انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أحلام صاغ الليل توهجها.. فأخفى النهار تفاصيلها

عباس الصالحي
عباس الصالحي

كاتب وإعلامي عراقي

3 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
أحلام صاغ الليل توهجها.. فأخفى النهار تفاصيلها
مشاركة:

هناك أحلام تسكن أعماقنا، لا يعرف عنها أحد، ولا تجد طريقها إلى الكلام، لكنها تبقى حيه في داخلنا، تنتظر لحظة هدوء نتصالح فيها مع أنفسنا، ونسمح لأرواحنا بأن تحكي ما عجزت ألسنتنا عن قوله.

نعم فحين نضع رؤوسنا على الوسائد ليلا، ونطفئ أضواء الغرف، تبدأ أضواء أخرى بالتوهج في داخلنا، حيث لا ضجيج، ولا التزامات، ولا وجوه تنتظر منا شيئا.

هناك فقط نحن، وأرواحنا، وأحلام التي طالما خبأناها خلف ابتساماتنا، أو أجلناها بالف حجه وحجه.

في تلك اللحظات تبدا نحلم بالكثير...

حياة أكثر هدوء، قلب يفهمنا دون أن نضطر إلى شرح أوجاعنا، وشخص يشبه أرواحنا، أمان لا يعقبه خوف، وطمأنينة لا يهددها الغياب، ولقاء يعيد إلى أرواحنا شيئا من عافيتها، وابتسامة صادقة تجعلنا نشعر بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تستحق أن نحبها.

نحلم بأن نبدأ من جديد، وأن نصل إلى ما تمنيناه طويلا، وأن نعوض شيئا من أعمارنا التي مضت في الركض خلف مسؤوليات الحياة.

 لكن ما إن تظهر خيوط الصباح، حتى تعلن عن حكاية الأخرى.

حكاية الالتزامات، ومطالب العيش، وقلق المستقبل، ومسؤوليات لا تنتظر مزاجنا، ولا تسأل أرواحنا إن كانت قد نالت قسطا كافيا من الراحة.

ننهض، نرتب وجوهنا، ونمضي إلى أعمالنا، نحمل همومنا بصمت، ونؤدي أدوارنا كما لو أن بداخلنا لا شيء سوى القوة والقدرة على الاحتمال.

وهكذا تتوارى أحلام الليل خلف زحام النهار، وتختفي تفاصيلها بين مكالمة عابرة، وعمل مؤجل، وطلب عاجل، وخبر يقلقنا، وهم جديد يضاف إلى قائمة همومنا القديمة.

والأغرب من ذلك أننا قد نمضي سنوات طويلة ونحن نؤجل ما نحب، ونقنع أنفسنا بأن الغد سيكون أفضل، وأن الفرصة ستأتي، وأن الوقت ما زال أمامنا.

حتى تصبح أحلامنا أشبه برسائل قديمة نحتفظ بها في أعماقنا، نعود إليها كلما أرهقنا الواقع، ثم نغلقها سريعا خشية أن يوقظنا الحنين إلى حياة لم نعشها بعد.

وهنا تكمن الحكاية.. ليست المشكلة في أن نحلم ليلا، بل في أن نظل نحلم دون أن نمنح أحلامنا فرصة واحدة لتصبح حقيقة.

ليس مطلوبا منا أن نغير حياتنا دفعة واحدة، ولا أن نحقق كل أمنياتنا في يوم وليلة.

يكفي أن نمنح أنفسنا خطوة صغيرة في الاتجاه الذي نحب، وأن نخصص من أعمارنا وقتا لما يمنح أرواحنا المعنى، وألا نسمح لضرورات الحياة بأن تقنعنا بأننا خلقنا للعمل والانتظار والتعب فقط.

فبعض الأحلام لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار.

وبعض الأمنيات لا تحتاج إلى سنوات أخرى من التأجيل، بل إلى شجاعة البداية.

وبعض ما نبحث عنه بعيدا قد يكون أقرب إلينا مما نظن، لكننا اعتدنا النظر إليه من نافذة الخيال، ولم نجرؤ يوما على فتح الباب.

وهنا تجاهلنا عمدا أن العمر ليس ما نمضيه في السعي وحده، بل ما نعيشه أيضا من حبّ وطمأنينة ومعنى.

وأجمل انتصارات الإنسان ليست دائما تلك التي يصفق لها الآخرون، بل تلك التي يشعر بها وحده حين يضع رأسه على وسادته ليلا، فيكتشف أنه اقترب خطوة من الحلم الذي ظل يرافقه طويلا.

فكم من حلمٍ أضاء عتمة الليل، ثم أطفأه ضجيج النهار..

وكم من أمنية نامت في أعماقنا سنوات، لا ينقصها سوى أن نمنحها من أعمارنا فرصة للحياة.

 ويبقى السؤال.....

هل عشنا اليوم كما أردنا، أم اكتفينا بأن ننجو من يوم آخر؟

فالليل ليس مكانا نهرب إليه من الحياة، بل مرآة نرى فيها الحياة التي نتمنى أن نعيشها.

مشاركة:

آخر تحديث: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٢١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة..
 بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها
آراء

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها

ملتقى العريش الثقافي تحت المساءلة.. أين تتجسد عدالة المشاركة لأدباء شمال سيناء؟ قراءة في البرنامج المعلن للدورة الثالثة: بين الاحتفاء بهوية سيناء وحق أبنائها في تمثيلها بقلم: حسن غريب أحمد تحت عنوان «سيناء.. جغرافيا القداسة وفلسفة الهوية»، تنطلق الدورة الثالثة من ملتقى العريش الثقافي، متزامنةً مع…

· 2 د
حجر آخر في مياه الغراف
آراء

حجر آخر في مياه الغراف

كنت قد ألقيت حجرا في مياه الغراف ولم أنتظر أن يصنع دوائره، تلك حكاية ذابت تماما ، مضت .. لكن هذه هي الحكاية الثانية باختصار . في مساء السبت العاشر من تشرين الأول، في مقهى أكرم المحاذي للجسر القديم في قضاء النصر، وضعت روايتيّ "ما بعد الحلم" و "أشواك رمادية" على طاولة صغيرة وانتظرت والحق أنني لم أوجه…

· 3 د
عملي محرّراً أدبيّاً
آراء

عملي محرّراً أدبيّاً

في النّدوة التي عقدها بتاريخ: 12/10/2026 منتدى شومان الثّقافيّ التّابع لمؤسّسة عبد الحميد شومان بعنوان "الجائزة العالميّة للرّواية العربيّة/ 20 عاماً على الانطلاق"، وأدارها الكاتب والرّوائيّ المغربيّ ياسين عدنان، بصفته أحد أعضاء أمناء جائزة الرّواية العربية (البوكر)، ومن لجنة الجائزة شاركت منسّقة…

· 9 د