند الضرورة، عن حقّها في أن تكون إنسانة لها مزاجها وعيوبها وأيامها السيئة. ونريد حبيباً وسيماً كنجوم السينما، غنياً كأصحاب المصارف، حساساً كشاعر رومانسي، وقادراً على فهم صمتنا من دون أن نشرح شيئاً، مع أنه قد يعجز عن فهم سبب غضبنا لأنّه نسي شراء الخبز.

وليس في ذلك انتقاص من الفنّ أو من قصص الحبّ العظيمة، ولا ادعاء بأن الأدب والموسيقى مؤامرة واحدة ضدّ البشرية. فالفنّ قادر على كشف التجربة الإنسانية وتعميقها، مثلما يستطيع السوق تحويلها إلى قالب استهلاكي. المشكلة تبدأ حين نخلط بين الصورة والحياة، وبين التعبير عن الحبّ وفرض نموذج واحد له. فليس كلّ حبّ عظيم بحاجة إلى نهاية مأساوية، وليس كلّ علاقة هادئة دليلاً على موت العاطفة، وليس كلّ قلب لا يحترق كلّ ليلة قلباً خالياً من المشاعر. أحياناً يكون الحبّ الحقيقي شخصاً يتذكّر موعد دوائك، أو يستمع إلى شكواك للمرة العاشرة، أو يترك لك آخر قطعة من الحلوى، من دون أن يطلب من عازف كمان أن يوثّق الحدث.

إنّ الأناركية، إذا تجاوزنا صورتها الكاريكاتورية المرتبطة بالفوضى، تقوم على الارتياب في السلطات التي تنتزع من الفرد استقلاله، وعلى البحث عن علاقات تقوم على الحرية والاختيار والتكافؤ، لا على الإكراه والتبعية. ومن هذا المنظور، لا يكون الحبّ تحرّراً لمجرّد أنه عاطفة قوية؛ فقد يتحوّل هو نفسه إلى سلطة حين يصبح امتلاكاً، أو ابتزازاً عاطفياً، أو مطالبة مستمرة بالتضحية من طرف واحد. وليس من الحرية أن نرفض سلطة الدولة كي نقيم، داخل العلاقة، دولة صغيرة لها حاكم واحد ومواطن واحد محروم من حقوقه الأساسية.

الحبّ الذي يستحق اسمه لا يطلب من الإنسان أن يلغي ذاته كي يثبت إخلاصه، ولا يحوّل الغيرة إلى وثيقة ملكية، ولا يجعل الألم دليلاً إلزامياً على عمق الشعور. إنّه علاقة بين شخصين حرّين، لا عقد استسلام يوقّعه أحدهما على بياض. وهو لا يقتضي أن يكون الطرفان متطابقين، بل أن تكون بينهما مساحة من الاحترام تسمح لكلّ منهما بأن يظلّ نفسه، وأن يختلف من دون أن يتحوّل الاختلاف إلى جريمة عاطفية.

ومع ذلك، ينبغي ألا نقع في الوهم المعاكس، فنختزل الحبّ في معادلة حسابية باردة، أو نزعم أنّ على الإنسان أن يحبّ فقط من يحبّه، كما لو أنّ العاطفة متجر يردّ البضاعة غير المتكافئة ويستبدلها بأخرى. فالمشاعر لا تخضع للأوامر، ولا يمكن إرغام القلب على مبادلة الشعور لمجرد أن الطرف الآخر يستحقّه. لكنّنا نستطيع، على الأقل، أن نتعلّم التمييز بين حبّ لا يُبادَل وبين عبودية نختار البقاء فيها، وأن نفهم أنّ عدم حصولنا على شخص لا يعني أنّنا فقدنا القيمة التي تجعلنا جديرين بالحبّ.

ولعلّ التمرّد الحقيقي يبدأ حين نتوقّف عن عبادة الصورة المثالية، ونكفّ عن معاقبة الواقع لأنه لا يشبه الخيال. أن نحبّ إنساناً لا إعلاناً، وأن نرى في ملامحه العادية جمالاً لا يحتاج إلى موافقة لجنة تحكيم، وأن نسمح للعلاقة بأن تنمو بعيداً عن المقارنات التي تفرضها الشاشات. فليس مطلوباً من شريكنا أن يكون نسخة من بطل سينمائي، كما ليس مطلوباً منا أن نكون نسخة من العاشق الذي صاغته أغنية تجارية مدتها ثلاث دقائق.

في النهاية، لا يحتاج الحبّ إلى ثورة تطيح بالحكومات كي يتحرّر، بل إلى ثورة صغيرة داخل وعينا، نعيد فيها النظر في رغباتنا، ونشكّك في المعايير التي ورثناها، ونستعيد حقّنا في اختيار ما يناسبنا، لا ما يُقال لنا إنّه الأجمل والأكثر إثارة للإعجاب. فالعالم لا ينقصه مزيد من العشاق الذين يتقنون تمثيل الألم، بل يحتاج إلى أشخاص يتعلّمون كيف يحبّون من دون أن يحوّلوا الحبّ إلى سجن، وكيف يرحلون حين تصبح العلاقة شكلاً من أشكال الإذلال.

أحبّ من تستطيع أن تكون معه نفسك، لا من تضطرّ إلى تمثيل دور أمامه. اقترب ممن يبادلك المودّة، من دون أن تتوهّم أنّك تستطيع شراء قلب أحد أو استحقاقه بالقوة. ولا تصدّق أنّ السعادة تسكن حصراً في وجه مرسوم على ملصق إعلاني، أو في جسد اختارته شركات التسويق ليكون معياراً للجمال. ففي هذا العالم المزدحم بالصور المثالية، قد يكون أجرأ أشكال التمرّد أن تحبّ إنساناً حقيقياً، بوجهه الذي لا يخضع للفلاتر، وعيوبه التي لا تصلح للإعلانات، وقلبه الذي لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يختارك.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دونيّة المثقف العراقي؟
آراء

دونيّة المثقف العراقي؟

ليس السؤال عمّا إذا كان المثقف العراقي دونيًّا بطبيعته، فذلك حكم كسول لا يصلح لدراسة جادة، بل السؤال الأكثر إزعاجًا: كيف يمكن لمثقف يمتلك أدوات النقد، ويجيد تفكيك السلطات، ويكشف آليات الهيمنة في كتبه ومحاضراته، أن يتحول، بمجرد دخوله مهرجانًا أو ملتقى ثقافيًّا، إلى كائن مرتبك، كثير الإعجاب، غزير…

· 10 د
ماذا سنعبد بعد أن فقدنا الإيمان؟
آراء

ماذا سنعبد بعد أن فقدنا الإيمان؟

(تعس عبد الدينار)، هذه حقيقة ندركها اليوم بعد أن تهاوى الصنم الذي سجدت له الإنسانية طويلاً، فلم تكن العملة على مدار خمسة آلاف عام مجرد معدن أو ورقة، بل كانت (عقيدة) تقوم على الإيمان الجمعي بقانون غير مرئي يحرس ندرتها ويحفظ تعب اليوم ليُشتري به خبز الغد. كل نظام نقدي عرفته البشرية كان يرتكز على…

· 3 د
بين الوطن والعقيدة.. رؤية في الوعي وبناء الهوية
آراء

بين الوطن والعقيدة.. رؤية في الوعي وبناء الهوية

ذكرى لعيبي يواجه العقل الجمعي في مجتمعاتنا أزمة حادة في ترتيب المفاهيم وتحديد بوصلة الانتماء، وهي أزمة تطفو على السطح بعنف كلما مرت البلاد بمنعطف سياسي أو هزة أمنية. ولعل الجدلية الأكثر استعصاءً وتداولاً في الفضاء العام هي محاولة المفاضلة المفعلة بين "الوطن" ككيان جغرافي وسياسي، وبين "العقيدة"…

· 3 د