كان سالم ابن الحاج محمود، إذا خلا بنفسه يلصق ركبتيه إلى صدره ويحضنهما بذراعيه.
كأنه يريد أن يصغر نفسه، أن يختفي داخل قميصه البالي.
ينظر إليه أبوه محمود من بعيد، وفي عينيه فيض من الحزن والشفقة,
يستعرض شريط طفولته هزيل الجسد، الجوع، هتك بجسمه لأنهم عائلة فقيرة ترك مدرسته باكرا ليساعد أباه في الحقل,كانوا عائلة فقيرة، لكن بيت الطين الصغير كان ترفرف فوقه أجنحة المحبة والوئام.
محمود فلاح طيب, محبوب من أهل العشيرة. لما يتمتع به من دماثة ورجاحة عقل. صاحب عقل متفتح يبتعد عن المشاكل والصراعات التي تحدث بين شيخ القبيلة والفلاحين الذين تجرعوا الضيم والاضطهاد وكان يحس بمعاناة الفقراء من الفلاحين كونه فقير مثلهم وكان ولده سالم صامتا احتراما لأبيه وتجنبا لكل ما يعكر صفو حياتهم يحب الخير ربى ولده الوحيد وأحسن تربيته، وأمه كانت تدعو له في كل سجدة: "الله يخلي ولدي".
كبر سالم, وصار شاب، وجهه سمح وقلبه أبيض, صفات ورثها عن أبيه
أحب بنت من الجيران حب طاهر، لقاءات على السطوح، وكلمات على الحياء لكن الأب طلب ابنة أخيه إلى ولده سالم وافق سالم لانه لا يقدر أن يرفض طلب والده, عندما سمعت حبيبته بالخبر ، طلبت لقاء أخير.
التقيا خلف بستان النخيل, كان الوداع موجع.
أثناء المداعبة والبكاء، أخرجت من صرتها قطعة بقلاوة مغرقة بالعسل.
قالت. هذه آخر قطعة تأكلها من يدي أكلها سالم, كانت لذيذة جدا وشهية وهو يشكرها, في تلك الليلة انقلب كل شيء.
بدأ الدوار. وصداع شديد يضرب رأسه كالمطرقة.
ينهض في منتصف الليل يهذي: يخرج من الغرفة يبحث عن سكين, عن حجر عن أي شيء يهشم بها الظلال الذي يشاهده في خياله..
وفي النهار يعود سالم إلى حالته وديع، ومحبوب، لا يؤذي نملة, الأم تمرضت من الخوف. بعد وقت لم يكن طويلا بدأت صحتها تسيئ كانت تعاني آلاما حادة في صدرها كان صدرها يوجعها كلما سمعت صراخه في الليل.
تبقى ساهرة، تراقب الباب, حتى ماتت ذات شتاء، وفي صدرها حسرة وبكاء ماتت وهي حاملة معها كل أمنياتها بأن تزوج أبنها الوحيد سالم وتفرح بزواجه ماتت وقلبها مكسور على ولدها.
بقي سالم يخاطب نفسه بألم شديد .. قائلا عندما ماتت أمي بكيت كثيرا أشعر بأنني فقدت اشياء كثيرة في رأسي وقلبي, أصابني الجزع لا زالت صورتها عالقة في ذهني سببت لي آلام لا أستطيع الفكاك من تحملها أذهب إلى قبرها أحكي حكايات وتفاصيل لعلها تسمعني, لانني أشعر بالذنب وعند المغادرة أعدها بأن أعود إليها, ربما تسمعني فأكون قد فرغت ما في ذاكرتي من حكايات حكتها لي وانا طفلا في حضنها. وفاتها أيقظت الجروح التي كانت غافية في صدري طيلة السنوات الماضية تلاحقني بنظراتها أينما ذهبت ..في تلك الليلة بكيت كثيرا عندما نهضت من الفراش كان وجهي غير الوجه الذي احمله كل صباح .. الجروح تجد في قلبي مرتعا خصبا لنموها .. بكيت كثيرا عزيزة هي الدموع التي سقطت من عيوني ..بودي أحفر قبرا إلى جانب قبرها لاحدثها بكل التفاصيل ففي رأسي العديد من القصص والأمور التي اود أن تعرفها.. توفيت أمي ودفن معها الدمع المتكسر في عينيها .. أطلب منك السماح يا أمي...
وذات ليلة، هجم سالم على أبيه؛
كادت يداه أن تطبق على عنقه لولا أن تخلص محمود منه بمعجزة.
في الصباح، أخذه محمود إلى شيخ معروف بالمدينة.
قرأ عليه المعوذات، ثم قال بصوت واطئ:"ولدك متلبس؛ بالجن يأتي إليه في الليل من يوم ما أكل الحلاوة. من عشيقته التي لاتريد فراقه فقررت أن تنتقم منه الجن يسيطر عليه من الغروب حتى الفجر وفي النهار يخرج من جسده..
ارتجف محمود. جمع أولاد أخيه وطلب منهم تكبيله بالسلاسل في الليل.لكن عند الفجر... كانت السلاسل مرمية على الأرض كأنها خيوط.
عاد محمود إلى الشيخ يخبره بما حدث.
" قال الشيخ "الجان المتلبس بها قوية اسقيه هذا الماء المقرئ عليه قبل أن ينام، وكتفه بالسلاسل مثل كل ليلة"
فعل محمود. ما امره به الشيخ..
في الصباح كانت السلاسل ما زالت على قدميه, لم تتقطع..
قال الشيخ: "قدم له أكل دسم، لحوم وفواكه. الجان إذا شبع تخرج من جسده التهم سالم كل الاكل الذي قدمه والده بشهية، ثم مسح فمه ونهض.
عاد إلى الحقل مع أبيه. يحرث، و يسقي، ويضحك.
بعد أشهر... تزوج بنت عمه, وعم الهدوء على البيت.
لكن محمود، كل ليلة، قبل أن ينام، يضع قرب سرير ولده قنينة الماء المقرئ.
خوفاً من أن تعود "مرارة الأيام".








التعليقات