ليتهم يسمحون برصاصةِ الرحمة.
- آه... آه؟
- ماذا قلتِ؟
- لا شيء يا ابنتي، لا شيء.
أشعرُ بتلك الكتلةِ المغروسةِ في رحمي، تتغذى وتكبر. تستمتعُ بآهاتي، تستهلكُ رصيدَ عمري، بعد أن كشفَ الطبُّ وجودَها.
كيف يأكلُ الجسدُ نفسَه؟ كيف تثورُ خليةٌ واحدةٌ ويجنُّ جنونُها وتُعلنُ حربًا على كيانٍ كامل؟
فكّرتُ بجرعةٍ زائدةٍ تُنهي معاناتي.
لكن ابنتي، لِمَن أتركُها؟ هل ستسامحُني إن أنهيتُ حياتي بيدي؟
الموتُ قادم، عليَّ أن أحاربه من أجلها.
يقولون إن الإنسانَ يستطيعُ أن يمدَّ بعمرِه بجرعةِ سعادةٍ بسيطة.
سأعيشُ من أجلها.
كلما حاولتُ لملمةَ أشلاءِ أفكاري، داهمتني أفكارٌ سوداء!
خُلقنا للفناءِ حقيقةً، حتميةُ الموتِ تترصّدُنا، فلماذا إذًا انتظارُه مرعبٌ، مخيفٌ، مربكٌ، مقلق؟
أحاولُ أن أتجلّدَ وأقولُ لنفسي إن الجسدَ سجنُ المؤمنِ والموتُ خلاصُه، ثم أعودُ مشوَّشةً، أتضرّعُ وأتوسّل:
يومًا آخرَ يا رب.
يومٌ إضافيٌّ سيزيدُ من ثباتِها.
يومٌ إضافيٌّ ستقتربُ بخطوةٍ نحو هدفِها، نحو حلمِها.
يومٌ إضافيٌّ آخرُ يبدّدُ خوفَ الرحيلِ ويؤجّلُه.
غدًا امتحانُها الأخيرُ في السنةِ الثالثةِ، كليةِ الطب. جاءت ورأسُها يميلُ من التعبِ والسهر:
- ماما، أحتاجُ دعاءكِ كثيرًا، هذه أصعبُ مادة.
نظرةُ عينيها ونبرةُ صوتِها كانت تستغيثُ بكلِّ أمومتي، بكلِّ عمري... كوني معي.
فكرةُ أن أسبّبَ لها قلقًا مع يومِها الأخيرِ من الامتحاناتِ كانت أشدَّ ألمًا من المرضِ نفسِه. ابتلعتُ ما كان عندي من مسكّناتٍ لكنها تآمرتْ مع تلك الكتلةِ اللعينةِ ورفضتْ أن ترحمَني.
انسحبتُ للغرفةِ المجاورةِ بهدوء، خشيتُ أن يستنزفَ الألمُ صبري وصمودي فأنهارَ أمامَها. كنتُ أتلوّى وأعضُّ الوسادةَ، أكتمُ صراخي بصمتٍ لا يحتملُه إلا الأمهات.
بعد مشوارٍ طويلٍ مع الكيماوي والتحاليلِ المختبريةِ ومقاطعِ السكانر والمفراس، قالها الطبيب:
"لقد وصلَ المرضُ للنخاع."
عجزَ الطبُّ أن يمنحَني وقتًا أعيشُ لأجلِها.
مع الفجرِ غبتُ عن الوعي، لا أدري إن كنتُ ضربتُ رأسي بالبلاطِ من الألم. زحفتُ للبابِ، فتحتُه قليلًا، أريدُ الاطمئنانَ عليها. لم تُمكّنّي قدمايَ من الوقوف. لم أرَ نورًا من غرفتِها، يبدو أنها أخذتْ قسطًا من الراحةِ ونامتْ أخيرًا.
صلّيتُ في مكاني كما أنا واستغفرتُ ربي، ناجيتُه، أكثرتُ من الدعاءِ، أتضرّعُ، أتوسّلُ السدادَ لطفلتي الوحيدة.
سمعتُ صوتَ البابِ يُفتحُ وتستعدُّ للخروجِ بعد أن أخذتْ حمّامًا وتناولتْ شيئًا قليلًا من الكيكِ والعصيرِ كعادتِها كلَّ يوم، إلا أني اليومَ لم أكن أنا من جهّزَ الفطور. صرختُ حالما خرجتْ، ويا لعجبِ صراخي لم يعدْ له صوت!
طوالَ فترةِ مرضي كنتُ أُعدُّها إعدادًا نفسيًا وإيمانيًا لتتقبّلَ حياةً لا وجودَ لي فيها يومًا ما. وعدتْني أن لا تنكسرَ وتستمرَّ قويةَ الشكيمة، وبقيتُ أنتظرُها.
يومًا آخرَ يا رب.
- أمي، وعدتُكِ وقد وفيتُ بوعدي، قويةٌ كما علّمتِني، صلبةُ العودِ، لم أتنازلْ عن حلمِكِ وحلمي. اليومَ جئتُكِ أحملُ بين يديّ هديتي لكِ، شهادةُ نجاحِكِ أنتِ...
ارقدي الآنَ بسلامٍ حبيبتي.







التعليقات