انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فجر أحمر.. نهار ضبابي – رواية في حلقات الحلقة الخامسة - تصاعد التوتّر

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

10 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
فجر أحمر.. نهار ضبابي – رواية في حلقات الحلقة الخامسة - تصاعد التوتّر
مشاركة:

-10-

 مرّ أقل من نصف ساعةٍ على الحادث، لكن الزمن في الدائرة لم يعد يُقاس بالدقائق، بل بدرجات التوتّر التي تهبط وتصعد كنبضٍ غير مستقر. كان المديران العامّان قد أرسلا عيونًا صغيرةً إلى كل الطوابق.. موظّفون يتظاهرون بالعمل، لكنهم في الحقيقة يراقبون ما يتسرّب من الشقوق. عادوا إليهما بأخبارٍ مطمئنةٍ في ظاهرها: الأبواب مغلقة، الأوراق عادت إلى مساراتها، التواقيع تدور، الحواشي تُكتب، وأصوات أجهزة الاستنساخ تضخّ إيقاعها الرتيب، فيما تضرب أصابع الموظفين على لوحات مفاتيح الحواسيب، كأنها تريد أن تثبّت العالم في مكانه. لكن ذلك الهدوء لم يكن أكثر من قشرةٍ شفافة، هشّة، تكفي بلمسةٍ واحدة لتتشظّى.

في الداخل، كلّ شيءٍ يعمل.. وفي الأعماق، كلّ شيءٍ يغلي. لم يحتمل مهدي هذا التوازن المصطنع. وصدره لا يزال مشحونًا، في داخله كلمات لم تُقل بعد، لأن الأمر مسه في ما يعتقده، يبحث عن منفذٍ آخر. لم يجد أمامه إلّا الخروج من الغرفة بخطواتٍ سريعة، متّجهًا نحو نهاية الممر حيث الحمّامات، كأنّه يهرب من المكان، أو من نفسه.

وقبل أن يصل، التقطت أذناه خيطًا صوتيًّا يتسرّب من غرفةٍ يعرفها جيدًا، غرفة ثلاثة موظّفين لا يشغلهم شيءٌ بقدر ما تشغلهم الحياة خارج العمل، سفرٌ يخططون له، رغباتٌ يبحثون عن فرص لتحقيقها، ونكاتٌ لا تنتهي. كانوا دائمًا يعلنون حيادهم، يحدّدون مواقفهم من أنهم يقفون على حافّة كلّ شيء، لا ينتمون إلّا لما يخفّف عنهم ثقل الأيام. وصوتهم منخفضٌ، وإن بدأ مشحونًا بخفّةٍ متعمّدة، تتخلّلها ضحكاتٌ قصيرة، في محاولةٍ لثقب هذا الجوّ المكتوم.

قال أحدهم، وهو رجلٌ أربعيني معروف بخفّة دمه:

- الظاهر الدائرة اليوم صارت حزبين.. حزب الحزن.. وحزب الفرح.

انفجرت ضحكةٌ مكتومة، تبعتها أخرى. من أفواه الموظفين الآخرين.. وبين الضحك، كانت الأيادي تواصل عملها، تقلّب الأضابير، تدقّق، وتوقّع، تاركين أياديهم تعمل فيما الروح منشغلةٌ بشيءٍ آخر.

قال الموظف الثاني، وهو يعدل نظارته الطبية، على أنفه ويناول زميله ملفًا:

- أخاف قريبًا يطلبون منّا نملأ استمارة.. مع من تقف؟

ردّ الموظف الثالث، بشعره المضفور، وهو يغلق إضبارةً أمامه:

-لا، أحسن.. يحطّون صندوق اقتراع بالاستعلامات.. ويقسّمون الدوام، جماعة الحزن للدوام الصباحي، وجماعة الفرح للدوام العصري..  وأمثالنا دوام المسائي الليلي.. لأننا لا نحزن ولا نفرح.

ارتفع الضحك، هذه المرّة أوضح، كأنهم يوسّعون الشقّ بالسخرية. ثم قال الشاب ذو الشعر المضفور، بصوتٍ أخفّ، لكن أكثر حدّة:

- واحد ما لاقي أكل لعياله.. ولا دواء بمستشفى.. وعايش بإيجار.. ويجي يتعارك على مواقف.

لم يكمل جملته. فقد دخل رجلٌ ملتحٍ من الغرفة المجاورة، والتقط طرفها، كأنها كانت تنتظره.. تغيّرت ملامحه فورًا، تصلّبت:

- الذي نمرّ بيه ليس موضوعًا للمزاح.

سقط الصمت، كغطاءٍ ثقيل. نظر الثلاثة إليه وقد تغيرت ملامحهم بصورة تعبر عن الانزعاج. شاعرينَ بشيءٍ من الضيق المكبوت. كانوا يعرفونه، الرجل الذي يحمل وقار التديّن على كتفيه، ويقرأ القرآن في ساعات العمل، بينما تدور حوله همساتٌ أخرى، عن طرقٍ ملتويةٍ للربح، عن أرقامٍ لا تُكتب في السجلات.

ابتسم صاحب المزحة، محاولًا تليين الجو:

- يا رجل.. مجرد كلام بين جدران.. وليس كالنقاش كالذي صار قبل قليل بين مهدي وعبد القادر.

ردّ الملتحي، بصرامةٍ أشد:

- ليس كل كلام يقال بهكذا وقت.

تدخّل الموظف ذو النظارات، بنبرةِ تعبٍ واضح:

- اسمع يا حاج.. نحن ملّينا من السياسة ومن كل شي.. نشتغل ونمشي.. لا نتعارك ولا يصعد نقاشنا ولا جدالنا.. فأرجوك ما نريد فلسفة.

تجمّد الموظف القادم في مكانه. لم يكن يتوقّع هذا الاصطدام المباشر. انكمش داخله، لا لأن الكلام أصابه، بل لأن شيئًا آخر تحرّك فيه.. خوفٌ، من أن تنفتح أبوابٌ لا يريدها أن تُفتح، أن يمتدّ النقاش إلى ما وراء الكلمات.. إلى ما يخفيه.

ابتسم الموظف ذو الشعر المضفور، بغمزةٍ خفيفة قال:

- نحن ما عدنا إلا العراق.. ليس لدينا الانتماءات التي جعلت بعض الناي تأخذ رشا وتمشّي معاملات لصالح أحزابهم.

كانت الجملة، سقطت كحجرٍ صغيرٍ أُلقي في بركة ماءٍ مغطاة، لكنها صنعت صوتًا مسموعًا  من الداخل، تشكّلت على شكل دوائر واسعة.

تدخّل الموظّف الأربعيني بسرعة، بنبرةٍ ساخرةٍ أراد بها كسر الحدّة:

- هل تعلم.. أغلب الذين يصلّون ويصومون يروحون للآخرة بثوب أسود… واحنا نروح بثوب أبيض..

لم يضحك أحد هذه المرّة.. كانت الكلمات مقصودة وموجهة. ولم تكن ملغزة.. لكن الشيء الذي حصل أن

الصمت صار أثقل من الضحك.

تحرّك الموظف الملتحي ببطء، وقد فتح الباب ليخرج مسرعا. قبل أن يُسحب أكثر إلى هذا المستنقع، لكن الموظف ذا النظارة وقف عند عتبة الباب، ونصف جسده في الممر، ألقى خلفه جملةً، بنبرةٍ أقرب إلى المزاح، لكنها لم تكن بريئة:

- نحن لسنا من حزب الحزن، ولا من حزب الفرح.. نحن من حزب العراق

تسارعت خطوات الموظّف الملتحي بغضب سيكون لها تبعات ووعيد يتردد في داخله.. تسبقه الجملة التي انتشرت بسرعةٍ غريبة، كأنها وجدت أرضًا جاهزةً للاشتعال. لم تمرّ دقائق حتى صار القول يتردّد، أوّلًا همسًا، ثم ضحكًا، ثم سؤالًا ساخرًا يتنقّل بين الغرف:

- انت من أي حزب؟، حزب الحزن لو الفرح؟

كانت في البدء خفيفة، لكنها تحمل سُمًّا خفيًّا. تختزل كلّ شيء، وتسخر من كلّ شيء، وتُجبر كلّ واحدٍ على أن يحدّد مكانه، ولو على سبيل المزاح.

وصلت إلى مهدي، وهو قد خرج لتوّه  من الحمّام، بوجه مبلّلٍ بالماء، يحاول أن يُطفئ ما في داخله. التقط الجملة، وشعر أنّها لا تمرّ عليه كغيره، بل تستقرّ فيه.. عاد بها إلى الغرفة.. دخل، نظر إلى عبد القادر، قال بنبرةٍ تحمل نصف سخرية ونصف مرارة:

-  تعرف ماذا يقال في الغرف؟. صاروا يسألون، إنت من حزب الحزن لو الفرح؟

ضحك عبد القادر، ضحكةً قصيرة، لكنها لم تكن خفيفة:

- هذه ليست نكتة.. هاي رسالة.

سكت مهدي لبرهة، ثم قال:

-  يعني إحنا صرنا عنوان؟

ردّ عبد القادر، وهو يحدّق فيه:

-  لا.. إحنا صرنا مثال.

تلاقت نظراتهما من جديد، لكن هذه المرّة لم تكن مشدودةً فقط، بل مثقلةً بشيءٍ آخر، إدراكٌ بأن ما بدأ بينهما لم يعد يخصّهما وحدهما. لقد خرج الكلام من الغرفة، تمشّى في الممرّات، لبس وجوه الآخرين، وتحوّل إلى لغةٍ جديدة. لغةٍ تقسم الناس.. حتى وهم يضحكون.

فجر أحمر.. نهار ضبابي – رواية في حلقات

الحلقة الخامسة - تصاعد التوتّر

-11-

 لم يحتج الأمر إلى وقتٍ أطول كي ينقلب ميزان المكان، فالأوراق التي كانت قبل ساعةٍ سيّدة الطاولات، صارت الآن مجرّد خلفيةٍ صامتة، فيما احتلّت الهواتف المحمولة مركز المشهد، كأنها قلوبٌ صغيرةٌ تنبض في أيدي أصحابها. كانت الشاشات تضيء وتخبو، تفتح وتُغلق، تُقرّب وتُبعد، وفي كلّ مرّةٍ تنفتح، كانت تحمل معها احتمالًا جديدًا للاشتعال.

الموظفٌ في مكتب رئيس القسم، كان ينحني قليلًا فوق هاتفه، بطريقة اندهاش ظاهرية، كأنّه يقرأ خبرًا عابرًا، لكنه في الحقيقة يشاهد الفيديو الذي نشره عبد القادر على صفحته في الفيسبوك. اقترب من زميله، وخفّض صوته، لا ليخفيه تمامًا، بل ليمنحه طابع السر:

- شفت هذا؟.. أسمعت ما قاله؟

في نبرته شيءٌ من اللذّة الخفيّة، لذّة الاكتشاف، أو لذّة امتلاك معلومةٍ قبل الآخرين. لذة أنه وجد شيئا يعتقده معيبًا عند.. انحنى الثاني، ثم الثالث، ثم رابعٌ من طرف المكتب. تلاصقت الأكتاف، وامتدّت الأعناق، وبدأت العيون تتّسع، فيما كانت الأصابع تكبّر الصورة، تعيد المقطع، تتوقّف عند جملة، وتعيدها.. ثم تفرقوا ليفتحوا صفحاتهم، وإعادة رؤية التسجيل الفيديوي الذي لم يعد مجرّد مقطع،  بل صار حدثًا.. ومعلومة، وجسدًا يتنقل من هاتف إلى آخر.. من المكتب، خرج إلى الغرفة، ومن الغرفة إلى الممر، ومن الممرّ إلى غرف المبنى. تحوّل إلى رسائل تتناقلها تطبيقاتٍ صامتة، لكن أثرها صاخب. ومع كلّ انتقال، كان يكتسب نبرةً جديدة، تفسيرًا جديدًا، ونيّةً أخرى.

في زاويةٍ أخرى من الطابق، كانت أربع موظفاتٍ يتحلّقن حول هاتفٍ واحد. لم يكن النظر وحده هو الفعل، بل ما يرافقه من تعليقاتٍ تخرج بنبراتٍ متباينة، بين استنكارٍ ودهشةٍ وشيءٍ من الامتعاض.

قالت إحداهن، وهي تعيد المقطع:

- هذا ليس رأيًا.. هذا استفزاز.

أجابت أخرى، وهي تشدّ حجابها قليلًا:

-  يدعو الناس إلى الفرح معه..

كان صوت عبد القادر يخرج من الهاتف واضحًا، أكثر وضوحًا مما كان في الغرفة، كأن التسجيل يجرّد الصوت من تردّده، ويقدّمه حادًّا، صريحًا، بلا سياقٍ يخفّفه.. لم تكتفِ النساء بالمشاهدة. حملن الهاتف، واتجهن نحو مكتب رئيس القسم، بخطواتٍ تحمل شيئًا من الاستفهام، وشيئًا من الاتهام.

رفع رئيس القسم رأسه، وقد بدا بين رغبته في المعرفة، وانزعاجه من هذا التجمّع:

- منو هذا؟

نظرت إحداهن إلى الأخرى، ثم قالت بثقة:

- عبد القادر.. هو بشحمه ولحمه.

وقبل أن يكتمل المشهد، دخل موظفٌ آخر، يرفع هاتفه كما لو أنه يحمل دليلًا مضادًا:

- شوفوا هذا.. شوفوا التعليقات واللاياكات والإعجابات.. لقد أثار شيئا ما كان له ان يحصل.

في ذات الوقت كانت هناك غرف، تقلّب هواتفها على تسجيل فيديوي لمهدي.. يظهر وجه مهدي. كان مختلفًا.. لا ابتسامة، لا حدّة ساخرة، بل توتّرٌ صريح، وحزنٌ يتسرّب من بين كلماته. وسارع بعضهم إلى غرفة رئيس القسم.. الذي بدا عليه الاستغراب من حالتين..

من بعض الموظفين الذين يحاولون أن يجعلوا الجو مشحونًا، ومن الحالة التي كان عليها مهدي وعبد القادر. لذا وقف خلف منضدته الواسعة.. على يمينه يقف مروجو فيديو عبد القادر وعلى شماله يقف مروجو فيديو مهدي.. أطلق تأفّفًا وقال كمن يحاول أن يضع حدًّا للتأويل:

- واضح جدا..  الموضوع ما بدأ هنا.. بل انفجر هنا.

لكن الجملة لم تُطفئ شيئًا.. كانت مجرّد محاولةٍ لوضع إطارٍ لشيءٍ خرج بالفعل من إطاره.. وخلال دقائق، صار المقطعان يتنقّلان كأنهما وجهان لعملةٍ واحدة، أو روايتان لحربٍ واحدة. من

طابقٍ إلى آخر، من مكتبٍ إلى مكتب، من مديرٍ إلى معاون، من همسٍ إلى جدلٍ مفتوح. بعضهم أعاد المشاهدة مرارًا، لا ليُدقّق، بل ليُعيد تثبيت موقفه. وفي كل غرفة، كان هناك مسرحٌ صغير.

في إحدى هذه الغرف، قال موظفٌ وهو يبتسم ابتسامةً مائلة:

- تركوا مشاكلهم، وراحوا يشاركون مشاكل غيرهم.

ردّ آخر، بنبرةٍ أكثر حدّة:

- لا.. هذا الذي صار، واحد يريد يفرض رأيه بالقوّة.

تدخّل ثالث، وقد اشتعل صوته:

- يعني مهدي غلطان؟ هو يدافع عن الحق.

ابتسم الأول، لكن ابتسامته هذه المرّة كانت أكثر برودًا:

- الحق؟ بكل الحروب التي خاضها العراق، لم يقف معه أحد فلم نقف مع طرف؟

جاء الردّ سريعًا، من زاويةٍ أخرى:

- لكن هناك معارك تحرقك.. العدو فيها واضح.. هل تريد ان نقف مع الصهيونية؟

كانت الجمل تتصادم، لا لتصل إلى نتيجة، بل لتثبت وجودها فقط.

في تلك الأثناء، كان مهدي وعبد القادر داخل غرفتهما، يعودان إلى الأوراق، إلى الأختام، إلى الروتين الذي بدا فجأةً كأنه ملاذ. كانت الأيدي تعمل، لكن الذهن لم يكن حاضرًا بالكامل.

رنّ الهاتفان، في ذات الوقت. نظرا إلى الشاشتين. الرسالة ذاتها، الصياغة ذاتها، والرابط ذاته.

"لقد أصبحتما من جديد حديث الدائرة."

فتح عبد القادر المقطع. ظهر وجهه، كما سجّله، لكن هذه المرّة لم يكن وحده، كان هناك من يشاهده، من يحكم عليه، من يعيد تشكيله. استمع لثوانٍ، ثم أغلق الهاتف بسرعة، كأنّه يخشى أن يسمع نفسه أكثر.. رفع رأسه.. كان مهدي لا يزال يشاهد. عيناه ثابتتان على الشاشة، لكن شيئًا في وجهه كان يتغيّر، كأنّه يرى ما لم يكن يراه من قبل.. التقت نظراتهما. لم تكن نظرة مواجهةٍ هذه المرّة، بل نظرة اشتراكٍ غريب، كأنّ كليهما أدرك أنه خرج من نفسه، وصار مادةً لشيءٍ أكبر.

مرّ طيف ابتسامةٍ خفيفة بينهما، ابتسامة لا تخلو من مرارة، سرعان ما انكسرت.

اندفع الباب، دخل موظفٌ مسنّ، يحمل بيده معاملة تقاعده، كأنّه يحمل خلاصة عمرٍ كامل. كان صوته أهدأ، لكنه أثقل:

- أنا زميلكم وعمكم.. لا تتركوا هذا الأمر يأخذكم للتعصّب.

تقدّم قليلًا، ووضع ورقةً فيها عددا من التواقيع والأختام عل  صدره:

-  أنا اعتبراني صديقًا لكما، اتمنى أن لا تأخذكم هذه الحالات إلى التعصّب. ما حصل ستستغله هذه الجهة أو تلك. كونا أكثر وعيّا.

اخبرهما أنه يريد توقيعه براءة الذمّة لإكمال معاملة التقاعد. لكنه استمر بإخبارهما برأيه من الحياة علّمته الكثير، وأن الصراعات موجودة، ليس الآن بل حتى في زمن الأجداد. ومن ثورة العشرين وقبلها مع الاحتلال العثماني والاحتلال الإنكليزي وهناك من ضدّهما أو معهما، مؤيدًا ومعارضًا. وأخبرهما أن هناك من وقف مع الحكم الملكي ومن وقف مع الحكم الجمهوري. وهناك من كان مع عبد الكريم قاسم وهناك من ضدّه. وهناك من هو ضدّ صدام ومن هو معه. هذا أمر طبيعي. وقال لهما أن الحكم الحالي له مؤيّدوه وله معارضوه

كان الاثنان لم ينطقا بشيء، ظلّا يصغيان له،. ولم تزل ورقة براءة الذمّة بين يديه. قال لهما:

- لا تأخذكم التعليقات ولا المواقف لتكونا صيدًا سهلا. أريدكما أن تكونا مثل براءة الذمّة اتجاه العراق والحياة الاجتماعية. ما نفع اختلافكما والخارج يعيش بأمان؟

أخرج هاتفه:

- أكيد قرأتم التعليقات؟

حرّك إصبعه، على سطح شاشة هاتفه، حتى توقّف عند سطرٍ ما، وقرأ:

"يبدو أن الحرب وصلت حتى إلى داخل الدوائر."

ظلّت الجملة معلّقةً في الهواء، كأنها لا تحتاج ردًّا.. وراح ينظر إلى الاثنين وهما يعبّران عن قناعةٍ مشوبة بالقلق،

أو غضبٍ مخلوطٍ بعدم الثقة.. أخرجهما الموظّف من ذهول الواقعة، ناول الورقة إلى عبد القادر:

- وقّع أنت ثم مهدي واجعلا ذمّتكما مثل هذه الورقة نظيفة.

لم يكن يوقّعا على ورقةٍ فقط، بل كانا يشعران، ولو بشكلٍ غامض، أن كلّ كلمة، كلّ موقف، كلّ نظرة، قد تتحوّل، في أية مخالفةٍ حتى لو لم تكن إداري، إلى شرارة. والشرارات، حين تجد هواءً كافيًا، ومادّة قابلة للاشتعال، لا تبقى صغيرة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د