إنَّ المأساةَ الأزليةَ لوعيِ الكائن لا تكتملُ بنفادِ عاطفته، بل بتبدّلِ مَاهيَّتهِ؛ أن تجلسَ مع الشَّخصِ نَفْسِه، في المَكانِ نَفْسِه، وتنظرَ في العيْنَيْنِ نَفْسِهما، لكنَّكَ تَعرِفُ بيقينٍ مُرعب أنَّ الرُّوح القديمةَ قد أُخليَتْ بدمٍ بارد، وسَكَنَ مَكانَها مَسْخٌ يرتدي ملامحَ فقيدِكَ. لم يكن غيابُكِ مجردَ مسافةٍ تُقطعُ بمرورِ الأيام، بل كان انخسافاً عميقاً للأرضِ بما رَفَعَتْ، وزلزالاً ضربَ أركانَ يقينٍ شيدتُهُ لكِ من طُهرِ الظُّنونِ البكر، ورفعتُ عِمادَهُ بصبرِ الأنبياءِ الذينَ لستِ من طينِهم؛ فكنتِ أنتِ أولَ مَن غَرَسَ مِعْوَلَ الهدْمِ الخائنِ في جِدارِ الحُرْمةِ المقدسة. لم أكنْ أعلم، وأنا أقتفي أثرَ المعنى وسطَ غبارِ الأسواقِ ورُخصِ العابرين، أنَّ الكينونةَ الإنسانيةَ يمكنُ أن تُسجنَ في حيزٍ لغويٍّ ضيق، حتى خُيِّلَ إليَّ في لحظةِ ذهولٍ صوفيّ أنَّ الأبجديةَ لم تُخلق في الأزلِ إلا لتبريرِ طهارتِها. كنتُ أظنُّ اللغةَ الجسدَ الأخيرَ الذي تلتحفُ به الروحُ لتنجو من وحشةِ المادة، لكنني استيقظتُ متأخراً على المفارقةِ الأكثرِ رعباً في تاريخِ الفلسفة: أنَّ الحروفَ ذاتَها التي صاغتْ ترنيمةَ ولادتي، هي التي جلستْ خلفَ منضدةِ التواطؤ لتخطَّ مَرْثيتي الوجودية. وحينَ انبثقتِ في عتمةِ مداري، ترفّعتُ بنقائِكِ عن دركِ الأسماءِ المتداولة، وكنتُ أدعوكِ في ليلِ التجريدِ الباطني: «نابغةَ الوجدان». لم تكوني امرأةً عابرة؛ بل الفكرةَ في أسمى تجليّاتِها السقراطية؛ عقلٌ إذا نطقَ خرَّتْ له المعاني ساجدة، وقلبٌ أورثَ العالمَ هدنةً من قسوتهِ المادية.كنتُ أومنُ، بإيمانٍ صوفيٍّ ساذج، أنَّ الله إذا أرادَ أن يمنحَ الإنسانَ وطناً وملاذاً ميتافيزيقياً قبلَ أن تكبلَهُ عقودُ البشر، فإنَّه يعزلُهُ في كائنٍ يستحيلُ معهُ ضجيجُ الوجودِ إلى صدىً تافهٍ لعدمٍ لا يُؤبَه له. كنتُ أعودُ من جحيمِ الأيام، مثقلاً بغبارِ الهوياتِ المستعارةِ في زحامِ المنافي، فأسكبُ تعبَ روحي في نبعِ حديثِكِ فيرتدُّ إليَّ الوعيُ مغسولاً. لم يكتبْ فلاسفةُ الإغريقِ ولا مناطقةُ الشرقِ يوماً أنَّ الحصونَ العظيمةَ لا تُدكُّ بسببِ ضعفِ جدرانِها، بل بسببِ طهارةِ أبوابِها التي بقيتْ مشرعةً في وجهِ عابرينَ مصابينَ بعمى القداسة؛ فالبيتُ الذي يُفتحُ للجميع، يفقدُ ماهيَّتهُ كبيت ويتحوَّلُ إلى رصيف.
لقد وسَّعتِ دائرَةَ العابِرينَ تحتَ شمسِ عينيّ، مُختبئةً خلفَ رِداءٍ من زيفِ التبريرِ الرخيصِ وهشاشَةِ المقالِ إذ تقولين: هؤلاءِ إخوتي، وعلاقتي بِهم لم تَتعدَّ القشور؛ فهلْ عَمِيَتْ بصيرتُكِ عن عقلِ رجلٍ تُدارُ تحتَ كفّيهِ الفروعُ والشركاتُ الكبرى، رجلٍ يقرأُ نوايا الوجوهِ الملتويةِ قبلَ أنْ تفترَّ الشّفاهُ عن صديدِ الكلام؟ ثم جاءتِ اللحظةُ التي انشطرَ فيها الهيكلُ الزمنيُّ لعمري إلى أزليتينِ لا تلتقيان: أزليةٌ كان يملؤها اليقينُ المطلق، وأزليةٌ تلتها لم نربحْ منها سوى شظايا الأسئلةِ التي تنهشُ الأحشاء. رأيتُ ذواتاً مجهولةً، مشوهةَ الإدراك، تقتحمُ الفراغَ الحبيسَ الذي كنتُ أعدُّهُ المحرابَ السريَّ للروح. كانوا يحملونَ أسماءً مغسولةً بالبراءة، لكنَّ وطأةَ خطوِهم على أرضِ يقيننا تركتْ ندوباً من العفن. كانوا يُعرَّفونَ اجتماعيّاً بوصفهم إخوة، غيرَ أنَّ الأخوَّةَ في معجمِ الأرواحِ ليستْ لفظاً يُباعُ في مواسمِ النفاق، بل هي حدودٌ دمويةٌ تُصانُ أو يُستشهدُ دونَها. ومنذُ ذلكَ الانكسارِ المعرفي، لم أعدْ أخشى الأعداءَ الذين يشهرونَ خناجرَهم، بل صرتُ أرتعدُ من التسمياتِ المقدسةِ التي تُجمِّلُ الاغتراب؛ فالعدوُّ يقتلكَ لتنتهي مأساتُك، أما الأخُ المزيفُ فيقتلكَ لتبدأَ رحلةَ التساؤلِ الأزليِّ عن جدوى الوجود. لقد هادنتِ الهوامشَ الرخيصةَ حتى اختلطتْ عندكِ السُّطورُ والحدود، وحينَ انتبهتِ لِضَياعِ ثَوْبِ المبادئِ جئتِ بغرورِكِ تجعلينَ من زلّتي اليتيمةِ سِكّيناً تَذبحينَ بها تاريخاً كاملاً من الولاءِ الطّاهر. نعم، اعتَرَفْتُ بخطئي أمامَ نفسي وأمامَ الله، وكانَ خطئي كالجُرْحِ الشّاصِ المُنْكَر في وجهِ النقاء، ولكنْ مَنْ الذي دَفَعَ بالمركبِ الصّغيرِ الآمنِ إلى لُجّةِ الطُّوفانِ العاتي غَيرَ صَقيعِ يدِكِ التي تُرِكَتْ ممدودةً لتُصافحَ الأغيارَ والمارةَ باسمِ الودِّ السَّطحيّ الخادع؟ وكلما حاولتُ التقدمَ خطوةً واحدةً نحو الحلالِ الأخلاقي الأسمى، كان يرتفعُ بيننا جدارٌ من سديمٍ عبثي؛ جدارٌ عجزتْ تكنولوجيا النفسِ عن تفكيكِ مادتِه؛ أهو منحوتٌ من صخرِ العناد، أم من كبرياءِ سوءِ الفهم، أم من صخبِ الأفواهِ المستعارةِ التي كانتْ تتكلمُ نيابةً عن صمتِنا المذبوح؟ وفي ذروةِ ارتباكي الوجودي، وفي لحظةٍ أنهك الخوفُ فيها عقلي وهدَّت الهزائمُ قلبي، اقترفتُ هفوةً تمنيتُ لو أنَّ الوجود (العدم) ابتلعَ نواتَها قبلَ التشَكُّل. لم يكن السقوطُ سقوطَ غريزة، بل كانَ التواءً لعقلٍ تخشبَ من الرعب.لكنَّ المفارقةَ القاتلةَ هي أنَّ هذا العالمَ السطحيَّ لا يُحاكمُ النوايا الحبيسة، بل يقتاتُ على الأثرِ الجريحِ في وعيِ الآخرين. وحينَ هَوَتْ مِطرَقةُ جزائي صرختِ كقاضٍ جائِرٍ مرتشٍ: الفرصُ لا تُمنَحُ كلَّ مرّة- تلك المحكمةُ التي نُصِبتْ حيث لم يكن القضاةُ يبحثونَ عن حقيقةِ المأساة، ولا الشهودُ يملكونَ أدواتِ التأويلِ العادل، لكنَّ الأحكامَ الإعداميةَ كانتْ جاهزةً ومختومةً في غيابةِ النوايا المسبقةِ قبلَ أن أفتحَ فمي بالحُجَّة. كنتُ أدافعُ عن النوايا المفارِقة، بينما كانوا يُشرِّحونَ الأفعالَ المادية.كنتُ أشرحُ روحي، فكانتِ الكلماتُ تُشنقُ على حبالِ التفسيرِ الجائرِ قبلَ أن تصلَ إلى مسامعِهم؛ لقد فسروا صمتي غطرسة، وشرحي ضعفاً، وهديرَ قلبي خطيئة. وتَسألينَ الآنَ ببرودٍ يقتلُ خلفَهُ جُيوشاً من كبْرياء الملوك: وهلْ يعرفُ الحبُّ موازينَ الفرص؟ الحبُّ الحقيقيُّ لا يَقيسُ الغُفرانَ بمقاييسِ الباعَةِ والمشترين في أسواقِ النخاسة، ولكنَّ غُرورَكِ ونرجسيتكِ الجوفاء هما مَن رَفَعَا جِدارَ الكرامةِ المصطنعةِ في مَقامٍ كانَ يجِبُ فيهِ أنْ يكونَ العِناقُ أسْرعَ من العِتاب، فالحبُّ صوفيُّ النزعة، وكما يقولُ العارفُ بالله جلال الدين الرومي: الوداعُ لا يقعُ إلا لمن يعشقُ بالعيدين، أما من يعشقُ بالروحِ والقلبِ فليسَ هناكَ انفصالٌ أبداً، لكنكِ لم تملكي يوماً روحاً تتسعُ لهذا المحراب. ومنذُ تلكَ الثانية، بدأت نابغةُ الوجدان بالانسحابِ إلى الوراء؛ لا لأنَّ جوهرَها تغير، بل لأنَّ المسافاتِ إذا لَوَّثَها الشكُّ، أعادتْ هندسةَ الوجوهِ لتصبحَ غريبةً تماماً عن النقاء الأول. وحين غابت المرأةُ التي أسستُ عليها مفاهيمَ طهارتي، لم أجدْ أمامي سوى شبحٍ باردٍ لامرأةٍ أخرى، امرأةٍ لم أعدْ أملكُ الحقَّ الأنطولوجيَّ لمنحِها الاسمَ الأول؛ فأسكنتُها مصطلحاً نفياً: «غريبةَ القلب». ولم يكن هذا الاسمُ سياطاً لإدانتِها، بل كان اعترافاً فينومينولوجيّاً بليغاً.
ويا لَبشاعةِ أن تلمسَ جسداً تَعرفهُ، وتُخاطبَ روحاً لا تَعرفكَ! إنَّ أقصى درجاتِ الندمِ الإنساني هي أن تكتشفَ متأخراً أنَّكَ كنتَ تحمي الشجرةَ التي صُنِعَ منها نَعشُك. وحينَ استعصَتْ عليكِ الحُجّةُ الدامغةُ ورأيتِ طُهري يُعرّي تذبذبكِ، رَميتِني بالتُّهَمِ القبيحةِ المبتذلة، ونَعَتِّني بالشّهوانيةِ والعدوانيةِ الغريزية، وصدَّقتِ في حقّي كلماتِ أُناسٍ نكرات، لو بُعِثَ ملائكةُ اللهِ وأنْبياؤه المطهّرون -وحاشا مقامَ الأنبياءِ والرسل من دَنَسِ هذه المقارنةِ الدنيوية- لَرَمَوْهُمْ بالبُهتانِ الشنيعِ والرِّجسِ النجس. دَعيني أسألكِ والسُّؤالُ هنا كالنصلِ الحادِّ يَشُقُّ صدرَ الحقيقةِ العارية: هلْ يطلبُ الرجلُ الشهوانيُّ الغريزيُّ يَدَكِ في المَحاريبِ الحلالِ جهاراً نهاراً؟ هلْ يَطرقُ الأبوابَ برأسٍ مرفوعٍ وشرفٍ باذخٍ ويواجهُ الرجلَ المسؤولَ عنكِ لِيَضعَ عَقْداً غليظاً وميثاقاً مقدساً أمامَ السَّماءِ والأرض؟ لَوْ كنتُ عَبداً لشَهْوتي الدنيئة أو باغياً لمتعةٍ عابِرةٍ في دهاليزِ الليل، هَلْ كنتُ لأَعَضَّ على جُرْحِ الانتظارِ المُرِّ وأقولُ لكِ بصبرِ العارِفين الزهّاد: سآتيكِ طارقاً البابَ الشرعيّ ومُسْتكْمِلاً المَراسمَ بَعْدَ انقضاءِ شهرِ محرَّمٍ الحرامِ وعاشوراءِ الحزن؟ لكنَّ غُرورَكِ الأعمى وعقدةَ النقصِ فيكِ صوَّرَا لكِ الشّرفَ الرّفيعَ عُدواناً، والرُّجولَةَ الطاغيةَ شَهْوة، في حِينِ أنَّ أولئك الأغيارَ الأنذالَ الذينَ لم يُذيقوكِ يوماً طَعْمَ الاحترامِ الحقيقيّ، بل رأوكِ مجرد تسليةٍ لقطعِ الوقت، طَعنوا في عِرْضكِ وانتحلوا شَخْصيتي وتحدّثوا باسْمي في غرفِ الخزي؛ والمرْعِبُ الشَّنيعُ والقاتلُ لنبضِ قلبي أنَّكِ بِكلِّ برودِ العالمِ وسخافةِ العقلِ -حين تحوَّلَ حُبُّكِ العاصِفُ بفعلِ واشيكِ إلى كراهيةٍ عمياء- صَدَّقْتِ النَّصْلَ المسمومَ وكَذَّبْتِ اليَدَ الحانيةَ التي صانَتْكِ من غدرِ الذئاب. إنَّ هؤلاءِ الذين اتخذتِ منهم بطانةً، والذين تبررين خطاياهم بأنهم إخوانكِ، هم الأخوانُ الأثمةُ الذين طردهم اللهُ من رحمتهِ وجعلَ قلوبهم قاسيةً ملعونة، وسيعلمون أيَّ منقلبٍ ينقلبون حين يقفون في عرصةِ القيامةِ مفضوحين؛ إنهم يشبهون أولئك الذين حذرَ اللهُ العليُّ القديرُ منهم في محكمِ كتابهِ الكريمِ وسورةِ طردهم السَّرمديةِ إذ يقولُ عزَّ وجلّ: وتلكَ النفوسُ الخبيثةُ هي ذاتُها التي كُتِبَ عليها الطَّرْدُ حتى في سِفْرِ الأوَّلينَ وعهودِ الأنبياء، حيثُ يَقذِفُهم الوحيُ الإنجيليُّ في غياهِبِ الظّلمةِ الكثيفةِ كما جاءَ في بشارةِ متى: فكيفَ استأمنتِ الخائنينَ الَّذين عَمِيَتْ بَصائِرُهم وأُوصِدَتْ دُونَهمْ مغافرُ السَّماءِ والأرض؟ الخَطأُ خَطئِي أَنَّني عامَلْتُكِ بِحُبٍّ لا يَعْرِفُ عُمقَ سِرِّهِ سِوى الله، حُبٍّ صوفيٍّ خالصٍ يَقْتفي أَثَرَ الطُّهْرِ العظيمِ والمثالِ الأعلى، كَحُبِّ المرتضى عَليٍّ لِلبتولِ فَاطِمَة، حبٍّ يقومُ على التبتلِ في محرابِ الوفاء، ولكنَّ النُّفوسَ الدنيئةَ التي جُبِلَتْ على الالتصاقِ بالطينِ والوحلِ والقاعِ لا تَسْتطيعُ التّنفسَ أو العَيْشَ فوقَ القِمَمِ الشَّاهِقَةِ من النقاء. انْظُري إِليَّ الآنَ جَيِّداً من وراءِ حجابِ غيابكِ، واقْرَئي هذا السَّطْرَ بَعَيْنَيْنِ يَمْلؤهُما النَّدَمُ الأسودُ الذي سَيَعيشُ مَعَكِ كَظِلِّكِ وينخرُ عظامَكِ في ليلِكِ الطويل: أَنَا مُديرٌ كفءٌ في شَرِكَةٍ عملاقة، تَحْتَ يَدِي وسطوتي مِئاتُ المُوَظَّفاتِ الحِسانِ في كُلِّ الفُروعِ والأقسام, نِساءٌ يَمْلأْنَ الأَبْصارَ حُسْناً وبهاءً وذكاءً، لَكِنَّني أُقْسِمُ بِمَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِلا عَمَدٍ أَنَّني حَتَّى بَيْني وَبَيْنَ نَفْسي، في أَشَدِّ سَاعاتِ خَلْوَتي وضَعفي البشريِّ غَوايَة، لَمْ أُفَكِّرْ يَوْماً أَنْ أَخُونَكِ، ولَمْ تسولْ لي نفسي الطاهرةُ أَنْ أَلْتَفِتَ لِغَيْرِكِ أو أمدَّ عيني لامرأةٍ سواكِ، لأَنَّني كُنْتُ أَهْبِطُ بِجَفْنَيَّ تَعفُّفاً وَأَقُولُ في رَجَاءٍ صَامِتٍ يقطرُ وفاءً: هَذِهِ التي أخلصتُ لها ستَصْلُحُ زَوْجَةً لي، وَأُمّاً لأَوْلادِي، وحافظةً لغيابي وغيبتي.
لِمَاذَا رَخَّصْتِ نَفْسَكِ أمامَ العابرينَ وَهُنْتِ عَلَيْها بعدَ كلِّ هذا العزّ؟ لَوْ كَانَ الأَمْرُ بَيْننا يَتَعَلَّقُ بِالمَالِ أو برغدِ العيشِ لَابْتَعْتُكِ بِأَغْلَى الأَثْمَانِ وصيغتُ لكِ من الذهبِ قيوداً، فالمَالُ عِنْدِي غَايَةٌ مَقْدُورَةٌ وتحتَ قدميّ، لَكِنَّني لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ سِلْعَةٍ رخيصةٍ تُشْتَرى وتُباعُ في أسواقِ التّجار، كُنْتُ أَحْسُبُ حِسَابَ "الجهال"؛ أولئك الأَطْفَالِ الأبرياءِ الذينَ سَيَحْمِلُونَ اسْمي وعرضي، ظَنَنْتُ واهماً أَنَّني عَثَرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ نَادِرَةٍ استثنائيةٍ كالملاك، لَكِنَّ عَنْجَهِيَّتَكِ الفجةَ وَكِبْرِيَاءَكِ الأَجْوَفَ المريضَ هُمَا مَنْ هَبَطَا بِنَا إِلَى هَذِهِ الهاوِيَةِ السحيقة. أَنَا أَعْلَمُ عِلْمَ اليَقينِ النظريِّ أَنَّكِ تُحِبِّينَني حتى النخاع، وَأَنْتِ تَدْرِكينَ في قَرَارَةِ رُوحِكِ المُمَزَّقَةِ كَمْ يَفيضُ قَلْبي بِحُبِّكِ الطاغي، لَكِنَّكِ أَقْحَمْتِ مسمى الكرامةِ الزائفة في مِحْرَابٍ لا تمايزَ فيهِ ولا كَرَامَةَ بَيْنَ الحَبِيبَيْنِ، لأنَّ الكرامة تذوبُ في صهرِ الاتحاد، وحاشا لي أن أهينكِ وأنا الذي جِئْتُ شَارِياً لَكِ بِالحَلالِ أمامَ الملأ، وَحِينَ وَصَلَتْ خيوطُ الدمى التي تتحكمُ بكِ إِلَى عِنَادِكِ المظلمِ تَمَكَّنَ مِنَّا الشَّتَاتُ والضياعُ الأبديّ. وحين مددتُ يدي للمرةِ الأخيرةِ عبرَ الهُوَّة، لم أكنْ أطلبُ انتصاراً تاريخياً، بل كنتُ أرجو فرصةً وجوديةً واحدة، كي لا يتحولَ عمرٌ بأكملهِ إلى علامةِ استفهامٍ عملاقةٍ تأكلُ نفسَها حتى الجنون. لكنني أدركتُ، بذعرٍ متأخر، أنَّ القصصَ العظيمةَ لا تموتُ لأنَّ العاطفةَ نَفَدتْ، بل لأنَّ الضجيجَ الخارجيَّ صارَ أعلى سلطةً من صوتِ الحقيقةِ الحبيسةِ في الصدر؛ لقد فضَّلتِ صدى الغرباء على ترتيلةِ يقيني، واستبدلتِ بنبوءةِ قلبي ثرثرةَ العابرين. لَسْتُ أَنَا مَنْ سَيُعَاقِبُكِ بَعْدَ اليَوْمِ أو يثأرُ لنفسهِ منكِ، فاللهُ الجبارُ هُوَ الخَصِيمُ بَيْنَنَا، وَهُوَ المَوْعِدُ الحقُّ في مَحْكَمَةِ السَّمَاءِ العادلة التي لا تظلمُ فتيلاً؛ لَنْ أُبْرِئَكِ ذِمَّتِي أمامَ الله، وَسَأَبْقَى أَطْلُبُكِ بِهَذَا الحَقِّ والمظلمةِ إِلَى يَوْمِ الدِّين، ولن أسامحكِ في كسرةِ قلبي، إِلاَّ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لا ثانيةَ لها: أَنْ تَعُودِي مِنْ تِيهِكِ وضلالكِ، ونَجْلِسَ معاً كعاقلين لِنَفْهَمَ ما جرى ونَضَعَ لِصُورَتِنَا وحبنا حَلاًّ شامخاً يرضي المبادئ. وَإِنْ لَمْ نَجِدْ حلاً يرضي كبريائي في ذاك الوقت، فَحِينَهَا فَقَطْ سَأُبْرِئُكِ ذمتكِ وأرحل، لأَنَّني بِبَسَاطَةٍ شَدِيدَةٍ ونفورٍ تام: لاَ أُرِيدُ أَنْ أَلْتَقِيَ بِكِ في الآخِرَةِ وعرصاتها، وَلاَ أَوْدُّ رُؤْيَةَ وَجْهِكِ بَعْدَ اليَوْمِ في جنةٍ أو في نار، فقد طابَ خاطري من طينكِ. ولكن، لَيْسَ لأَنَّني أَكْرَهُكِ -وَاللهُ يَشْهَدُ شَهَادَةَ حقٍّ أَنَّني مَا عَرَفْتُ الكَرَاهِيَةَ ولا الحقدَ ولا البغضاءَ إِلَيْكِ سَبِيلاً، بل سيغفرُ اللهُ لي زلتي ويشملني برحمتهِ الواسعةِ لأنني لم أخنكِ يوماً، ولم أضمر لكِ سوءاً، وما نويتُ بكِ إلا العفةَ والستر- وَلَكِنْ لِكَيْ أُرِيَكِ كَيْفَ أَنَّ شَخْصاً أَحَبَّكِ بِقَدْرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وبذلَ لكِ روحهُ، بَعْتِهِ في أَسْوَاقِ النخاسةِ الرخيصةِ وعرضتِهِ على العَابِرِينَ بِأَبْخَسِ الأَثْمَانِ، بَعْتِهِ زُهداً بسعر جوه السعر. وكما يقولُ الفيلسوفُ العراقيُّ المغمورُ عبد الجبار الرفاعي في تشريحهِ لانكسارِ القيم: إن أسوأَ أنواعِ الإفلاسِ ليسَ فقرَ الجيوب، بل هو رخصُ النفوسِ حين تبيعُ جوهرَ الوفاءِ لتبتاعَ بهِ عرضاً زائلاً من انتباهِ العابرين؛ لَقَدْ فَشِلْتِ في بَيْعِي وإلغاءِ وجودي، لأَنَّني رَجُلٌ استثنائيٌّ لاَ يَتَكَرَّرُ في تاريخِ القلوب.
أَنَا في الحُبِّ رَجُلٌ نَرْجِسِيُّ التَّمَلُّكِ بامتياز، حِينَ أُحِبُّ امْرَأَةً أُرِيدُهَا لي وَحْدِي كُلِّيَّةً بِلاَ نُقْصَانٍ ولا شركة، لا يشاركني في التفاتةِ جفنها إنسٌ ولا جان، كُلُّ مَا تَتَمَنَّاهُ نَفْسُهَا الشغوفةُ سأصنعهُ لها وأطوعُ الكون لأجلها مُقَابِلَ شَرْطٍ وَاحِدٍ صَارمٍ دُونَهُ الدِّمَاءُ والأعناق: أَنْ تُغْلِقَ أَبْوَابَهَا الشفافةَ دُونِي وَلاَ تَفْتَحَ لِغَيْرِلي أبداً؛ وَحِينَ أَغْلَقْتِ البَابَ في وَجْهِي طيشاً وعناداً، اعْلَمِي أَنَّ بَابِي أَنَا الكبرياءَ سَيَبْقَى مُشْرَعاً لَكِ رغماً عن كل هذا الخراب، مَتى مَا اشْتَقْتِ لعهدي القديم، وَمَتى مَا دَارَتْ بِكِ الأَيَّامُ النَّكِدةُ وَلَمْ تَجِدِي صَدْراً حَنُوناً مخلصاً يَطْبَطِبُ عَلَى كَتِفَيْكِ المنهكين، أَوْ رَجُلاً شجاعاً يَمْنَحُكِ الِاحْتِرَامَ الحقيقيَّ الشامخَ الذي سَلَبَكِ إِيَّاهُ العَابِرُونَ المهرة في الخديعة، فَسَتَجِدِينَنِي هُنَاكَ واجماً لاَ أُغْلِقُ أَبْوَابِي في وجهِ التائبين؛ لأنَّ شيمةَ الكرامِ الصفحُ عندَ العودة. الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ الشاسعُ بَيْنَنَا أَنَّني رَأَيْتُكِ جَوْهَرةً نَادِرَةً فكَسَرْتِ أَنْتِ بِيَدِكِ الجاهلةِ هَذِهِ الصُّورَةَ الإلهية، وَذَهَبْتِ تَطْلُبِينَ اللَّهْوَ والعبثَ والركضَ مَعَ العَابِرِينَ اللاهين في أزقةِ الوهم.
لكنْ اعْلَمِي يَقِيناً حاسماً، أَنَّهُ حِينَ يَهْدَأُ صَخَبُ العَالَمِ المزيف، وتَنْطَفِئُ أَنْوَارُ السَّهَرَاتِ الخادعة، وَتَنَامُ الأَصْوَاتُ الكاذبة، لَنْ يَتَرَدَّدَ في دَهَالِيزِ مَسْمَعِكِ وفي أعماقِ جمجمتكِ المفرغةِ إِلاَّ صَوْتِي أَنَا الهادر كأجراسِ القيامة! سَتَسْأَلِينَ نَفْسَكِ في الفراغِ القاتل: لِمَاذَا رَفَضْتُ ذَاكَ النَّقَاء؟ لِمَاذَا بَعْتُ النورَ بالظلام؟ وَتَأْتِيكِ الإِجَابَةُ من ضميركِ الميت كالصَّاعِقَةِ التي تَدُكُّ الجبال: لأَنَّني شخصٌ عظيمٌ لَدَيْهِ مَبَادِئُ راسخة، دِينِي وَكَرَامَتِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ تشرقُ عليه الشمس، وَحَاشَا لِنَفْسِي الأبيةِ وعِرضي الشريفِ أَنْ أَكُونَ دَيُّوثاً يَرْضَى بِالهَوَانِ أو يغمضُ جفنيهِ على خيانةِ الودّ.
وكما قالَ إمامُ البلاغةِ والحكمةِ عليُّ بن أبي طالبٍ صلواتُ اللهِ عليه: قدرُ الرجلِ على قدرِ همتهِ، وصدقهُ على قدرِ مروءتهِ، وعفتهُ على قدرِ غيرتهِ، وأنا رجلٌ نبتتْ غيرتهُ من صلبِ الشرف. انْظُري بِتَدَبُّرٍ إِلَى صَدِيقَاتِكِ العاقلات، لِمَ لاَ يَتَحَدَّثْنَ مَعَ أُولَئِكَ الأغيارِ والأنذال؟ لأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ مُحْتَرَمَاتٌ يَعْرِفْنَ حُدُودَ النَّفْسِ ومَعْنَى الحُبِّ الشَّرِيفِ العفيف، أَمَّا أَنْتِ فَكُلَّمَا تَقَدَّمْتِ خَطْوَةً أُخْرَى في عِنَادِكِ المظلمِ تَقْبَحِينَ صُورتِي النَّاصِعَة في خَيَالِكِ المريض لِتُبَرِّرِي هُرُوبَكِ اللاشعوريَّ نحو الهاوية، وتَنْسَيْنَ في غمرةِ طيشكِ أَنَّكِ إنَّمَا تَبِيعِينَ بِيَدِكِ رَجُلاً لَوْ دَارَ التَّارِيخُ سِتَّ مَرَّاتٍ، وانقلبتْ القرونُ تلوَ القرون، لَنْ يَجُودَ بِمِثْلِهِ الزَّمَانُ، ولن تلدي الأرضُ من يشابهُ كبرياءهُ أو يطالُ طُهرَ حبهِ المذبوحِ على عتباتِ غدركِ.زوكما يهمسُ الفيلسوفُ الغربيُّ المغْمورُ في دهاليزِ العدميةِ إيميل سيوران: إننا لا ننفصلُ عن الآخرين لأننا نكرههم، بل لأننا نرفضُ أن نراهم يلوثونَ الفكرةَ الجميلةَ التي صغناها لهم في خيالنا المخدوع. وهكذا، انسلختُ من الحكايةِ كما يخرجُ الكائنُ الحيُّ من حريقٍ كونيٍّ هائل؛ لا يحملُ في كفيْهِ سوى رمادٍ دافئ، وهو يعلمُ بيقينٍ ممزَّقٍ أنَّ هذا الرمادَ... كانَ يوماً ما بيتاً وسكناً ووطناً. ومن يلومُ الناجيَ على أنه لم ينقذ الأثاث، بينما كان جسدهُ يشتعل؟ لذلكَ، لم أُودِعْ هذه السطورَ لاستجداءِ امرأةٍ غادرتْ المدار، ولا لأحاكمَ عابري السَّبيل الذين داسوا على قلبي بحوافرِ كلماتِهم. فاقرئي سطوري هذه مراراً، وتجرعي الفضولَ والرعبَ النَّفْسِيَّ لمعرفةِ السطرِ القادمِ الذي لن يصلَ إليهِ عقلُكِ الصغيرُ أبداً، لأنني سحبتُ الخيوطَ وأغلقتُ المأساةَ بيدي... كتبتُها لتوثيقِ قانونٍ لم تجرؤ الفلسفةُ على تدوينهِ في سِفْرِ التاريخ:إنَّ أشدَّ الجناياتِ فتكاً بالوجود، ليستْ تلكَ التي تأتيكَ من عدوٍّ يشهرُ سيفَهُ في وجهِكَ، بل تلكَ التي هدمتْ معاقلَ يقينِكَ... وهي ترتدي ثيابَ الأُخوَّة.
خاتمةُ الذمَّة: الميزانُ الأخيرُ المعزول
بناءً على هذا الخرابِ الروحيِّ المُنظّم، وعلى كلِّ حرفٍ عُدِّلَ عن سياقِهِ، وكلِّ نيَّةٍ بيضاءَ شُوِّهتْ بألسنةِ العابرين، وعلى امرأةٍ آثرتِ الاستماعَ إلى أصواتٍ مستعارةٍ وتركتني وحيداً ألتحفُ العراء:أنا لا أبري الذمَّةَ يوماً، لا في دنيا الفناءِ الدنيئة، ولا في سعةِ البقاءِ الأبدية. لقاضي الأرضِ حكمُ الظاهرِ المعيب، ولعدالةِ الالهي ميعادٌ لا يضلُّ فيهِ الميزانُ مثقالَ ذرة. هناك، في اليومِ المشهود، حيثُ تجثو الخلائقُ خاشعة، وتُنزعُ الأقنعةُ عن الوجوهِ العارية، وتُردُّ التسمياتُ إلى حقائقِها المذبوحة... هناك سنلتقي، ولن أتراجعَ عن قَصاصي الخفيِّ، والخصيمُ بيننا هو الله.







التعليقات