انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قصيدة

صالح البياتي
صالح البياتي

قاص وروائي عراقي

3 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
قصيدة
مشاركة:

لن يقص علينا يوسف بعد الآن شيئا عن محنته ،

يقول الصديق : كنت في تلك الليلة ، منبوذا وحدي في الجب  ،

تراءى لي أني أرى أشباح أخوتي ، لم يكن إلا الزمن يفرقنا

وقد طوى جناحه، وحط الرحال سريعاً في بغداد ،

شاخ الزمن كثيراً وأنا في الغيهب ، ولكن أمثال أخوتي لم يهرموا

وضعوا على وجوههم الجديدة أقنعة آخرى،

كنت أسمع رنين الدراهم في جيوبهم ، وأرى قاماتهم تتماهى في الأفق،

كأنو سكارى بخمرة الخبث ، وأصواتهم تجرح طيور السماء

وأكتافهم تهتز طربا من الضحك ، حينما يسرفوا بالشتيمة،

رأيت أشباحهم  في حلكة ليل الصحراء ، تولي الأدبار،

وكان قرع نعالهم الثقيلة يفزع القطا ، رأيتهم يدخلون بغداد،

من غربها ، فإختلط في رأسي صدى صراخهم المرعب،

ودوي إنفجارت هزت بيت المقدس ، وأركان الكعبة ،

رأيت فوقي من فتحة الجب ، ناراً تقدح في السماء السوداء ،

وبروقاً شرقية تومض وتنطفئ، في ليلة آذارية مكفهرة

أرعبت آبي يعقوب في خيمته المنعزلة  ،

فبكى حتى إخضلت لحيته البيضاء على بغداد ،

أم المدن العظمى ولؤلؤة الشرق القديم ،

وحين عاد أخوتي سألهم أبي : من أين قدمتم  ؟ ،

قالوا : تهنا أياماً وليال في عاصفة الصحراء العربية ،

وكنّا قبائل وعشائر شتى، من عرب المشرق والمغرب ،

ودخلنا بغداد من باب الشام ، مع جحافل المحتلين الغزاة ،

وفي الطريق ، نحرنا لهم الجزور طعاما لجنودهم

وأشعلنا في كتبنا المقدسة النيران ، فأنرنا لهم الطريق ،

 وأرقنا لهم خمرتنا المعتقة ، وكان مزاجها الدم وماء الوجه ،

 وعبثنا معهم  بأوراق الإرشيف البابلي ، 

وربطنا خيولنا في عروة بوابة المتحف القديم ،

وحطمنا غطرسة نبوخذنصر، وبابل ، كنّا مع الغزاة أدلاء ونصحاء وأصحاب ،

ورقصت فتياتنا لهم الدبكة حتى الفجر،

وحين سألهم أبي : وأين تركتم أخاكم يوسف ؟ قالوا عجباً تسألنا عنه ،

وهل كان لنا أخ أسمه يوسف ؟ لا ريب أن أبانا يهجر

،أو أن العزلة والشيخوخة أنسته من نحن

فإختلط عليه  الأمر، فتوهم إنَّا كنّا نلهو ونستبق كالصبية ،

أو إنَّا كنّا نستقبل ونأوي الغزاة كما يفعل الرجال أمثالنا ،

ورموا أمامه أكياساً ملآى بقناطير الذهب ،

قال :  بل سولت لكم أفعالكم عذراً ، فصبراً حتى ينجلي الأمر ،

ولكني أشم رائحة دم يوسف تفوح من أكياسكم ،

وأرى بغداد كقنديل يضئ بدمه الحرام ،

يسطع كنجمة الصبح ، يخترق أطباق الدخان ،

أرى دمه وسط النيران يتلظى ، يتوهج بالنبوءات ،

بحروب قادمة تكتسح اليابس والأخضر

وحينما طردهم أبي من خيمته ،

 حملوا أكياسهم الثقيلة ورحلوا ،

نكصوا على أعقابهم  صوب الجنوب القصي

حملوا  معهم عارهم الأبدي ، ليستخفوا عن الأنظار

برمال الصحراء العربية.

*

 ورأيت تلك الليلة مرايا تسطع  بالأضواء ، بصور الحرب على العراق،

 رأيت أسراباً من طير أبابيل ، وإبرهة الحبشي ،

 ببدلة جنرال أمريكي ، فوق رأسه رفوف من طيور الموت ،

 تحجب عين الشمس العربية .

وسمعت صوت الذئب البرئ من دمي  يناديني :  لا تخف يا يوسف ،

أن دماً كذباً يلوح في أفق الصحراء ،

يسيل من أبراج النفط على شواطئ الخليج ، يتلوى  كثعبان أعمى وسط النيران ،

سينير جبل أبي  قبيس بمكة ، وبيت نار المجوس بأصبهان ،

لا تخف يا يوسف ، إن النار التي أشعلوها إخوتك الآن ،

في أصول القصب ، وجذوع نخيل ألبصرة ، سترتد عليهم قريباً ،

لا تخف يا يوسف ، لن تبقى وحدك في الجب زمناً طويلاً،

وستخرج ثانية  للدنيا معافى ، حين تفيض بالغلال أجران قرى السواد ،

وسيأتي أخوتك الأعراب من كل مكان ، حين يعضهم ناب  الجوع

يأتون إليك كأسراب جراد ، يأتون من أبواب المدن المتهاوية ،

وسيبقى صواع الملك بأيديهم  رمزاً أبديا لهزيمتهم  ،

ولن يُطفئوا أبداً بعد الآن ، نور الله الكوني ، في هياكل معابدهم  .

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٨:١٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

أبداً أنتِ
شعر

أبداً أنتِ

بعدَ ألفٍ من السنوات يبقى الدربُ الذي تسلكين ينزفُ عطراً مرآكِ يجعلُ كواسرَ الطيرِ تقلّمُ أظفارَها وتلتمسُ من العصافيرِ أن تعلّمَها فنَّ التغريدِ والزئير للونِ شفتيكِ يصيرُ مواءً لن يضيرني هجرُكِ بمثلِ ما حسِبتِ ما دامت ذكراكِ تُعطيني الضوءَ الأخضرَ لكي أحيا

· 1 د
امرأة الشاعر
شعر

امرأة الشاعر

رسم امرأة اختار لها لون شعرها شكل تسريحته لون بشرتها بما يحلو له صمم لها استدارة عينيها واعطاهما لونهما شكل جسدها اعطاه طولا مقبولا بالنسبة له وعندما اكتملت الصورة في مخيلته اعطاها اسما وهام في شوارع المدينة باحثا عن جميلة كتب لها قصائد كثيرة و مزقها في لحظة سكر وحينما أضناه الشعر كتب لها مرثية…

· 1 د
حياة واحدة على الاقل
شعر

حياة واحدة على الاقل

حياة واحدة على الاقل مرّ العمر ونحن نحسب أن الحياة تبدأ غدًا، وأنّ ما نعيشه الآن مجرد تمهيد لحياة أخرى لم تأتِ بعد. كنّا نحسن الاستعداد ونُسيء الإقامة، نجمع الأسباب ونؤجل المعنى، حتى صار العمر كله غرفة انتظار . كم من حلم قلنا له " لاحقًا" ، فاعتاد الغياب حتى نسينا. وكم من كلمة حبسناها في الصدر…

· 1 د