انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ورقة المائة دولار

د. عبد المسيح باكوس قريو
د. عبد المسيح باكوس قريو

قاص وروائي عراقي

19 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
ورقة المائة دولار
مشاركة:

طرق البابَ طرقاً خفيفاً ثم أدار مقبضه بسرعة قبل أن يأتيه الصوتُ من الداخل:

أدخل.

انفتح الباب عن سريرٍ يرقد عليه رجلٌ ثمانينيُّ العمر بالكاد يسحب أنفاسه ورجلٍ أربعيني يجلس على كرسي بجانب السرير. في الجانب الآخر من السرير، كانت تقف ممرضةٌ متشحة بالبياض، تغطي رأسها فوطة زرقاء كالتي تضعها الممرضات الراهبات. كانت هذه منشغلة باستبدال قنينة المغذي وتضبط سرعة جريانه عبر أنبوب شفاف يؤدي إلى كانيولا مثبتة بمعصم اليد اليمنى للمريض.

انحنى بسرعة نحو ما يشبه جثة غير هامدة ملقاة على السرير وسأل بقلق واضح، ويداه تتلقفان بحنان كفَّ المريض.

أبي، هل أنت بخير؟

وبسرعة، قبل أن يأتيه الجواب، حوّل نظره نحو الجالس على الكرسي. راعتْه سحنةُ أخيه أمير، الذي بدا كأنّه لم ينَمْ عدة ليالي.

ما الأمر؟ ماذا حصل؟

وقبل أن ينبس أخوه ببنت شفه، أدار سمير وجهه نحو أبيه حين تمتم هذا الأخير بكلمات بالكاد تُسمع.

سأكون بخير حين تجيبني على سؤالي.

بالطبع يا أبي، سَلْ ما بدا لك.

نظر الأب نحو ابنه الجالس على الكرسي وأومأ له برأسه. نهض أمير من الكرسي وتوجه نحو الممرضة وهمس شيئاً ما في أذنها، وتوجّه كلاهما نحو الباب.

سأل الأب سمير بعد تأكده من خروج أمير والممرضة:

هل جلبتها معك؟

ثم أردف بعد أن لاحظ علامات الحيرة على وجه ابنه وكأنه لم يفهم عمّا، أو عمّن يسأل أبوه.

تلك التي طلبتُ منك منذ زمن بعيد الاحتفاظ بها وعدم التفريط بها أبداً.

حين لاحظ اشتداد علامات الحيرة والارتباك المرتسمة على وجه ابنه. قال:

الورقة.

الورقة؟ أية ورقة؟

ورقة المئة دولار. أنسيتها؟ من مصنع الحلوى الذي بدأتَ فيه أول عمل مدفوع الأجر قبل ذهابك إلى الجامعة.

اه. بابا، حبيبي، بحق السماء، كيف يمكن أن يخطر على بالي شيء كهذا في مثل هذه الظروف؟ لقد قلقتُ كثيراً بعد أن كلّمني أمير طالباً مني القدوم إلى هنا بأسرع ما يمكنني.

أَوًلًمْ يخبرك بأن تجلب الورقة معك؟

طبعا لا. هل طلبتَ منه ذلك؟

نعم، وأكّدتُ عليه الأمرَ عدة مرات.

لعلّه نَسِيَ. لقد كانت نبرة صوته عبر الهاتف تنُمُّ عن قلقٍ شديد. فكيف له، والحال هذه، أن يتذكر أمر الورقة؟

إذن قل لي. هل ما زلت محتفظاً بها كما أوصيتك؟

بالله عليك يا أبي. نحن قلقون على حالتك الصحية حد الذعر وأنت تفكر بأمر ورقة غبية؟ أرجوك، دعك منها، وأخبرني. كيف تشعر الآن؟

أجبني، يا ولد؟ ولا تحاول التملص من الإجابة.

صرخ أبوه بنبرة حازمة وصوتٍ آمر.

حين لاحظ إصرار أبيه على تلقي الإجابة، شرد ذهنُ سمير لبضع ثوانٍ وعيناه متسمّرتان صوب النافذة المطلّة على بحر هائج الأمواج وسماء متلّبدةٍ بالغيوم الداكنة، ثم قال بصوت متهدّج:

طبعاً يا أبي. وكيف لي أن أخالف وصيتك؟

ورقة المائة دولار

نظر إليه الأب وعلى محياه ابتسامة مصطنعة يشوبها الشك والريبة. ثم أشاح بوجهه ناحية النافذة، وهزّ رأسه هزّاً خفيفاً بالكاد يُلحظ، وهو يحدّث نفسه: "ما زال هذا الولد لا يجيد الكذب". ثم توجّه بباصريه عبر النافذة بعيداً نحو السماء الحبلى بغيوم داكنة تتدافع بطريقة هوجاء راسمةً أشكالاً وصوراً مروّعة ومتنوعة. تزاحمت في رأسه الأفكار وتوالت الذكريات التي أخذته إلى ماضٍ بعيد، حين بدأ حياته الدراسية والعملية بالجد والكفاح وتشرّب خلالها مبادئ العدل والنزاهة والأمانة التي تعلّمها من العِبَر التي استقاها من حكايات أمه، التي طالما حرصت على أن تحكيها له ولإخوته كل مساء قبل النوم، وكذلك من خلال إعجابه بتصرفات والده وتعامله مع الجميع وحرصه على الاقتداء به في كل شيء.

لم تمر سوى بضع دقائق حين أغمض أبو سمير عينيه ليستسلم للذكريات التي تعاقبت في رأسه مثل شريط سينمائي يعرض الأحداث بكل وضوح وكأنها أحداث حية تجري في الوقت الراهن.

تذكر أمر الورقة من فئة المئة دولار التي جلبها سمير ذات يوم وهو يطير من الفرح وكانت أول مبلغ يتقاضاه من عمله في مصنع للحلوى. استذكر أيضاً كيف رفض يومذاك أن يأخذ هذه الورقة من ابنه وطالبه بالاحتفاظ بها طيلة حياته كي لا ينسى الدرس الذي أراد لابنه أن يتعلمه.

كان سمير قد سبق وأخبر والده كيف كان العمال يغافلون مراقبي العمل ليلتهموا ما يتسنى لهم من قطع الحلوى الشهية دون أن يُلاحَظوا؟ وحين سأله أبوه: وهل تفعل أنت كذلك؟ أجابه سمير: أحياناً. حينها لم يعلّق الأب، بل اكتفى بالنظر إلى ابنه نظرة اندهاش وعتاب، حتى جاءه، بعد بضعة أيام، بورقة المئة دولار التي قبضها من صاحب المعمل. وهنا جاءت اللحظة المناسبة للأب لتلقين الولد درساً في الأمانة وتجنّب أكل الحرام.

*******

كانت السماء صافية حين فتح عينيه على النافذة التي ما زالت ستائرها مفتوحة. تقلّب في السرير واستدار نحو جنبه الأيسر. فبادره صوت ابنه أمير:

 صح النوم، بابا. كيف تشعر الآن؟ ألست أفضل؟

أين أخوك؟

عاد إلى العمل. طلبوه في عيادته لأمرٍ طارئ حين كنتَ غافياً.

ساد الصمت أرجاء الغرفة لعدة دقائق. بدا على الأب أمارات الهمّ والغمّ استعصى على الابن فهمُ أسبابها، ولكنه لم يجرُؤْ على سؤال أبيه بشأنها حتى كسر هذا الأخير جدار الصمت مستفسراً:

لماذا لم تبلّغ أخاك بأمر الورقة وضرورة جلبها معه كما أخبرتك؟

ارتبك أمير، وأطرق رأسه، ولم يجب.

ما الأمر؟ ألم تسمعني؟ أم أن القطة أكلت لسانك؟

لا يا أبي؟ لا هذا ولا ذاك. أنـ ... أنا ... أنا لم أسأله ذلك، لأنـ ...نـ ...ي، لأنني أعلم أن الورقة ليست معه.

ماذا؟ وكيف علمت أنها ليست معه؟

لأنها معي أنا.

هنا انتفض الأب وكأن حياة جديدة بعثت في جسده المتهرئ.

ماذا تقول يا ولد؟ وما تفعل هذه الورقة عندك؟ هيا، أرِني إياها لو كانت معك.

أخرج أمير محفظته وفتح السحّاب الذي يغلق جيباً فيها، ثم راح يدسّ سبابته ووسطاه في داخل الجيب ليخرج منه ورقة نقدية من فئة المئة الدولار مطوية طيتين، فتحها وناولها أباه.

تناول الأب نظاراته من الطاولة الصغيرة المركونة إلى جانب السرير. نظر بإمعان إلى الورقة الخضراء وراح يقلبها مرة تلو الأخرى، ثم أمر ابنه.

ناولني محفظتي. تجدها هناك في جيب معطفي.

نهض أمير ومشى بتثاقل نحو زاوية الغرفة حيث معطف أبيه. ما أن ناول أباه المحفظة حتى انقضّ هذا عليها وتلقَّفها بسرعة وأخرج منها قصاصة ورقٍ، وراح يناوب النظر تارة إلى الورق الخضراء وأخرى إلى قصاصة الورق وكأنه يتحقق من شيء ما.

إنها هي! هي بعينها! ولكن كيف؟ كيف وصلت إليك؟

فجأة، تسمّر نظرُه صوب أمير، وبدت على محياه علائم الغضب يشوبه مزيج من القلق والانزعاج والاستغراب.

أيعقل هذا؟ أيعقل؟ أن تكون قد سرقتها من أخيك؟

ماذا؟ كلا، كلا يا أبي، كيف لي أن أسرق من أخي؟

هيا أخبرني إذاً، كيف وصلتْ إليك؟

أبي، أبي، أرجوك، اهدأ قليلاً. سأخبرك بكل شيء، ولكن بالله عليك، لا تخبر أخي سمير.

مرت فترة من الصمت الرهيب. كان أمير أثناءها ينتظر حتى يهدأ أبوه، ولكي يتمالك هو نفسه بعضاً مما فقده من رباطة جأشه. وأخيراً، قال:

أتذْكُر يا أبي، عندما طردتَني من البيت في فورة غضبك ذات مساء؟ حينها لحقني سمير وأنا أسير هائماً على وجهي في الطرقات. استوقفني وسألني أن كان معي كفاية من النقود. فأجبته: "لدي القليل منها". فما كان منه إلّا أن أخرج محفظته وأفرغ كل ما فيها من نقود ودسّها في جيبي، ثم أحاط رأسي بكفيه ونظر ملياً في عيني، وقال: "أمير، حبيبي، أنا واثقٌ أنك ستجتاز هذه المحنة فأنت الآن رجل". ثم ضمّني إليه بشدة وعانقني عناقاً طويلاً، ربّما ليخفي عني دمعتين، أبَتا إلّا أن تندلقا من عينيه المحمرّتين لتشقّا طريقهما على جانبي أنفه وتستقرّا في الأخدودين المحيطين بفتحتي منخريه.

صمت لبرهة، كأنه يستحضر مشاهد مرّ عليها زمن طويل. أدار وجهه نحو الجسد الممدد على السرير وراح ينظر أليه بحب وحنان، مُطيلاً النظر على وجه الخصوص إلى الوجه الذي بدا متسمّراً وشاخصاً بالبصر إلى فمه، متلهّفاً لسماع بقية القصة. أخيراً، أخذ أمير نفساً عميقاً، واستأنف:

كنت أسير وأنا أفكر بما أنا مقبلٌ عليه، والخيارات الممكنة للخروج من هذا المأزق. أحتاج إلى تأمين مكان للمبيت، والبحث عن عمل لتأمين مصاريف العيش. والدراسة؟ هل أتركها أم أستمر فيها؟ كيف أوفق بين الدراسة والعمل؟ وفي غمرة استغراقي بهذه الأمور تناهى إلى سمعي صوت سمير ينادي: "أمير. أمير". التفتُّ الى الوراء فإذا به قبالتي مباشرة، حانياً ظهره وواضعاً كفيه على ركبتيه، وهو يلهث. لعله هرول مسافة طويلة لكي يلحق بي. استقام، بعد أن التقط أنفاسه، وقال: "أمير، لا أعتقد أن ما معك من نقود كافية لتسيير أمورك لأكثر من يومين أو ثلاثة. إذا لم تجد عملاً بأقرب وقت، ستكون في ورطة كبيرة. اسمع، سأعطيك شيئا، ولكن أريدك أولاً أن تعدني بأمرين". قلت: "بالطبع". ثم أخرج محفظته التي سبق أن أفرغها من النقود، وفتح أحد الجيوب الداخلية فيها، وأخرج منه هذه الورقة التي بين يديك، وقال قبل أن يناولني إياها: "عدني أولاً بأنك لن تتصرف بهذه الورقة إلا في حالة الضرورة القصوى". قلت: "لك هذا، يا أخي. ولكن هذا مبلغ كبير"! هنا، انتفض كأنّ عقرباً لسعته. وأخذ يمسك كتفيّ بيديه ويشدّهما إليه بقوة وهو ينظر إليّ بحزم. قال: "أمير. قيمة هذه الورقة عندي تتعدى قيمتها النقدية بكثير. إعْلَمْ يا أخي، إنني أحتفظ بها لسنوات طويلة، وما كنت لأفرّط بها لأي سبب من الأسباب. ولكن بعد ما حدث اليوم، سأستأمنك إياها وكلي أمل ألا تضطرّك الظروف إلى استخدامها". بالرغم من أنني لم أفهم شيئاً مما قال، سألته: "وما الامر الآخر الذي تريدني أن أعدك به"؟ قال: "أن يبقى أمرُ هذه الورقة وما يحدث الآن سراً بيننا، لن تخبر أحداً به مهما حدث. هل فهمت"؟ أومأتُ برأسي موافقاً، مع أن الأمر ازداد غموضاً من ناحيتي.

حين أنهى أمير كلماته هذه، حوّل نظره إلى أبيه. كان هذا ينظر إلى سقف الغرفة. لقد ارتسم على وجهه خطان لامعان بين العين وتجويف الأذن في كل جانب.

أبي. هل أنت بخير؟

أدار الأب وجهه نحو أمير وقال بصوت مُتَحَشْرِج:

هل يعرف أخوك أن الورقة ما زالت معك؟

لا أدري. هو لم يسألني عنها طوال هذه السنين.

أدار العجوز وجهه مجدداً نحو سقف الغرفة، وأخذ نفساً عميقاً، كأنّ الهمّ والغمّ الذين كانا يثقلان عليه قبل قليل قد انزاحا، وها هي ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه الذي طرّزته السنون بشبكة معقدة من الأخاديد والتجاعيد. ومن عينيه لاح بريق غريب من السعادة الممزوجة بالرضا والاطمئنان وراحة البال. خيّم الصمت لبضع دقائق، نهض بعدها أمير وراح يطيل النظر الى وجه أبيه الذي غطّ في نوم عميق. انفرجت اساريره حين ارتسمت على الوجه النائم ما يشبه ابتسامة الأطفال النائمين حين يرون أحلامهم السعيدة. غطى الجسد الممدد على السرير تاركاً الوجه مكشوفاً، ثم قرّب شفاهه من جبين أبيه وبالكاد طبع قبلة خفيفة عليه، كي لا تتسبب في إيقاظه، ثم تَوَجَّه نحو الباب وأغلقه بهدوء.

*******

اكتظ الشارع الفرعي الذي يتوسطه منزل والد الدكتور سمير والمهندس أمير بالسيارات خلال ساعات الصباح، ما اضطر القادمين الذين ما انفكوا يفِدون للمشاركة في مراسيم الدفن وتقديم واجب العزاء إلى إيقاف سياراتهم في الشارع الفرعي المجاور. عند مدخل البيت، كان أربعة أو خمسة شبان يتناوبون على استقبال القادمين ومرافقتهم إلى الباحة الخلفية للدار حيث صُفَّت الكراسي في صفوف متقابلة يتوسطها بعض الطاولات التي وضع على كل منها علبة مناديل ورقية مع عدد من قناني الماء البلاستيكية.

كان الصمت والوجوم مهيمناً على المكان إلا من بعض همساتٍ هنا وهناك. عند مدخل الباحة، جلس الأخَوان سمير وأمير على رأس طابور من مقتبلي التعازي، وهما متشحان ببدلتين سوداوين مع ربطتي عنق بذات اللون. كان طابور من الرجال يستقبلون الوافدين وهم وقوف، وبعضهم يجلس في الفترات التي تتخلل موجات القادمين الذين يعانق بعضهم أحد الأخوين أو كليهما، بينما يكتفي آخرون بمصافحتهما متمتمين ببعض الكلمات التي بالكاد تسمع من مسافة بضع خطوات.

كان الوقت حوالي الحادية عشرة والربع صباحاً حين تقدم أحد الشبان الذين يرافقون الزوار نحو الباحة الخلفية من أمير هامساً في أذنه:

عمي أمير، هناك شخص يريد التحدث إليك قبل أن يدخل.

هل ذكر لك اسمه؟

نعم، أسمه إيلي الحاج.

نهض أمير بعد أن ألقى نظرة خاطفة على أخيه وغادر الباحة ليعود بعد بضع دقائق مع رجل أشيب فارع الطول في مطلع عقده السابع. وتوقفا عند سمير الذي همّ بالوقوف حالما لحظهما.

سمير، هذا السيد إيلي الحاج من أصدقاء المرحوم والدي القدامى.

تصافح الرجلان وهما يتبادلان نظرات حادة أحدهما الى الآخر.

تعازيّ القلبية. إسمح لي أن أقول بأنني أتفهم مقدار الخسارة والألم الذي سيتركه غياب المرحوم. فأنا شخصياً أشعر أني فقدت أخاً وصديقاً حقيقياً. تغمّده الرب برحمته وأسكنه النعيم السماوي.

تشرفت بمعرفتك، سيد إيلي، وأشكرك على مشاعرك الرقيقة وتكبدك عناء المجيء.

ولو! هذا أقل واجب تحتمه عليّ طبيعة علاقتي بالمرحوم.

بعد أن اتخذ الضيف (الغريب) مكانه بين الحضور الذين لاحقوه بأنظارهم منذ ظهوره، راحوا يتهامسون فيما بينهم متسائلين: "من هذا الرجل؟". حتى سمير دنا من أخيه وطرح السؤال عينه.

يبدو انه من الأصدقاء المقرّبين من المرحوم أبي.

هذا ما يبدو عليه. ولكن كيف حصل أننا لم نلتقِ به قط رغم قربه من والدنا.

لا أعرف. أنا أيضا أول مرة ألتقي به شخصياً. كان والدنا قد ذكر لي اسمه قبل وفاته بفترة. بالمناسبة، لقد استدعاني ليطلب أن ترافقه أنت وحدك الى مكان النعش حتى يلقي النظرة الأخيرة على والدنا.

ماذا؟ أليس هذا طلباً غريباً من شخص غريب ليس من العائلة!

أعرف، ولكن يا أخي، هذه كانت وصية أبي. السماح له بإلقاء النظرة الأخيرة وبحضورك أنت فقط.

التزم سمير الصمت، رغم أنه لم يفهم شيئاً أو يجد تفسيراً لما قاله أخوه. ولعل الشعور الذي انتابه وهو يصافح الرجل الغريب شَغَلَه عن الاستزادة في الاستفسار.

بعد مضي ما يقارب نصف ساعة، كانت أمواج الوافدين والمغادرين خلالها تتوالى. وفي وقت قلّ فيه الوافدون، نظر الغريب إلى أمير وأومأ له برأسه. فرد عليه أمير بإيماءة مماثلة، ثم التفت إلى أخيه ليخبره أن الضيف الغريب يَهُمُّ بالمغادرة الآن وسيطلب هو، أي أمير، من أحد الشباب ليخلي الطريق في الداخل نحو الغرفة المسجى فيها جثمان المرحوم.

ولج الاثنان غرفة فارغة إلا من طاولة تتوسطها، موضوع عليها تابوت فخم ومتين مصنوع من خشب الماهوجني، يتوسط سطح غلافه العلوي صليب كبير بلون الذهب. تأكد سمير من إغلاق الباب بأحكام كي لا يدخلها أحد. وقف إيلي أمام التابوت بخشوع واضح وساد الصمت لدقيقة أو دقيقتين تخللتهما تمتمات من شفاه الإثنين. بعد أداء طقوس الوداع الأخير مدّ إيلي يده إلى جيبه وأخرج منه محفظة جلدية وناولها سمير، قائلا له:

دكتور سمير، قبل أن تفتح هذه المحفظة، أريد التأكد من أمرٍ ما أولاً. هل تعرفني؟

لا أعتقد أننا التقينا من قبل، ولكن وبصراحة، حين تصافحنا قبل قليل انتابني شعور غريب بأنني ربما قد التقيتك في مكان ما. ولكن لا أتذكر أين ومتى.

هل تذكر شيئاَ عن الفترة التي كنتم فيها في لبنان؟ قبل مغادرتكم إلى هنا؟

وهل يمكن أن ننسى فترة مثل تلك؟ كانت أصعب مرحلة في حياتنا. عفواً، خانني التعبير إذ قلتُ حياتنا. وقتذاك لم نكن أحياء. كنا أمواتاً في حالة غيبوبة متقطّعة. نموت ونصحى ثم نموت ونصحى وهكذا دواليك، كل يوم. في كل مرة نقف في الطابور لاستلام سلة غذائية كان القهر يقتلنا ونحن نتذكر بيوتنا العامرة والخير الوفير الذي كنا ننعم فيه. كان الألم يعتصرني أكثر وأنا أراقب وأشعر بكمّ القهر الذي يهز كيان أبي في كل نظرة حسرة ولوعة كان يلقيها علينا خلسةً عندما نعود من العمل متعبين، وهو الذي لم يدّخر جهداً ليوفر لنا حياة الرغد التي اعتدنا عليها في بلدنا. كانت أياماً مليئة بالمعاناة والمرارة ولوعة الانتظار المروّع. كنا نصحى كل يوم على أمل واحد فقط؛ أن نسمع خبراً أو نتلقى اتصالاً بشأن طلب التأشيرة إلى بلد يحتضننا. نعم، كانت أياماً مريرة بحق، لدرجة ان حتى روعة وجمال الطبيعة في لبنان وطيبة شعبه وتعامله اللطيف معنا وتعاطفه مع حالتنا لم تمحُ إحساسنا بقساوتها. 

نعم، نعم. أذكر تلك الأيام. فعلاً كنا نتألم لما حصل لكم ونشعر بالغبن والظلم الذي وقع عليكم.  والآن قل لي ماذا كنت تفعل في لبنان؟

سيد إيلي، لا بد أنك تعرف أننا تركنا بلداننا بين ليلة وضحاها وخرجنا من بيوتنا العامرة بملابسنا فقط. فأصبح لزاماً علينا أن نعمل هناك في لبنان كي نسدد مصاريف السكن واحتياجاتنا المادية.

هل. هل تتذكر أين عملت؟

عملت في عدة أماكن، أولها حسب ما أذكر، كان في معمل حلوى أو شكولاتة.

هنا قاطعه إيلي قائلاً.:

سمير. أنا صاحب المعمل الذي كنت تعمل فيه.

أنت؟ سيد إيلي؟ أنت صاحب معمل الحلوى. ولكن كيف؟ كيف حصل أنك صرت صديقا لأبي؟ وما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل تسكن في ملبورن الآن؟

لا، لا، سمير، أنا ما زلت في لبنان، ولكن مؤخراً كنت في رحلة عمل هنا وعلمت أن أباك مريض وحرصت أن أعوده في المستشفى. في الواقع، هو من اتصل بي وطلب مني زيارته في وقتٍ، حرص ألا يكون فيه أحد آخر عنده. أثناء هذه الزيارة طلب مني أن أسلمك هذه المحفظة مع قصاصة الورقة التي كتبها إليك. يمكنك فتح المحفظة الآن.

مأخوذاً بمزيج من مشاعر الاستغراب والتوجّس، فتح سمير المحفظة بيدين مرتعشتين وببطءٍ ينمّ عن التردد والترقب وأخرج منها ورقة نقدية وراح ينظر إليها بذهول، مقلّباً إياها بين يديه كأنه لا يصدق ما يرى.

ماذا؟ لست أفهم! ولكن كيف؟ كيف وصلت هذه إليك؟ أو . . . إلى . . . أبي؟ كانت هذه أول دفعة لي من عملي لديك يا سيد إيلي، وقد رفض المرحوم والدي أن يأخذها منى حينذاك بعدما علم أنني كنت ...

سمير، دعك من هذه الحكاية فأنا أعرف تفاصيل ما حصل وقتها.

ولكن كيف؟ كيف عرفت ذلك؟

سمير، كان عندي في المعمل موظفون وعمال من مختلف الأعراق. ومن الأمور التي لم تعرفها ولم تكتشفها أنت وغيرك من العمال هو أنه كان لدينا في المعمل غرفة مراقبة تسجل لنا كل ما ترصده الكاميرات.

مراقبة؟

نعم يا سمير. العمل يتطلب هكذا إجراءات من أجل الأمان وأمور أخرى؟ ألم تسمع بالمثل القائل "عينك على مالك دوا [أي دواء]"؟ نعم، كنت أراقب العمال خصوصاً في أول أيام عملهم، لألاحظ تصرفاتهم. وقد لاحظت كيف كنتَ في الأيام الأولى من عملك تنتهز فرصة انشغال أعين المراقبين عنك لِتَدُسّ في فمك قطعة أو اثنتين من الحلوى. وهذا امرٌ عهدناه من العمّال الجدد، وأنا شخصياً أتفهمه لأني أعرف مقدار التجربة التي تشكلها الحلوى بأطعامها المتنوعة وأشكالها المغرية.

سيد إيلي، . .

لا، لا تقُلْ شيئاً. دعني أكمل حديثي. ما لفت نظري أنك بعد فترة، انقطعت عن هذا الفعل نهائياً. وهذا ما أثار استغرابي. سألت عنك وعرفت منشأك وظروف عائلتك. قلت في نفسي: لا بد من حكاية وراء تصرف هذا الشاب. نعم، لقد دفعني فضولي الى التواصل مع والدك فوجدته إنساناً صادقاً ونزيهاً. وعندما حكى لي أنه علم بتصرفك هذا وأنه رفض أخذ ورقة المئة دولار وطلب منك الاحتفاظ بها لتتذكر الدرس، زاد إعجابي به. ومنذ ذلك الحين، صرنا نتخابر وأحياناً نلتقي في مكان عام. وهكذا توطدت صداقتنا واستمرت حتى بعد رحيلكم إلى هنا، بل تعززت لدرجة أنه يكاد لا يمر أسبوع أو اثنان من غير أن نتواصل عبر الهاتف. وفي رحلة العمل هذه زرته في المستشفى حالما علمت بمرضه. ثم لم يمُرْ سوى بضعة أيام حتى هاتفني ثانية طالباً مني الحضور إليه لأمرٍ هام، ويبدو أنه قد رتب ذلك اللقاء في وقت لا يكون فيه أي من أفراد العائلة عنده. حين عدته في المستشفى طلب مني أن أسلمك هذه الورقة النقدية مع الرسالة المرفقة.

كانت الورقة مطوية طيتين. فتحها ببطء ثم أخرج نظارتيه ووضعهما على عينيه اللتان راحتا تلاحقان الكلمات والسطور وتتوقفان أحياناً لتخرج من أعماق صدره شهقة انفعال.

"ولدي العزيز، في وقت ما، رفضتُ أن آخذ منك هذه الورقة. كنتُ حينها حريصاً أن أعلّمك درساً، أيقنتُ، قبل أن افارق الحياة، أنك قد تعلّمتَه جيداً. كان ذلك حين علمتُ من أخيك كيف وصلتْ إليه هذه الورقة، رغم وعدك لي بأنك لن تفرط بها. ولكن، ما فعلته يومذاك مع أخيك زادني فخراً بك. وعليه، أريدك الآن في هذه اللحظة، أن تسلمني إياها لتظل معي ولتعلم أنني غادرت هذا العالم وأنا راضٍ عنك، وفخور بك جداً. لقد تعلمتَ درسك جيداً، وهذا ما جعلك إنساناً ناجحاً يا بني. ضعها على صدري، لعلها تشفع لي بينما أمثل أمام ربي”.

عندما أغلق سمير قصاصة الورق، لاحظ إيلي لمعاناً في عينيه من خلال الضوء المنعكس عنهما والذي تسلل عبر النافذة المقابلة له. تكورت دمعتان في عيني سمير عند ملتقيي الجفنين الأقربين إلى الأنف، ولكنه أبى أن يُخلي سبيل الحبيستين. تمالك نفسه وتناول ورقة المئة دولار ووضعها على صدر والده ثم صلّب كفّيه على صدره وأغلق الصندوق. نظر إلى إيلي نظرة تنمّ عن شعور عميق بعرفان الجميل. لم ينبس بكلمة. ولكن، لسان حاله يقول: شكراً يا سيد إيلي، لا تتصور مقدار السلام والطمأنينة التي جلبتها لي بهذا الصنيع.

قبيل غروب شمس ذلك النهار، دخل سمير البيت حاملاً بكلتا يديه صورة والده. طلب من زوجته أن لا ينتظروه على العشاء، وألا تسمح لأحد أن يزعجه. جال بنظره حول الغرفة ثم استقرت عيناه على صورة امرأة شابة ذات جمال أخّاذ توسطت الجدار المحاذي لسريره. وضع صورة أبيه على حافة السرير. توجه نحو خزانة خشبية صُفَّت بمحاذاة الجدار المقابل وأخرج من أحد أدراجها رقعة لاصقة ألصقها بظهر صورة أبيه ثم احضر الكرسي القابع خلف مكتب خشبي احتل الركن المقابل لباب الغرفة ووضعه تحت الصورة المعلقة ثم اعتلاه وهو يحمل الصورة الجديدة بيده اليسرى. راح يحرّك الصورة يميناً وشمالاً، للأعلى والأسفل، واحياناً يدوّرها قليلاً ليضبط محاذاتها للصورة الأخرى، وبعد أن اطمأن من الموقع والمحاذاة ألصقها بالحائط وترجل وأرجع الكرسي الى محله وعاد الى السرير وجلس قبالة الصورتين وراح يتأملهما معاً ويحدث نفسه في سريرته.

ما أروعكما، أبي وأمي! لولاكما، ما وصلنا، أنا وأخي، إلى ما وصلنا إليه؟ آه يا أبي، كم كان درسُك هذا قاسياً عليّ ومهمّاً لي في الوقت عينه. قد لا يُعيرُ كثيرٌ من الإباء أهمية لمثل هذه الأمور فيدعونها تمرّ مرور الكرام، ولكن ليس معك.  كان لموقفك وقرارك هذا أثرٌ كبيرٌ في مجرى حياتي. هذا التصرف والموقف البسيط أدى إلى أحداث كبيرة وقرارات عظيمة في حياتي. هل يمكن لمبدأ تأثير الفراشة الذي يتحدث عنه الفيزيائيون أن يفعل فعله في حياة الناس أيضاً! فراشة تحرك جناحيها في بقعة من العالم فيتعاظم تأثير هذه الحركة ويمتد حتى يصل إلى مسافات بعيدة عن موقع الحدث. هذا ما حدث يا أبي. موقفك الحاسم الذي اتخذته بحكمة غيّر مجرى حياتي. غيّر كل شيء فيها. وكان بالإمكان ألا يغير شيئاً البتة، لولا الصدمة التي شعرتُ بها وقتها والعقلية البنّاءة التي تعاملتُ بها مع الأمر. يا إلهي! ما أعقد هذا الكائن البشري! كلمة واحدة، حدث بسيط.، مشهد غير متوقع، يفعل فعلاً ويحقق تأثيراً، تفشل الكثير من المؤسسات التعليمية والتربوية في تحقيقه بالرغم من كل الموارد والوقت التي تصرفها. ما سر هذا الكائن البشري؟ ما هذه الإمكانية في أنه يمكن أن يرتقي ويسمو لدرجة أن يصير في مصاف الآلهة، أو أن ينزل إلى أسفل السافلين، إلى الحضيض ليتساوى مع أوطأ الحيوانات في سلم الرقي والتطور. من يستطيع أن يضبط هذه المعادلة ويعطي الصيغة الدقيقة والتركيبة المضبوطة لكي يصنع من هذا الكائن إنساناً أعلى، إلهاً أو شبه إله أو كائناً متوحشاً، مسخاً لا يشترك مع البشر سوى بالمظهر. أمور بسيطة في الحياة، تحدث هنا وهناك، تؤثر قليلاً أو كثيراً على مسار حياة الفرد، أو حتى الجماعة أو الشعوب. من أين يأتي الآباء بحكمة كهذه لكي يقوموا بالتصرف المناسب في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب حتى يحصلوا على نتائج مثل هذه؟ 

عندما تنبّه لثقل جسده المتعب وأحسّ بالخدر الذي سرى في ساقيه توجه نحو الفراش ونَظَرُه شاخصٌ نحو الصورتين يجول بينهما، تارة نحو صورة أبيه وأخرى نحو صورة أمه المتوفاة منذ زمن طويل. تذكر، وهو ينظر إلى صورتها، إحدى القصص التي كانت تحرص أن تحكيها لهما، هو وأمير، كل يوم قبل النوم. قصة ذلك اللص الذي حُكمَ عليه بالإعدام لقتله زوجين فاجآه وهو يسرق منزلهما. وحين سأله القاضي إن كان لديه رغبة أخيرة طلب المجرم أن يودّع أمه ويقبّلها. حين أحضروا أمه، دنا منها والتقم طرف أذنها وأطبق عليه بشدة بأسنانه ولم يفلته، رغم صراخ الأم، حتى نزعه ثم بصقه على أرضية القاعة. بعد أن هدأت قاعة المحكمة من الصخب الذي حدث، سأله القاضي: "لم فعلت هذا؟" أجاب: "سيدي القاضي، لو كانت أمي قد ساءلتني عن أول دجاجة جئت بها إلى البيت ومن أين أتيت بها، لما وصل بي الحال إلى ما وصلت إليه". هذه القصة مع غيرها من القصص التي كانت تحكيها أمه فعلت فعلها دون أن يعي ذلك، وكأنها نقوش مسمارية نحتت على أحجار بيضاء، ما ينبغي وما لا ينبغي أن يفعله. تذكر أيضاً عندما رفض أبوه استلام ورقة المئة دولار. ما أشبه هذه القصة بتلك، ولكن مع اختلاف التصرف. أما العبرة فهي نفسها والدرس هو عينه. هنا سمح لعدة قطرات أن تنزل من عينيه. أخذ شهيقاً عميقاً أعقبه بزفيرٍ بطيء ثم فرش جسده على السرير. التفت إلى الصورتين وألقى نظرة أخرى واستدار نحو سقف الغرفة وأغمض عينيه وهو يتمتم في سره: "شكراً، شكراً، شكراً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ آب ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

خميس الفلسطيني
سرد

خميس الفلسطيني

حين قابلناه لأول مرة فوجئنا بصغر سنه. كنا مجموعة شبان التحقنا متطوعين بدورة تدريب عسكرية. قدّمه لنا ضابط قطعت يده اليمنى في إحدى المعارك، على أنه المشرف على تلك الدورة الاستثنائية التي سوف تستغرق أشهر الصيف. أثنى الضابط على مواصفات ومهارات ذلك الشاب الصغير في القتال. يومها تساءلنا مندهشين: كيف تسنى…

· 4 د
الأسئلة .. مُهلكة
سرد

الأسئلة .. مُهلكة

هو معلمنا ، تتلمذ على يديه خالي وأقرانه ، وتتلمذنا نحن والذين جاءوا بعدنا على يديه ، وتخرجت على يديه أجيال كما يحلو له أن يفخر في جلسات مقهى الحي العتيق . أطلق عليه خالي لقب المتنبي ، وأسبغ عليه صفة الرجل الذي سبق زمنه في كشف المستقبل . وقال شيوخ الحي العتيق : - كافر وملحد ، يجدِّف بآيات الله ويفسد…

· 5 د
أوراق ذابلة 
سرد

أوراق ذابلة

دَعَكَ فروةَ رأسه حتى أدماها بأظافره. انتابه قلقٌ قاتل، وسار يبحث عن السراب ليمتلك كنوزه. لم يسمع ضجيج كلِّ شيء من حوله. كان هادئاً. همُّه الوحيد أن يبتعد كثيراً عن جدران الغرفة التي تضيق به. ولم يعد يميّز الألوان في الستائر والأثاث. كلُّ شيء أصبح غائماً يلتفُّ حول عنقه. الحرب التي يتلقّف منها…

· 3 د