-7-
كان عبد القادر قد جلس مع عددٍ من الموظفين في غرفة المدير العام القانوني، دون أن يكون متأكدًا تمامًا من سبب وجوده هناك، سوى ذلك النداء الذي وصله من أحد موظّفي مكتب المدير، والذي بدا له في لحظتها أمرًا إداريًا لا يحتمل التأويل، لكنّه، ما إن جلس، حتى بدأ يشعر بأنّ الأمر أعمق من مجرّد اجتماعٍ عابر، وأنّ ما يُحضَّر في هذه الغرفة لا يشبه ما يُقال عادةً داخل الدوائر. كان الترقّب واضحًا في ملامحه، لكنه لم يكن ترقّبًا بسيطًا، بل هو توتّرٌ متراكم منذ بدء القصف الأمريكي ومقتل المرشد الإيراني، توتّرٌ لم يهدأ، بل أخذ يتغذّى على ما يتسرّب في الممرّات من تحليلاتٍ وتوقّعات، وعلى ما يتكاثر في الرؤوس من أسئلةٍ لا تجد إجابة.
كانت الغرفة نسخةً شبه مطابقة لغرفة المدير العام الإداري، حتى في تفاصيلها الصغيرة، كأنّ الطابق كلّه صُمّم ليعيد نفسه، بابٌ ثقيل، مكتبٌ واسع، كراسٍ متقاربة، ونافذة نصف مفتوحة يدخل منها هواءٌ باردٌ خفيف، يمرّ على وجوه الجالسين أكثر مما يمرّ على الأوراق المبعثرة فوق المكتب، وكأنّه يحاول أن يوقظ شيئًا فيهم، أو يهدّئ شيئًا لا يهدأ. جلس الجميع في صمتٍ مترقّب، لا أحد يبادر بالكلام، كلّ واحدٍ ينتظر ما سيقوله المدير العام، الذي كان يجلس خلف مكتبه، يحرّك رأسه ببطءٍ في اتجاهاتٍ مختلفة، كأنّه يزن الكلمات قبل أن يطلقها، أو كأنّه يبحث عن زاويةٍ آمنة للحديث.
حين بدأ بالكلام، لم يرفع صوته، لكنّ الجملة الأولى كانت كافية لتثبيت الانتباه:
- الأحبة هذا اللقاء غير رسمي.. وهو سريع.. فالتحالف الذي ننتمي إليه، يطالبكم بترقّب الأمر. ما يحصل من حرب في إيران، ربما له انعكاسات خطيرة على الداخل العراقي. ليس من الجانب الأمريكي، بل من جانب بعض الفصائل العراقية التي قد تدخل الحرب. ولذا فإن الأمر خطير جدا.
تلقّى الحاضرون الكلام بصمتٍ أثقل من الردّ، صمتٍ يُخفي وراءه تبايناتٍ حادّة، وكان عبد القادر يصغي، لكنه في الوقت نفسه بدأ يدرك أنّ الاجتماع حزبيّ أكثر مما هو وظيفي، وأنّ حضوره هنا قد يكون زلّةً صغيرة في توقيتٍ لا يحتمل الزلل. شدّ كتفيه قليلًا، وأخذ يراقب الوجوه، يحاول أن يقرأ موقعه بينها، دفعه شيء في داخله إلى الكلام، فالصمت صار عبئًا لا يُحتمل.. مال قليلًا إلى الأمام، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها ثابتة:
- أنا لا أفهم لماذا كل هذا الصمت.. كأنّنا ارتكبنا جريمة إن تكلّمنا.
ارتفعت بعض الرؤوس نحوه، لا بدهشة، بل بحذر. ورفع المدير العام رأسه ببطء، وحين وقعت عيناه على عبد القادر، بدا أنّه لم يتوقّع وجوده، أو لعلّه لم يرغب به في هذا السياق، فقال بنبرةٍ خافتة، محسوبة:-
- ليس صمتًا.. بل حذر.
ثم أضاف، وكأنّه يضع حدًّا غير مرئي:
- المكان لا يسمح بالكثير من الكلام هذه الأيام.
ألقى نظرةً مباشرة على وجه عبد القادر، نظرةً تحمل ما هو أكثر من التحذير:
- استاذ عبد القادر، أرجو أن لا يخرج الكلام من باب الغرفة إلى غرفتك
وصل المعنى سريعًا.. لم يكن المقصود الغرفة فقط، بل ما وراءها. فسقطت صورة مهدي أمامه.. هزّ عبد القادر رأسه، لكنّ الحركة لم تكن إقرارًا، بقدر ما كانت محاولةً لتأجيل الردّ. قليلًا فكّر أن ينهض ويغادر، لكي يخرج من هذا الثقل قبل أن يُحسب عليه، لكنه تراجع، شيء في داخله أصرّ على البقاء، على اختبار الحدّ الذي يمكن أن يصل إليه. قال بصوتٍ منخفض، لكنّه لم يُخفِ حماسه:
- لكننا نعبر عن مواقفنا فقط.. أليس كذلك؟
جاء ردّ المدير سريعًا، وربما أسرع مما ينبغي، كأنّه يريد احتواء الجملة قبل أن تتسع:
- نعم.. نعم.. بالتأكيد.
ومع ذلك، لم يكن في نبرته ما يطمئن.
كان عبد القادر ينظر إلى الوجوه من حوله، يحاول أن يجد فيها ما يستند إليه، لكنه وجد نفسه أكثر تشتّتًا، كأنّ الآراء داخله بدأت تتنازع، لا تستقر على جهة، ولا تنحاز بالكامل، وكان يعرف، في تأمّل وصفاءٍ قصير، أنّ هذا التذبذب ليس خاصًا به، بل هو ما يعيشه كثيرون، لكنّ الاعتراف به كان أصعب من احتماله.
جاء صوت معاون رئيس القسم، الذي كان يجلس قريبًا من المكتب، كأنه يلتقط الخيط من داخله:
- لسنا مع أمريكا التي احتلت العراق.. هذا أمر واضح.
وأضاف بنبرةٍ أكثر حدّة، كأنّه يدفع الجملة إلى أقصاها:
- لكننا أيضًا ضد إيران التي احتلت العراق بطريقتها.. وجعلت بعض الفصـ...
لم تكتمل الكلمة.. تدخّل المدير العام بسرعةٍ، قاطعًا سياق الكلام، قبل أن يقال كلامٌ، يخشى الكلمة الأخيرة تحديدًا، رفع يده قليلًا وقال بحزم:
- احتفظ برأيك.. أرجوك.
ساد صمتٌ قصير، لكنه كان مشحونًا بما قُطع. ثم خفّض المدير العام صوته، ونظر نحو الباب المغلق، كأنّه يتأكد أنّه لا يزال مغلقًا:
- نحن موظّفون في الدولة.. وهنا مكان للعمل، والاجتماع هو تنبيه من أن تحصل أي مشكلة بين الموظفين. فالدائرة فيها تنوّع وتعدّد الأفكار والانتماءات ولا نريد أية حالة تصادم.. الآراء السياسية تُقال خارج الدوام الرسمي، لا هنا.
وصلت الجملة إلى عبد القادر، لكنّها لم تستقر، تسلّلت مرّة أخرى صورة مهدي إلى ذهنه، جلست إلى جواره، تنظر إليه، تعاتبه، تعيد عليه كلماته الأخيرة عن إيران. شعر بانقباضٍ مفاجئ، وبشيءٍ من الضيق الذي لا يعرف كيف يفسّره. نظر نحو الباب المغلق، وأطال التحديق فيه، متخيّلًا أنّ أحدًا يقف خلفه، يسمع، ينتظر. لم ينتبه ليده التي تحرّكت قليلًا، إلّا حين جاءت لَكزةٌ خفيفة من معاون رئيس القسم، أعادته إلى مكانه.. توقّف، لكنّ السؤال خرج هذه المرّة من غيره:
- لكن هل المطلوب منا أن نكون بلا رأي؟
لم يجب المدير العام فورًا.. مدّ يده نحو فنجان الشاي، أمسكه دون أن يرفعه، ظلّ ينظر إلى سطحه الداكن، كأنّه يرى فيه ما لا يُرى، ثم قال ببطء:
- الرأي موجود.. لكن الحكمة أن تعرف أين تقوله.
ارتسمت على وجه عبد القادر ابتسامةٌ خفيفة، متعبة، لا تُشبه الفرح بقدر ما تُشبه الاعتراف بالعجز، وقال، كأنّه يحدّث نفسه:
- المشكلة أن الرأي صار صعبًا.. حتى داخل هذه الغرفة.
وصلت الجملة، أو ربما لم تصل، لكنّ المدير العام أطلق زفرةً طويلة، ثم مال إلى الخلف في كرسيه، موجّهًا نظره نحو معاون رئيس القسم:
- على الجميع توخّي الحذر. لا نريد أي تصادم. ولا نقاشات. لدينا مقرّات حزبية ويكون النقاش فيها، وعلى الجميع انتظار التعليمات.
لم يعلن انتهاء الاجتماع، لكنّ الجملة كانت كافية لتشير إليه.. ومع بدء الصمت الذي هبط على الغرفة، جاء صوت خطوات أقدامٍ متسارعة في الممرّ، صوتٌ واضح، قريب، يقترب بسرعة. توقّف الحديث دفعةً واحدة. أصغى الجميع.
كان الصوت يأتي من الممر.. شعر عبد القادر بأنّ قلبه ينبض بقوّة مفاجئة، بلا سببٍ واضح، أو بسببٍ يعرفه ولا يريد الاعتراف به. مرّت في رأسه فكرةٌ خاطفة، ماذا لو كان مهدي؟
تصلّب جسده قليلًا، كأنّه يستعدّ لشيءٍ لا يعرفه. نهض معاون رئيس القسم بحذر، وفتح الباب قليلًا، ثم أكثر. ظهر الممرّ طويلًا، ممتدًا، لكنه لم يكن فارغًا، وجوهٌ متوتّرة، موظفون يقفون في حلقاتٍ صغيرة، يتحدّثون بصوت جدالٍ واضح، لكنّ الجلبة طاغية، كأنّ المبنى كلّه صار يهمس في وقتٍ واحد.
خرج عبد القادر بخطوةٍ متردّدة، كأنّه يخرج من غرفةٍ إلى مشهدٍ أكبر. تقدّم قليلًا، وعند نهاية الممرّ، حيث غرفة المدير العام الآخر، لمح مهدي. كان يمشي ببطء، حاملًا شيئًا غير مرئي، متّجهًا نحو غرفته الوظيفية. توقّف عبد القادر، ثم تحرّك باتجاهه، دون أن يناديه. كان كلٌّ منهما يسير، وفي داخله إحساسٌ متزايد بأنّ شيئًا ما يتحرّك في هذا المبنى، شيئًا لا يُرى بعد، لكنه يُشبه تلك الشرارة الصغيرة التي تسبق الحريق.

-8-
عندما اقترب مهدي من باب الغرفة، كان عبد القادر قد وصل في ذات الوقت، كأن خطوتيهما كانتا تسيران على إيقاعٍ خفيٍّ واحد، وحين امتدّت يداهما إلى ظلفة الباب توقّفا معًا، كما لو أنّ الزمن تعثّر بينهما ووقع في تلك الفجوة الضيّقة. تلاقت أعينهما، لا بدهشةٍ هذه المرّة، بل باعترافٍ صامت، فقد خرج كلٌّ منهما من غرفةٍ تحمل روايةً مختلفة عن الأخرى، من اجتماعٍ يضجّ بما يكفي ليملأ الممرّ كلّه، حتى بدا كأنّ الكلمات لم تبقَ تحت سقفين، بل تسلّلت إلى السقف الثالث، سقف الممر، ثم راحت تبحث عن غرفةٍ ثالثةٍ تُقال فيها من جديد، وهذه الغرفة هي الآن، غرفتهما الوظيفية.
دخلا معًا، يتقدّمهما صمتٌ ثقيل، صمتٌ له وزن، يكاد يُسمع. وقف كلٌّ منهما على كرسيه الوظيفي، لكن الجلسة لم تكن اعتيادية، كان في جلوسهما شيءٌ من التربّص، من الحذر الذي يشبه حذر الجنود قبل أن تُطلق الطلقة الأولى. كلٌّ منهما أراد أن يسأل، أن يفتح بابًا صغيرًا نحو الكلام، لكن الأسئلة بدت فجأةً أكبر من أن تُقال، وأخطر من أن تُترك بلا إجابة.
كانت هذه المرّة مختلفة، لا تشبه الصباحات السابقة حين يتبادلان التحية، وكأنها واجبٌ خفيف، ولا تشبه مزاحهما العابر عند استكان الشاي. النظرة هذه المرّة كانت مشدودةً، خيط على وشك الانقطاع، وهناك شيءٌ غير مرئي يقف بينهما، شيءٌ لا يُرى لكنه يفرض نفسه بقوّة.
أخيرًا، كسر عبد القادر الصمت، بصوتٍ حاول أن يكسوه عاديّةً مفتعلة:
- عندك قلم جاف؟ اليوم نسيت أجلب قلما .
ردّ مهدي، بصوتٍ منخفض، كأنه يختبر نبرة الجو:
-نعم، هذا قلم.. اليوم الزوجة مخلّية قلمين.
ابتسم عبد القادر، مستغلًّا الخيط الرفيع للمزاح:
- أنت عندك زوجة تهتم بيك.. وأنا عندي أبي يهتم بي.
رمى مهدي القلم، فالتقطه عبد القادر بحركةٍ سريعة، كحارس مرمى يختطف كرةً بطريقة رائعة، ثم قال مهدي، وكأنه يمدّ جسرًا صغيرًا فوق هوّة:
- تزوّج.. حتى يصير الاهتمام بالعائلة أكبر من أي اهتمام.
مرّت ثوانٍ، لكنها لم تكن فارغة، كانت ممتلئةً بالكلام الذي لم يُقل، بالأفكار التي تدور كدوّاماتٍ صغيرةٍ داخل رأسيهما. كانت هناك تصريحات، تحليلات، صور حروب، مقاطع بثّ، روايات، وفتاوى، كلّها تتحرّك في فضاء الغرفة، كائنات خفيّة، تشدّ كلّ واحدٍ منهما إلى جهةٍ معاكسة.. وكل سيرى ما سمعه وما قرأه حاضرا امامهما، ثمة شيطانٌ يأتي بما يريده لكل منهما. أمسك مهدي بالخيط أخيرًا:
- شفت البثّ الذي نشرته أمس؟
ارتفع حاجبا عبد القادر قليلًا، وابتسم ابتسامةً تحمل نصف إجابة. التقطها مهدي بسرعة:
- زين.. يعني وصل لك؟
طال النظر بينهما، نظرة فاحصة، مهدي يحاول أن يتأكّد أن الرجل الجالس أمامه هو ذاته الذي كان يشاركه الشاي كل صباح. قال مهدي بطريقة المستغرب، وهو يجرّ الكلمات بحذر:
- أمس قريت الذي كتبته بصفحتك.. بصراحة استغرب، شلون واحد يفرح بمقتل إنسان، وهو قائد إسلامي، على يد صهيوني؟
تلاشت ابتسامة عبد القادر، وتحرّك في مكانه بقلقٍ خفيف، ثم قال دفعةً واحدة:
- أنا أعرف طيبة قلبك.. بس تريد رأيي لو أجامل؟
استقام مهدي قليلًا:
- أريد رأيك الصادق.
هنا تغيّرت نبرة عبد القادر، صارت أكثر حدّة:
- ما فرحت بموت إنسان كإنسان.. فرحت بنهاية رجل تسبب بأذية بلدنا.
اشتعل شيءٌ في عيني مهدي، شيءٌ لم يكن ظاهرًا قبل سابقًا:
- رجل مسلم.. مرجع ديني.. أيستحق هذا الكلام؟.. على الاقل أنه مسلم .الدين شيء.. والسياسة شيء ثاني. لا تخلط الأمور حتى تبرّر الشماتة.
رفع عبد القادر حاجبيه، ورد بسرعة قبل أن يستمر مهدي بالكلام:
- شماتة؟ تسمي الاعتراض على تدخل إيران شماتة؟
رد مهدي بجملة سريعة:
- وأنت تفرح بقتل مسلم وتعده رأيا وموقفا سياسيا؟
دار القلم بين أصابع عبد القادر، كأنه يبحث عن توازنٍ مفقود:
- أنا أكره إسرائيل، وهذا شيء مفروغ منه.. وما أقبل الحرب على إيران، لأن جرّبنا الحرب، ولكن نحن عانينا من تدخل إيران..
بدأ الصوتان يرتفعان، شيئًا فشيئًا، كأنهما طائرتان تقتربان من التحليق في فضاءٍ ضيّق. خارج الغرفة، كانت أصوات الطائرات الحقيقية تمرّ في السماء، لكن أحدًا في الممر لم يلتفت، اعتادوا الصوت حتى صار جزءًا من الخلفية، ضجيجًا يوميًا لا يستحق الانتباه، وكأن الحرب حين تتكرر، تفقد قدرتها على الإدهاش. فيما كان داخل الغرفة، ثمة حرب تبدأ.
قال عبد القادر، بنبرة اتهام:
- أنت لا تحب العراق. تحب إيران أكثر ولذا لا يهمك مصلحة العراق
استفز الكلام مهدي.. وقف واضعًا يديه على المكتب، بطريقة المتحفز:
- وأنت تنساق الى أمريكا التي سابقا قلت أنها دولة احتلال والآن تفرح لأنها تريد احتلال إيران.
أمسك عبد القادر القلم بعصبية، ضاغطًا برأسه على المكتب:
- المشكلة أنك ترى كل شيء من زاوية واحدة.. كأن العراق لم يتأذَّ من تدخلهم.
رد مهدي بعصبية واضحة:
- العراق تأذّى من الاحتلال الأمريكي.. من الطائرات التي قتلت الأطفال.. من الذين دمروا البلاد.
لوّح عبد القادر بيده:
- وأنا ما قلت أمريكا بريئة.. لكن إيران سوّت العراق ساحة حرب.
ارتفع صوت مهدي:
- هذه شماعة.. لولا إيران، سقط العراق بيد داعش.
انفجر عبد القادر:
- رجعنا لنفس الكلام.. أنت ما تتقبل رأي غيرك..
9--
خرج المدير العام الثاني من غرفته بخطواتٍ سريعةٍ مشدودة، يتبعه اثنان من رجال حمايته، كأن الظلّ نفسه صار أكثر صلابةً خلفه. كانت ملامحه قاسية، لا تخفي ما يدور في رأسه من قلقٍ متشعّب، لم يكن الخوف من صوتٍ ارتفع في غرفةٍ فحسب، بل من فكرةٍ تتسرّب، من انقسامٍ يتشكّل، من شرخٍ قد يمتدّ ليطال ما هو أبعد من الجدران. كان يعرف، في قرارة نفسه، أنه يميل إلى بعض ما يُقال في تلك النقاشات، لكنه كان أكثر معرفةً بأن الأفكار، حين ترتفع نبرتها، تتحوّل إلى شيءٍ آخر.. شيءٍ لا يمكن السيطرة عليه.
توقّف في منتصف الممر، ليضع نقطةً فاصلةً في حركة المكان، نظر إلى الوجوه المتجمّعة قرب باب غرفة مهدي وعبد القادر. كانت الوجوه متوتّرة، فضولية، بعضها متحفّزٌ منتظرًا إعلان نتيجة هذا الشجار كما اطلق عليه أحد الموظفين وهو يشيع الخبر بين الغرف.. موظفاتٌ بحجاباتٍ ملوّنة يقفن بعيدًا، متكئاتٍ على الجدار، يتهامسن بنصف أصوات، معبرات عن خوفهن، مما يحدث بين الناس، فيما وقف الرجال أقرب إلى الباب، تتنازعهم الرغبة في الانحياز والخوف من انكشافه.
وقف المدير العام أمام باب الغرفة، وقال بصوتٍ حازمٍ لا يقبل الالتباس:
- ما الذي يحدث هنا؟ لماذا هذا التجمّع؟ ألا تدركون خطورة ما تفعلون؟
كان صوته كافيًا ليُحدث شقًّا في الجموع، تفرّق بعضهم فورًا، وانسحبوا إلى غرفهم، معبّرين عن حيادهم فيما يجري، بينما تراجع آخرون ببطء، متردّدين، يسرقون النظرات نحو الباب، وفي دواخلهم ما يجعلهم يتردّدون بالانسحاب، مخافة أن يفوتهم ما سيحدث.. أشار من جديد بضرورة التوجه كل إلى غرفته. وتقدّم بهدوء، دافعًا الباب الموارب بيدٍ حاسمة.
في الداخل، كان مهدي وعبد القادر واقفين، متقابلين، بينهما مسافة قصيرة، بوجهين بدا له قد اتعبهما النقاش، وبدا له أنهما يقفان على ضفتين متباعدتين لا تلتقيان. ملامحهما مشدودة، أنفاسهما غير منتظمة، وكأن الحنجرة نفسها أنهكها الغضب.
رمقهما بنظرةٍ حادّة، ووقف في منتصف الغرفة عند مقدمة المنضدتين.. قال بلهجةٍ مشوبةٍ بامتعاضٍ واضح:
- هذه دائرة حكومية، وليست ساحة صراع سياسي.. ألم يُبلّغكما رئيس القسم؟ ألم أؤكّد ذلك في الاجتماع قبل قليل؟.
لم يجب أيٌّ منهما. اكتفيا بحركاتٍ صغيرةٍ مرتبكة، وتعديل ربطة عنق، تسوية حافة كمّ، كأن الجسد يبحث عن مخرجٍ حين تعجز اللغة. تقدّم خطوةً أخرى، وصوته يزداد ثِقلاً، وصار في منتصف المنضدتين:
- ألا تخجلان من هذا الذي يحدث؟ أنتما من أعقل موظفي الدائرة.. وكنت أظنّ أن أفكاركما، مهما اختلفت، لا تصل إلى هذا الحد.
كان الصمت هذه المرّة مختلفًا، لم يكن عنادًا، بل انكسارًا خفيفًا يمرّ على الوجهين. ومحاولة إعادة التنفّس السريع وتشنّج العضلات. شعر عبد القادر بأن الإشارات تتّجه إليه.. رفع رأسه قليلًا وقال بصوتٍ منخفض:
- لم يحدث شيء.. مجرّد حديث، لكنه تصاعد كأي نقاش بين عراقيين مختلفي التوجه
توقّف المدير عند الكلمة، وضع يده على مكتب عبد القادر.. وقال بنبرةٍ مستفسرة ساخرة:
- مجرّد حديث.. حديثٌ يجمع كل موظفي وموظفات الطابق في الممر وصوتكما وصل إلى غرفنا.. ماذا لو سمع الوزير خلف الباب؟
التفت إلى مهدي، تقدم نحوه، وضع يده على حافة منضدته.. حدق في وجهه بطريقة من يعبر عن استهجانه:
- وأنت.. كنت أعدّك مثالًا في الهدوء.. ما الذي تغيّر؟
تردّد مهدي. كانت الكلمات تتزاحم في صدره، ثقيلة، حادّة، تريد أن تخرج كما هي، لكن نظرات العيون كبّلها.. أغمض عينيه، وتشجّع على الرد:
- اختلاف في الرأي.. نحن من عادتنا العصبية.
ابتسم المدير ابتسامةً خفيفة، لكنها مثقلة بالتعب:
- الاختلاف لا يحتاج جمهورًا.. ولا يتحوّل إلى عرضٍ حيّ.. انتم قدمتم عرضا يوضح الانفصال الذي يعبر عن التشدد في العقل.
سحب كرسيًا بين المنضدتين وجلس، دافعًا به قليلًا نحو النافذة، تاركًا ظهره إلى الزجاجة الكبيرة المطلة على الخارج.. أشار لهما أن يغلقا الباب جيدًا..
- أغلقوا الباب رجاء
اتجه الاثنان بذات الخطوات لينفذا ما طلبه المدير العام.. وأغلقا الباب معا.. ولم يزل التوتّر يتسرّب تحت جلدهما، كما لو أنّه لا يعترف بالحواجز.
قال المدير العام بهدوءٍ محسوب:
- البلد بدا يعيش توتّرًا.. وهو أصلًا منقسم.. والناس منقسمة.. أنتم تعلمون ذلك.. وإن كان الأمر طبيعيا في الواقع السياسي، لكنه غير طبيعي حين يدخل إلى الأبنية الحكومية . هذا أمر خطير.. لأنه سيحول المكان إلى ساحة أخرى غير مكان الأداء الوظيفي
لم يجد مهدي ما يرد به أو يعترض أو يوافق.. أمّا عبد القادر فقال، كأنه يتمسّك بآخر خيطٍ دفاعي:
- لم نتشاجر… فقط كنّا نتكلّم.
نظر إليه المدير العام مباشرةً، بعينين ضيّقتين:
- بعض الكلام… أشدّ من الشجار.
في الخارج، كانت الحركة قد خفّت، لكنها لم تختفِ. عيونٌ تراقب من بعيد، هواتف تُرفع بخفّة، همساتٌ تنتقل كعدوى. خلال دقائق، لم تعد الحادثة تخصّ هذه الغرفة، صارت موضوعًا يتنقّل بين الطوابق، بين المكاتب، بين الاتصالات السريعة. كلٌّ يرويها بطريقته، كلٌّ يضيف إليها انحيازه.
والمدير العام يراقب ما يحدث، فالموظف ميّال بطبعه إلى الاطلاع والنبش في الأخبار.. وهو يكاد يسمع حتى وقع الأقدام التي تمر من أمام الباب.
رن هاتفه.. نظر إلى الشاشة، قرأ الرسالة، ثم رفع عينيه نحوهما، وقد اطلق حسرةً طويلة:
- هل تعرفان ماذا يحدث الآن؟ كلّ المبنى يتحدّث عنكما. كلّ غرفةٍ صارت نسخةً مصغّرة من هذه الغرفة.
وقف، دافعًا الكرسي بحركة غاضبة، وقد تبدّلت نبرته إلى حدّةٍ صريحة:
- اسمعاني جيدًا.. لا أريد تكرار ما حدث. أي نقاش سياسي، خارج الدوام. أما هنا، فللعمل فقط.
تقدّم نحو الباب، بهدوء ليستدرك شيئًا، وقال بنبرةٍ أقلّ قسوة:
- أنتما زميلان منذ سنوات.. لا تجعلا هذه الغرفة تتحوّل إلى جبهة.
قال عبد القادر سريعًا:
- لا مشكلة عندي.
أما مهدي، فقد ظلّ صامتًا. لم ينظر إلى عبد القادر، ولا يطيل النظر في وجه المدير العام. في داخله ما يقول ان المدير منحاز إلى عبد القادر، وإن بدا أمامه لا يتحدث بطريقة مباشرة.. لذا
كان لا يفكّر في المدير، ولا في الغرفة، ولا حتى في العمل. كان ينظر إلى نقطةٍ ما على زجاج النافذة، كأنها اتّسعت فجأة.
فيما كان المدير العام يدرك أن ما حدث لم يكن مجرّد نقاشٍ عابر، ولا مجرّد ارتفاع صوت. كان شقًّا صغيرًا قد فُتح في جدارٍ سميكٍ من الألفة. والشقوق، مهما بدت ضيّقة، تعرف طريقها.. تعرف كيف تتّسع، وكيف تسمح لما هو أكبر أن يدخل.
فتح المدير العام الباب وخرج. ليغلقه على الأثنين. تاركًا أذنيه لالتقاط ما يحصل بعد خروجه.
لكن الصمت كان سيد الموقف في الغرفة، وكان الهدوء وإن كان غير حقيقي.. لكنه كان هدوءًا مراقبًا، حذرًا، كأن المكان كلّه ينتظر ما سيحدث بعد ذلك.







التعليقات