انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

معزوفة أبستين

صالح البياتي
صالح البياتي

قاص وروائي عراقي

3 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
معزوفة أبستين
مشاركة:

تغفو المدينة على أنغام ناعمة هادئة، وتنام مطمئنة على ذراع النهر.

هطلت ذات ليلة امطار غزيرة، لم تستوعبها السدود، فاض النهر، واندفعت السيول في الشوارع، تطارد الكلاب السائبة، والسكارى العائدين لبيوتهم، وتفسد عمل دوريات الشرطة المتصيدين لبنات الليل، إنقلبت أحلام النائمين الوردية الى كوابيس رمادية.

سمفونية ما بعد منتصف الليل، تصمت قبيل شروق الشمس  بساعة، بتوقيت دقيق صممه موسيقار المدينة السيد أبستين، مؤلف السيمفونية الفريدة في إبداعها، وفوائدها المدهشة حيث انها ترخي أجفان الذين يعانون من اضطرابات النوم، التي لا تنفع فيها أقوى الحبوب المنومة، ولا حتى الكؤوس المترعة بالخمرة، وهؤلاء هم القلة الفاحشة الثراء الذين يعانون من الأرق المزمن، ولا تزيد نسبتهم عن واحد بالمئة من سكان المدينة، فكان لها تأثير مدهش عليهم، تجعلهم يحلمون بجزر  اسطورية كالجزيرة العذراء في البحر الكاريبي، او بملاعب للغولف على سطح القمر  أو المريخ، بينما لم يستفد منها الفقراء  بشيء يذكر، لأنهم كانوا يرتمون كالأطفال بأحضان النوم، وهم يمضغون لقمة العشاء الاخيرة، ويصحون مبكرين كالعصافير، لأعمالهم اليومية، كانوا احيانا يحلمون ايضا، بعد يوم عمل شاق  مرهق، ولكن ليس كما يحلم الطوباويين بالمدن الفاضلة، فالفقراء خاصةً  يحلمون بمدينة نظيفة، ليست كمدنهم التي يحشرون فيها بأحياء  فقيرة، مكتظة بالناس، وتعج بالذباب والأطفال القذرين، وتنتشر فيها الروائح الكريهة، وإنما يحلمون في المدينة الام الرؤوم، الحانية على ابنائها كلهم على السواء دون تمييز، صحيح ان هذا الحلم لم يتحقق بعد، لكن تحقيقه ليس مستحيلاً في المستقبل، فقد فكر به فلاسفة إنسانيون، شعراء وفنانون، وكان أيضا حلم الأنبياء. ولما كان تحقيقه قريبا بعيد المنال، لذا الف الموسيقار أبستين، ابن المدينة العبقري،  قطعة موسيقية للخواص، تنساب كخرير الماء فوق حصى جدول رقراق، عذبة ساحرة، تجلب النعاس وتغمر المدينة بالقبل الدافئة، وتقديرا لعمله العظيم، أقيم  له تمثال في مركز المدينة كما يقام للعظماء، ومن هناك من جوفه  تبث الأنغام الساحرة،  وفق نظام إلكتروني دقيق التوقيت، ولكن الموجة الكبيرة التي داهمت المدينة احدثت تشويشا كبيرا على الذبذبات الصوتية، فانقلبت الأحلام الى كوابيس مزعجة، كما انها عبثت بالمنازل، وجرفت البضائع الموجودة في المحال التجارية، ومراكز التسوق الكبيرة، احدثت اضرارا كبيرة باقتصاد المدينة، اجتمع مجلس المدينة، ودار نقاش حاد بين أعضاءه، شن ممثل الأحياء الغنية هجوما على الموسيقار وطالب بازالة تمثاله، بسبب الخراب الذي لحق بأحيائهم الراقية، بينما سكت ممثل الأحياء الفقيرة، لأن الموجة قامت بتنظيف  أزقتهم ونقل نفاياتها للأحياء الراقية، وبذلك أسدت لهم خدمات كبيرة، لم تقم البلدية بمثلها من قبل، كان مفكر المدينة أرقًا كعادته ومتوعكا أيضا في تلك  الليلة المشؤومة،  نظر من غرفته بالطابق الرابع في العمارة المشرفة على مركز المدينة، حيث ينتصب تمثال الموسيقار المشهور، فرأى حمالات صدر وكلوسونات نسائية معلقة على ذراعيه بدا كأنه بائع يعرض بضاعته، اخذت المفكر  نوبة ضحك هستيري أفقدته الوعي، فسقط من فراشه مغشيًا عليه، وفي صباح اليوم التالي وجدوه ميتًا .

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه
سرد

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه

غالب المسعودي في بَدء التّكوين، يَومَ كانَت طاقَةُ الهَيُولى تَموجُ كَسَديمٍ لَزِجٍ فَوقَ مَاءِ العَدَم، لم تَكُن تِلكَ التَّجاويفُ مُجرَّدَ مَجارٍ لِلتَّصريف، بَل كانَت أمعاءً صِناعيّةً عَمياء تَمْتَدُّ كأورامٍ مُستَحكَمةٍ تَحتَ قِشرةِ الأَرض، تَجتَرُّ نُفاياتِ الزَّمَنِ وسَوائِلَ النِّظامِ…

· 7 د
الميت الحي
سرد

الميت الحي

ثقيلة كانت تلك الظهيرة الخانقة من صيف 2003، الرصاص أصبح متقطعًا، ولم يعد ضمن الروتين اليومي لمدينة بغداد، ولكن العيون لم تعرف بعد معنى الطمأنينة.. غبار ودخان خفيف يملأ الجو، حركة هادئة بالشارع، يقطعها بين الفينة والفينة بعض الصخب الذي تنثره الأرتال العسكرية.. أو سيارة إسعاف، دراجة نارية.. أو أي…

· 13 د
قصة " نرجسية كاتب"
سرد

نرجسية كاتب

شكري وامتناني العميق لحرصكم وحسن رعايتكم لما اشارككم من لفحات قلمي ويُنشر على صفحات مجلتكم الغراء. تحية ود طيبة بطيبة عطاءكم الوافر، بكل الود ابعث اليكم قصة بعنوان نرجسية كاتب"... النص: نرجسية كاتب تجاوزتُ في تلبيتي دعوةَ صديقتي وزميلتي "أستاذة علم الاجتماع التي تقاسمتُ معها مظلةَ الجامعة وسنواتِ…

· 5 د