انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فجر أحمر.. نهار ضبابي- رواية في حلقات الحلقة الثانية - صدى الاغتيال

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

9 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
فجر أحمر.. نهار ضبابي صدى الاغتيال
مشاركة:

3-

كان الفجر في ذلك اليوم ممتدًّا على غير عادته، طويلًا وصامتًا وقلقًا، لا يريد أن يسلّم ساعاته للصباح. فقد أشرقت الشمس على ذبول أشعّةٍ خاملة. الضوء يتسرّب ببطءٍ شديدٍ إلى الأزقّة والبيوت، لا يحمل صفاء الصباح المعتاد، بل شيئًا من الكآبة الثقيلة. حتى نهار اليوم الأوّل من الشهر الثالث بدا ملبّدًا بالغيوم، غيومٌ منخفضةٌ بلونٍ رماديٍّ كثيف، على شكل صفائح رصاصٍ معلّقة فوق المدينة. والريح الباردة تمرّ بين البيوت والأزقّة والمحالّ، محمّلةً برائحةٍ غريبة، تشبه رائحة احتراقٍ بعيدٍ لا يُرى. كان كلّ شيء يوحي بأنّ هذا الصباح ليس مثل غيره.

كان النهار عند مهدي أكثر قتامة، وقضاها ساهرًا، ولم يقرأ القرآن كما هي عادته ما قبل الإمساك, ولم يسعَ إلى النوم كما يفعل، في يومي الجمعة والسبت، ويوم السبت بالنسبة إليه يوم عطلة، وراحة وكسل ونوم حتى الظهيرة. يترك فيه جسده يغطّ في نومٍ متقطّع، لا يستيقظ إلّا بعد إلحاحٍ من زوجته، لتطلب منه أداء صلاة الظهر، أو يستيقظ في بعض الأحيان على صوتها وهي تضع قرب وسادته ورقةً صغيرةً كتبت فيها، بخطٍّ سريعٍ غير منتظم، ما يحتاجه البيت من أغراضٍ، ليخرج إلى السوق ليتسّوقها.. تلك طقوسٌ بسيطةٌ تتكرّر كلّ أسبوع. وكان كثيرًا ما يمازحها من أن لا راحة في البيت حتى في أيام العطلة.

لكن هذا الصباح كسر تلك العادة منذ زواجه.. لم ينم، قضاها متابعًا للأخبار.. منذ أن أذيع الخبر، ظلّ حائرًا لا يعرف

ماذا يفعل وكومة الغضب والحزن وحتى البكاء تتكدس في صدره. وشعر بثقل كبير جعله لم يذق للنوم طعمًا. جلس على الأريكة في وسط غرفة الهول، منحني الكتفين قليلًا، وعيناه معلّقتان بالشاشة. كان التلفاز لا يزال يبثّ الأخبار نفسها، صور أماكن القصف، الدماء، صور الطائرات، برامج تحليلات المحلّلين، وجوه المذيعين التي تحاول أن تبدو متماسكةً أمام حدثٍ يتدحرج بسرعةٍ في أنحاء العالم. وتكرار العواجل المؤكدة للخبر.. كان يسمع الكلمات تتكرّر، لكنّ وقعها في داخله يزداد ثقلًا مع كلّ إعادة، كأنّها لا تُقال لتُفهم، بل لتُرسّخ.

دخلت زوجته، بخطوات ثقيلة قادمة من غرفة النوم، تحمل في يدها الورقة الصغيرة المعتادة، ورقةٌ مقصوصة الحواف على عجل، كتبت عليها بعض حاجيات البيت، خبز، بيض، شاي، وربما شيءٌ من الفاكهة. وصمون.. لم تكن تتابع الأخبار كثيرًا، ولم تكن قد سمعت بعد بما جرى عند الفجر الذي عاتبته حين دخل ضوء النهار وسقط على عينيها، ونادته وهي من مكانه معاتبة لأنه لم يوقظها لتناول السحور وحتى أداء صلاة الفجر.

لم تنتبه لشكله ولم تساله لماذا لم ينم حتى الآن.. مدّت يدها نحوه، وهي على وشك أن تقول له ما تقوله كلّ مرة.:

- ما دمت مستيقظا ، اذهب وتسوّق.

لكنها توقّفت، لم تنطق بشيء. وجدت ملامحه حزينة، الرجل الذي أمامها مختلف على نحوٍ أربكها.. رأت زوجها بلا حراك، جامدًا كقطعة ظلٍّ في مكانٍ مهجور. وجهه مكفهرّ، وعيناه معلّقتان بالشاشة بتركيزٍ حادّ. كانت الملامح التي اعتادت أن تراها هادئةً أو ساخرةً في كثيرٍ من الأحيان، قد تحوّلت إلى شيءٍ آخر، شيءٍ مشدودٍ، مكسورٍ من الداخل.

تقدّمت خطوةً أخرى، تتأمّل وجهه بذهول، لم يكن مهدي من الرجال الذين يكتمون ما في صدورهم. كان سريع الكلام، سريع الغضب، سريع الضحك أيضًا. ولم تتعود منه أن يكون صامتا لا يكلّمها ولا يخبرها بما يعانيه.. رأت في

عينيه، في موقيه القريبتين من الأنف شيئًا، حيث النقطة الدمعية  لم تره من قبل، سحابةً من دموعٍ متجمّعةً عند حافّة عينيه، تنتظر السقوط. وكان هناك أيضًا شيءٌ آخر، شعرت به يسكن تفاصيل ملامحه، صرخةٌ مكتومة تكاد تنفلت من وجهه.

قالت بقلقٍ حقيقي:

- ما بك يا رجل؟ أنت تخيفني.

تردّدت لبرهة، ثم أضافت، متذكّرة أنه لم ينم على السرير، حينها بدأ القلق تسلّل إلى صوتها:

- هل زعلتك بشيء؟ هل أنا…...

لم يدع الجملة تكتمل. قاطعها بسرعة، بإشارة من يده، وابتسامة خاملة، يخشى أن تحمّل نفسها ذنبًا لا علاقة

لها به. التفت إليها بعينين حمراوين، وقال بصوتٍ مبحوحٍ كأنّه خرج من صدرٍ متعب:

- لقد اغتالوا السيد علي خامنئي.

توقّف الزمن في الغرفة، تحوّل إلى جماد في كل شيء كانت الكلمات ثقيلة، خرجت ببطءٍ شديد، وحين استقرّت في الهواء بدت كأنّها حجارةٌ سقطت في قلب المكان. لم تحرّك ما هو ساكن، بل زادته سكونًا مؤذيًا، سكونًا يشبه كتلة طينٍ غير يابس، يبتلع كلّ ما له علاقة بالهدوء. ظلّت الزوجة تحدّق فيه، غير قادرةٍ على فهم عمق ما يجري في داخله. أمّا هو، فقد أعاد نظره إلى الشاشة، عائدًا إلى جرحٍ

لا يستطيع أن يشيح عنه.. لعل خبرا آخر يأتي فيكذب ما سقط فوق رأسه.. فيما ظلّت الدموع في عينيه تتجمّع بصمتٍ ثقيل، بينما كانت أصوات المذيعين تواصل سرد الخبر نفسه، قلب قنوات عديدة. والنتيجة واحدة.

وقف بلا إرادة منه، وقف امام النافذة، حيث بيته المطل على دجلة بالقرب من حديقة 14 تموز. فرسم بصره خيطًا مائلا باتجاه الأعظمية، حينها داهمه تفكير جديد.. صار يشاغله ومر في داخله ملحًّا.. ماذا سيقول عبد القادر حين يلتقيان غدًا؟

-4-

 لم تكن بغداد في ذلك اليوم كما هي على إيقاعها المعتاد. لم يكن الصخب صخبها، ولا الصمت صمتها. كان الشيءٌ الثالث يتشكّل بينهما، شيءٌ مضطرب، تتردّد فيه الفوضى كما تتردّد الأسئلة، وتتقاطع فيه الآراء كأنّها أمواجٌ صغيرةٌ تتصادم في مجرى ضيّق.

النهار الرمضاني بدا أطول من طبيعته، تمدّد على حساب الليل. تثاءب متأخّرًا فوق الأسطح، حين بدأت الأخبار تتسرّب إلى الأزقّة، لا كخبرٍ واضح، بل كصوت يتوزع بخفوتٍ لا يعرف مصدره، ينتشر ببطءٍ، ويتسلّل إلى البيوت من الشقوق، ويستقرّ في الصدور قبل أن يُفهم.

البيوت التي أطفأت أنوارها بعد السحور، لم تنعم بنومٍ طويل. الأبواب فُتحت على عجل، مستجيبة لنداءٍ غير مسموع. الهواتف أخذت ترنّ، والرسائل القصيرة تتدفّق، على شكل أسراب طيورٍ مذعورة تبحث عن مكانٍ تهبط فيه، فلا تجد. كلّ خبرٍ يولد خبرًا آخر، وكلّ روايةٍ تلد شكًّا جديدًا.، وكل تشكيكٍ يتناسل الى مشكلات، فيتبارى الشعراء بحسجتهم ومهوالاتهم، لتدعيم رواياتها المستلّة من أفوه متخمة بالصراع.

فجر أحمر.. نهار ضبابي- لرواية في حلقات

الحلقة الثانية - صدى الاغتيال

من الأحباء السكنية الواسعة ومن الأزقّة الضيّقة، خرج الرجال مبكّرين على غير عادتهم، يتلفّعون بمعاطفهم، يقفون عند رؤوس الطرقات، لا لشيءٍ محدّد، بل ليتبادلوا ما سمعوه، أو ما ظنّوا أنّهم سمعوه. كان كلّ واحدٍ يحمل روايةً مختلفة، لكنّ الكلمة التي تتكرّر على الألسنة كانت واحدة: الاغتيال. كان اللفظ يُقال بحذرٍ أحيانًا، وبانفعالٍ أحيانًا أخرى، لكنّه في كلّ مرّة يترك أثرًا، كأنّه حجرٌ صغير يُلقى في ماءٍ راكد. ومهدي، الخارج من البيت إلى جهةٍ لا يدريها سوى أنه خارج، حتى أنه نسي الورقة التي كتبت فيها الزوجة ما يتسوّقه في يوم السبت.. ظلّ يمشي بلا معنى واضح. لم يكن يعرف إن كان خارجًا للتسوّق، أم ليلتقط ما يتطاير من أفواه الناس. خطواته لم تكن تقوده بقدر ما كانت تدفعه، فالمدينة نفسها تسحبه إلى داخلها، إلى هذا الاضطراب  الذي بدأ يتشكّل.

مرّ برجلٍ يضغط هاتفه على خدّه، يتكلّم بصوتٍ عالٍ، كأنّه يريد أن يسمع نفسه:

- يقولون إنّ الخبر مؤكّد.. قُتل في الغارة.

على بعد خطوات، كان يحدّث رفيقه بقلقٍ طافحٍ بالترقّب، وكانت نبرته متردّدة:

- يمكن إشاعة.. الحروب مليئة بالإشاعات.

لكن شابًا، يقف عند ناصية الطريق، رفع صوته كأنّه يريد أن يحسم الأمر:

- هذا ديدنكم، كلّ شيء تكذّبونه إذا أحببتم شخصًا، أو تُشيعونه إذا كرهتموه.

ثم أضاف، ليثبّت موقفه أمام نفسه قبل الآخرين:

- كلّ القنوات تتحدّث عنه.

كانت الكلمات تُقال، لا لتُناقش، بل لتُعلن. وكلّ جملةٍ كانت تحمل داخلها حكمًا مسبقًا، فالناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عمّا يوافق ما استقرّ في داخلهم.

ظلّ مهدي يدور في السوق القريب من سكنه. الوجوه مألوفة، الأسماء معروفة، الجميع من منطقةٍ واحدة، يعرفون بعضهم، يتشاركون التفاصيل الصغيرة، لكنّهم اليوم بدوا مختلفين، كأنّ خبرًا واحدًا نجح في إظهار ما كان مخفيًا تحت سطح العيش اليومي. بعيدًا قليلًا، كان ضريح الإمامين الكاظمين

يكتظّ بالزوّار، لكنّ هذا السوق، القريب منه، كان يعيش ازدحامًا آخر، ازدحام الآراء، وتضارب الانفعالات. من داخل مقهى صغير، سمع صوته يُنادى:

- أستاذ مهدي.. تعال.. استرح.. اشرب جاي.

تردّد في الحركة. لم يكن يريد الجلوس، ولا الدخول في هذا الضجيج، لكنّ الصوت كان صوت صديقٍ وجار، لم يكن من السهل تجاهله. دخل.. سلّم باقتضاب، وردّ على السلام وتحية الجلوس، وأشار برأسه إلى الجار أن يشاهد معه التلفاز الذي يحتلّ مركز الجدار المقابل، وجد أغلب الرواد وحتى أصحاب المحال الأخرى، يستمعون إلى العواجل..  صار قبلة الأنظار. جلس الرجال متلاصقين، لا لأنّ المكان ضيّق، بل لأنّهم ينجذبون إليه دون وعي. العيون معلّقة بالشريط الأحمر الذي يمرّ أسفل الشاشة، والآذان تلتقط كلّ كلمةٍ كأنّها شظية.

لم يكن أحدٌ يهتم بطعم الشاي، ولا بلذّة دخان الأركيلة الذي بدأ يملأ المكان. حتى الأيدي التي اعتادت أن تتحرّك بعفوية، بدت الآن أبطأ، كأنّها تنتظر إشارةً من الشاشة. كان واضحًا أنّ المدينة بدأت تنقسم. رغم أنه ليس انقسامًا صاخبًا، لكنه كان يتشكّل في العمق، في النظرات، في طريقة الجلوس، في نبرة الكلام. مهدي يسمع ولا يتكلّم. لم يكن يملك رغبةً في

الدخول في هذا السيل من الشتائم، ولا في إعادة الأقوال التي تُسحب من أفواهٍ اعتادت البلبلة. كان يدرك أنّه حزين، نعم، لكن حزنه لم يكن من النوع الذي يبحث عن جمهور.

في زاوية المقهى، كان هناك رجلٌ خمسيني، ملتحٍ، وعلى جبهته سِمةٌ لطالما جعلت مهدي يتوجّس منها، لا لشيءٍ واضح، بل لشعورٍ قابع بعدم الاطمئنان، رآه يهزّ رأسه بحزنٍ عميق، يتمتم بكلماتٍ لا تُسمع، ثم رفع صوته:

- اقترب اليوم الموعود.. سيظهر الإمام.

سقطت الجملة في المكان وتركت متقرّبة من كّل أذن، تفسيرٌ غرائبي وغيبي لكلّ ما يحدث. في الزاوية المقابلة، كان هناك شابّ في الثلاثين، ابتسم ابتسامةً خفيفة، أخفاها خلف فنجان الشاي، يخشى أن تُرى. قال، بنبرةٍ أرادها عابرة، لكنها كانت مشحونة:

- هاي شيخلّصْها، الله جابها.. راح نشبع من هذه التصريحات.

لم يكن الردّ مباشرًا، لكنه كان كافيًا ليُظهر الشرخ، بين هاتين الجملتين.. لينقسم المقهى ويطرد الهدوء من باب الزقاق،  نظراتٌ تتقاطع، صمتٌ يتفتّت، وكلماتٌ تُقال بحذرٍ أو باندفاعٍ، لكنّها كلّها تشير إلى شيءٍ واحد، أنّ ما حدث لم يكن حدثًا عابرًا.

حتى السوق شعر بثقل ذلك الصباح. الباعة الذين اعتادوا رفع أصواتهم صاروا أكثر خوفًا، في داخلهم خشية

من كل شيء. من الحرب أو ارتفاع الأسعار وقلّة الشراء.. الأحاديث بين الدكاكين لم تعد عن المزاح وإطلاق نكتة هنا أو حتى شتم السياسيين والفاسدين، بل عن الحرب القائمة، عن احتمالاتها، وعن الخوف الذي لا يُقال صراحة. والسماء، لا تزال رمادية، ثقيلة، كأنّها تنصت لما يجري في الأرض.

أمّا مهدي، فقد ظلّ جالسًا أمام التلفاز، يغالب أفكاره، يتنقّل بين ما يسمع وما يشعر، دون أن يجد نقطةً يستقرّ عندها. وفي زاويةٍ من ذهنه، مرّت صورة عبد القادر. تخيّله مع أصدقائه، يواصلون التكبير والتهليل، يحتفلون بانتصارٍ بعيد، لا يرون امتداداته. لم يكن متأكّدًا من هذه الصورة، لكنها كانت كافية لتزيد من ارتباكه.

بين هاتين الصورتين، بين الصمت والهتاف، بين الحزن والفرح، كانت بغداد تستيقظ ببطءٍ على حقيقةٍ واحدة، أنّ الحرب، قبل أن تصل إلى الجبهات، تصل أولًا إلى أفكار الناس، وتاريخهم، وما يخفونه عن أنفسهم

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٥٨ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فجر أحمر.. نهار ضبابي*
سرد

فجر أحمر.. نهار ضبابي - رواية في حلقات الحلقة الأولى

فجر أحمر.. نهار ضبابي* علي لفتة سعيد رواية لم يكنْ الفجرُ قد اكتمل بعد. كان الضوء ما يزال حائرًا بين سواد الليل وبياض الصباح، حين انتهى الناس من سحورهم في ذلك اليوم الرمضاني. أدّوا الصلاة، ثم تفرّقوا إلى فراشهم، كلٌّ منهم يسلّم جسده لنعاسٍ خفيفٍ قبل أن يبدأ يومٌ جديد. بدا العالم هادئًا على نحوٍ…

· 10 د
قصة " ولادة في مهاد المسيح"
سرد

قصة " ولادة في مهاد المسيح"

ولادة في مِهاد المسيح تحت خيوط الفجر المرتعشة، حين كان الضوء الوليد يتسلل بحذر بين غبار القصف ورائحة البارود، كانت زينب تمشي ببطء في باحة كنيسة العائلة المقدسة. لم تكن خطواتها تقيس المسافة بقدر ما كانت تحاول مهادنة الألم الذي أخذ يتفتح في جسدها كجرحٍ حيّ، مخاض مبكر يعلن نفسه في شهرها السابع، كأن…

· 4 د
جلالة الخواء
سرد

جلالة الخواء

غالب المسعودي في هامش المجرة الخربة، حيث تتكسر الجاذبية عند حافة الحكاية، وتفقد الثقوب السوداء شهيتها لابتلاع المزيد من الوجود المرهق، كان هناك ذباب إلكتروني. لم يكن يشبه أي ذباب في كوكبٍ مأهول، ولم يكن كائناً يبحث عن غاية. كان، في جوهره، أقرب إلى فكرةٍ تائهة، أو لعلّه "خطيئة برمجية" داخل سلكٍ…

· 6 د