غالبا ما تواجهنا مصطلحات سائدة في الثقافة الغربية المعاصرة تتعلق بالمقارنة بين عالم غربي وآخر إسلامي، وهي مقارنة تجافي الصواب لأنها تضع في كفتيّ الميزان أمرين من جنسين مختلفين؛ فالعالم الغربي تعبير عن صفة جغرافية أولا ثم حضارية تطورت عبر الفلسفة اليونانية والرومانية وصولاً إلى التنوير والعلمانية، بينما تفضي التسمية الثانية "العالم الإسلامي" إلى الإحالة على الدين بوصفه مفهوماً عقائدياً فقهياً، مغفلةً ما سبقه من تكوينات حضارية سابقة، وبرغم التأثير الكبير للدين الإسلامي في صناعة ثقافة وحضارة لها بصمتها في تاريخ الحضارات العام، إلا أن وسم عالمنا بسمة الإسلام فحسب، يتناسى أو يلغي تأثير مجموع الحضارات والثقافات الأسيوية -بشرقيّها وغربيّها- التي رفدت مواطن ظهورها وما جاورها بمعين ثقافي كبير، امتد أثره ليشمل الإسلام كعقيدة وثقافة، وهو ما أكّدته النصوص الإسلامية الأساسية من حيث جواز الأخذ عن السابقين.
وفي السياق ذاته، أبقى الإسلام في زمن ظهوره على الكثير من القيم السائدة، ولم تكن تلك القيم إلا نتاجا لخليط الثقافات القائمة في جزيرة العرب والنابعة من داخلها والمتدفقة إليها من محيطها الجغرافي؛ الهلال الخصيب، فارس، الحبشة، بيزنطة، واستمرّ ذلك الأثر الحضاري للثقافات السابقة ظاهراً بوضوح حتى يومنا هذا، كما أن سقوط السلطنة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، كان قد أرّخ لنهاية آخرِ دولة دينية كبيرة تدين بالإسلام، ومن بعدها تحوّل الحكم في معظم الممالك العثمانية السابقة إلى حكم عسكري غير ديني، يفيد من الحداثة الغربية بنسب متفاوتة، فالأولى إذن أن يشار إلى العالم الإسلامي بمسمّى العالم الشرقي على سبيل المثال، فهو بذلك يشتمل على ما تمخّض عن المنطقة -من الصين حتى شمال أفريقيا- من ثقافات مختلفة ذات سمات خاصة لكل منها على حدة، وملامح عامة مشتركة يمكن أن تشكل جامعاً مفهومياً؛ مركزية الأسرة، البعد الروحي والأخلاقي في مواجهة المادية المفرطة، تاريخ الاستعمار المشترك...
ولعلّ صبغ الشرق بصبغة الإسلام دون سواه، يعني أن هذا الإقليم الواسع لم يفلح في صناعة ثقافة جديدة بعد الإسلام، بينما تمكّن الغرب بعد الاندحار السياسي للمسيحية، من خلق حضارة جديدة بمعناها الشامل، لا تقوم على الإيمان بالمسيحية أو على عموم المنطق الديني المبني على الإعجاز والتسليم الغيبي. إن جوهر الإشكالية يكمن في التحيز المنهجي للمنظومة الثقافية المعاصرة التي تقارن غرباً تجاوز مرحلته الدينية وصنع حداثة "كونية"، بشرق يصرّ الخطاب السائد على حبسه في قالبه الديني القديم، مما يظهره دائماً في موقف "المتأخر" أو "العاجز عن اللحاق بالعصر".







التعليقات