لم تفشل السلطة في العراق لأكثر من عشرين سنة في عملها السياسي والإداري وحسب ، بل فشلت أيضاً في إيجاد منطقة مشتركة بينها وبين المجتمع ، وما فقدان الثقة المتبادل بين الجهتين إلا دليل على ذلك . منذ بداية القرن الواحد والعشرين والمجتمع العراقي يمر مضطراً بمطبّات كثيرة بسبب التحولات السياسية والإقتصادية العالمية وصعود اشخاص غير مؤهلين الى مواقع الإدارة وصنع القرار بسبب افتقارهم الى ثقافة وعي طبيعة وطريقة حياة المجتمع . بمرور اكثر من عقدين من الزمن اعتاد المجتمع العراقي مرغماً على حالات الفوضى والتفاهة ، لكنه لم يفقد قدرته على التمييز بين الصالح والطالح ، فضلاً عن تميّزه بصفتين بالغتي الأهمية في نظري وهما الكرم والكرامة . ومن ناحية تاريخية وعلى وفق ما ذهب اليه الراحل الشيخ الدكتور احمد الوائلي ، ان من بين الأسباب التي حملت الإمام علي عليه السلام على نقل مقر خلافته الى العراق ، هو تمتع المجتمع العراقي ( بخلفية فكرية اوسع من الخلفية الفكرية التي في الحجاز ، وان مدرسة العراق هي مدرسة الرأي ، ومدرسة الحجاز هي مدرسة الأثر) .
في التشكيلة الوزارية الأخيرة ، لم يحسم امر وزارة الثقافة ، بحكم غلبة مذهب المحاصصة الحزبية على العمل الحكومي الذي كشف الواقع عن افتقاره الحاد الى وعي طبيعة المجتمع وعياً ثقافياً ، والى ادراك طريقة حياته إدراكاً مسؤولاً . لذا فليس من الامل انتظار ولادة سليمة للحقيبة الوزارية للثقافة . ليس هذا مبلغ همّنا ، انما هو ثقافة النخبة التي لا تزال في مساحة كبيرة منها ، تعمل بفكرة العمل الادبي والفني للثقافة ، في حين يقتضي الواقع المخيف للمجتمع ، إعادة النظر في مفهوم الثقافة لتصبح ذلك الفهم الانثروبولوجي الذي يعنى بطبيعة وطريقة حياة المجتمع التي من بينها العمل الادبي والعمل الفني . في الأيام الأخيرة نشر عدد من الكتاب والصحفيين مقالات اشادة بزميل لهم يرونه مؤهلاً لشغل منصب وزير الثقافة ، في كل المقالات التي قرأتها لم اجد من يبحث او يتحدث عن مشروع عمل واضح الخطوات للوزير القادم ، بقدر انشغال أصحاب تلك المقالات بعرض مواصفات ومؤهلات زميلهم فجاءت اكثر الكتابات لتذكر : له خبرة . له علاقات . له رؤية . لديه إصرار على العمل . يمتلك ما يكفي من الهمة . كان قريباً من شريحة الصحفيين . كان قريباً من ذوي الشهداء . متواضع . لا يتوانى عن تقديم الخدمات . قدّم العون مرارا لكثير من المستحقين . تكفل بعلاج عدد من الفنانين والصحفيين والادباء . شارك في مجالس عزاء ادباء وفنانين وصحفيين . ساهم في أنشطة عديدة .. اثبت حضوره . لم يغفل الجانب الإنساني في علاقاته . جمع بين اخلاق المهنة وحب الوطن . كاتب واكاديمي وصحفي وموظف مخلص ونزيه . يؤكد دائماً على المهنية والمهارة في العمل . رافقه النجاح في تنقلاته الوظيفية . عضو في كذا وكذا . مؤسس ومشارك في كذا وكذا . شخص يحب العلم والعمل ويحترم رجال الثقافة ومحب للفنانين ومتعاون مع الصحفيين .. وهكذا .
مثلما تكشف هذه الكتابات عن هم ثقافي يحمله أصحابها ، فهي تكشف كذلك عن غياب المشروع الثقافي المتصل بواقع المجتمع ، فقد جاءت هذه الكتابات كما الحملات الدعائية التي يروج لها أوقات الانتخابات والتي لم يجن المجتمع منها نفعاً يرقى الى مستوى احتياجاته .
الثقافة والمجتمع وجهان لعملة واحدة كما في وجهة نظر مشتغلين في علم الانسان ، لذا اقتضى واقع الحال البحث فيمن لديه مشروع ثقافي معدّ ، لا مجرد عنوانات ورؤوس أقلام كما ظهر . اعتقد ان في الحقيبة الوزارية للثقافة يمكن ان نجد مشروعاً يوازن الخلل والاضطراب الذي احدثته السياسة في البلاد ، لكن الأمر يقتضي عملاً جماعياً لمثقفي النخبة ، فالمثقف النخبوي هو مواطن مثلما هو كاتب وصحفي وفنان ، وهو انسان بالضرورة ، واذا اجتمع الانسان بالرأي كانت الثقافة الهادفة التي تأخذ بيد المجتمع الى واقع افضل .
لو كانت أحزاب السلطة تسمعني ، لطلبت اليها ان تتوقف عن محاصصة وزارة الثقافة ، وان يفسحوا المجال للمثقفين لترميم وإعادة بناء المتهالك من بنيان المجتمع بسبب سياساتهم .
مشروعنا هو فصل الثقافة عن سياسة الحزب الحاكم ، وتحويل وزارة الثقافة الى مؤسسة من مؤسسات الدولة المستقلة كما القضاء ومفوضية الانتخابات . يكون هدفها تمكين المجتمع ثقافياً عبر التعليم والإعلام الهادف القائم على فهم واسع للثقافة كطبيعة وطريقة حياة للفرد والمجتمع . وهو مشروع تنسيقي مع كل مؤسسات الدولة يكفل معالجة مشاكل الفرد والاسرة والمجتمع ، وينعش الحياة الثقافية ليظهر دور المثقف كقيادة ضرورية في المجتمع ، وليس كمظهر من مظاهر الحياة .
ان دواعي الحاجة الى تمكين المجتمع ثقافياً بات ضرورة وحاجة ملحة يمكننا تحقيقها من خلال نوعين من الجهود:
جهد ذاتي
جهد مؤسساتي
الجهد الذاتي: هو ما يقدمه الباحث من دراسات انثروبولوجية في الثقافة على شكل منشورات ، ومقالات ، وبحوث ، ودراسات. ونشرها على شكل مطبوع ورقي ، أو منشور الكتروني ، عبر مواقع التواصل في شبكة الإنترنت ، بما يمكن أن تحدثه تلك الجهود من حركة ثقافية غير ملتزمة بمؤسسة او جهة ثقافية مستقلة كانت أو رسمية .. هي جهود كثيرة يقوم بها عدد غير قليل من كتاب ومفكرين في العالم العربي من خلال محاضرات ثقافية وندوات فكرية وكتب ، او مقاطع صوتية ومقاطع مصورة يتم تقديمها عبر حسابات المثقفين الشخصية في تطبيقات مثل ( الفيسبوك والواتساب والتلغرام والانستغرام وغيرها ) . يمكن لهذه الجهود الفردية الذاتية ان تسهم في تحريك الواقع ثقافياً وتكوين شبكة تواصل ثقافية عابرة للحدود الجغرافية ، الا انها مهما بلغت من نشاط تبقى جهوداً محدودة الأثر والتأثير في المجتمع ، فهي قد تنجح في تكوين جماعات ومجاميع الكترونية (كروبات) يتم فيها تداول القضايا المهمة ثقافياً ، لكن نصيب العامة من نتاجات هذه النخب الثقافية يكون قليلاً او محدوداً جداً.
الجهد المؤسساتي : يتم هذا الجهد عن طريق ثلاثة انواع من المؤسسات :
مؤسسة ثقافية مستقلة .
مؤسسة ثقافية رسمية.
مؤسسة ثقافية دينية .
- المؤسسة الثقافية المستقلة : اشارة الى كل مجموعة ثقافية مستقلة تشكلت على اساس العمل الثقافي الهادف. في كل مجتمع عدد لا بأس به من هذه المجاميع والمنظمات والمراكز الثقافية تضم عشرات أو مئات الأعضاء من مفكرين وكتاب واكاديميين وأدباء وشعراء وفنانين وتربويين . يمكن لإدارة هكذا منظمة او مؤسسة أو مركز ثقافي ، ان تكثف جهودها في حث أعضائها على الإهتمام والإشتغال بالدراسات الإنثروبولوجية في مجالات الثقافة وتنسق مع جهات ثقافية اخرى في داخل البلاد وفي خارجها مستفيدة من قنوات التواصل الالكترونية ومواقع النشر وقنوات البث الالكتروني، وتعمل على تقديم مادة سهلة تخاطب بها المثقف العربي عموما ، آخذة في نظر الاعتبار تباين مستويات المتلقين ومداركهم وثقافاتهم ، من اجل تحقيق اعلى نسبة تفاعل مع مضامين ومنشورات ومحاضرات وبحوث تلك المؤسسة او ذلك المركز الثقافي ، ويعد هذا النوع من الجهد اكثر حراكاً من الجهد الذاتي ، لكن هناك مشكلة تواجه العمل الجمعي في مجتمعنا العراقي خصوصاً والمجتمع العربي عموماً ، وهي ان المثقف أو الكاتب أو المفكر العراقي أو العربي أقدر على العطاء والإبداع الفردي منه على العطاء والابداع الجماعي لإعتبارات كثيرة يتعلق ابرزها باختلاف الأمزجة والميول النفسية والدوافع الشخصية ، اكثر من الإعتبارات الثقافية ذاتها . لكن اذا وضعنا في حساباتنا اولوية للهدف المرجو من ذلك العمل الجماعي ستسهل كثير من التعقيدات وستتبدد كثير من القيود. لا شك ان هناك كثيراً من النجاحات تحققت على يد هكذا مؤسسات ثقافية مستقلة في المجالات المحددة التي اشتغلت عليها.
- المؤسسة الثقافية الدينية : يمكن للمؤسسة الدينية بحكم إمكاناتها ، تبني مشروع نهضة ثقافية في المجتمع بإستقطاب باحثين ومفكرين ودعوتهم وحثهم وتحفيزهم على الإهتمام بالدراسات الإنثروبولوجية في الثقافة ، بما ينتج عنه تقارب ملحوظ عملياً بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية في سبيل تمكين المجتمع ثقافياً ، اعتماداً على الهوية الثقافية للفرد والمجتمع ذات الطابع الديني في العراق وفي المجتمع العربي بشكل عام.
- المؤسسة الثقافية الرسمية : اعني بها النشاط الرسمي للثقافة كمؤسسة حكومية.. ظهرت دعوات لمثقفين هنا وهناك في العالم العربي ، الى فصل الدين عن الدولة كحل يخرج المجتمع العربي من حالة التراجع التي يعيشها في القرن الواحد والعشرين ، ويساعده على اللحاق بالتطور في العالم . لأسباب ذكرتها في مقالات سابقة ، قلت انني لست مع دعوات فصل الدين عن الدولة في المجتمع العربي المعاصر ، لذا مقابل هذه الدعوات، ادعو الى فصل الثقافة عن سياسة الدولة بحيث تبقى المؤسسة الثقافية الرسمية جزءاً من مؤسسات الدولة كما بينت ، ليس لها علاقة بسياسات الأنظمة الحاكمة فيها ، وتكون مهمة الثقافة هي تمكين المجتمع ثقافياً ويشرع ذلك بقانون، تحدد له السياقات والأطر التي تحقق هذا الهدف .
هي محاولة قد تنفع في انقاذ هذا الواقع المتراجع الذي بدأ تراجعه يهدّد سلامة استمرار واستقرار الحياة .
اننا بمشروع النهضة الثقافية وبفصل الثقافة عن سياسة الدولة ، يمكننا ان نحقق الآتي:
إحتواء الواقع المضطرب وإعادته الى حالة التوازن وهو أمر ممكن لإرتباطه بإستعداد الناس للتغيير وقدراتها على ذلك ولرفضها التطورات المفاجأة التي تمر بهم .
نستطيع بمشروع النهضة الثقافية أن نتحكم بالمحتوى الثقافي الذي يتم تداوله عبر مواقع الإنترنت ومنصّات التواصل وتطبيقات الذكاء الإصطناعي ، فالتقنية الحديثة موجهة للجميع لا تستثني فئة عمرية ولا مرحلة تعليمية ولا طبقة اجتماعية .
نستطيع توظيف التقنية الرقمية المتطورة في تسهيل تداول الثقافة الهادفة المرتبطة بتراث وتاريخ وحضارة ودين المجتمع عبر مناهج حديثة تخاطب في المتلقي ثلاثية العقل والنفس والقلب ، لأننا لاحظنا من خلال البحث الانثروبولوجي ان التقنية الحديثة تخاطب النفس وتعرض لها تحقيق رغباتها وتقدّم لها عدّة خيارات تتناغم مع قلّة الصبر وقلّة الخبرة وقلّة الحكمة التي بدت تغلب على كثير من أبناء العصر الجديد .







التعليقات